الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
فتحية العسال… رحلة في الأدب والسياسة والفن
فتحية العسال… رحلة في الأدب والسياسة والفن
فتحية العسال… رحلة في الأدب والسياسة والفن


06-20-2014 04:15 AM
فتحية العسال…
ملامح من سيرة كاتبة يسارية

من كمال القاضي: في 20 نوفمبر 1933 ولدت فتحية العسال ولم تكن سعيدة الحظ، فقد عاندتها الحياة منذ أن خطت أولى خطواتها، فالأب وهو المثل الأعلى لأي ابن أو ابنة ليس شخصا نموذجيا، فقد حرم ابنته من التعليم فلم تنل القسط البسيط منه في المرحلة الابتدائية، كما كان معهودا في مثل هذه الحقبة، واختار الحل الأسهل فكان الزواج في الرابعة عشرة من عمرها قدرها الذي قرره الأب العائل والمسؤول.
من هنا بدأت الأزمة الحقيقية للفتاة فأخذت في التمرد وتبنت الرفض مبدأ أساسيا ومنهجا لكل حياتها فيما بعد ولأن الزواج المبكر الذي حرمها من التعليم كان هو القيد الحديدي الذي يطوقها فقد سعت للطلاق والتحرر من سجن الحياة التقليدية الرتيبة والخروج الى النور لاختيار الطريق الصحيح وصناعة المستقبل وفق طموحها ورؤيتها الشخصية.
وقد تلاقت رغبة فتحية العسال مع شعارات اليسار الماضية في نفس الاتجاه فانضمت الى كتيبة المناضلات والتقت بأستاذها ومعلمها الكاتب اليساري عبد الله الطوخي الذي منحها خبراته وأتاح لها فرصة التعليم و التثقيف والخروج من قمقم الأمية، وسرعان ما تجاوبت التلميذة النجيبة مع مبادرات الحنو والعطف وفك طلاسم القراءة والكتابة حتى صارت متمكنة فيما كانت تجهله تماما.
ولأن الإبداع موجود لديها بالفطرة فلم تأخذ وقتا طويلا في الاكتساب والتمرس، ومن نافذة الأدب والثقافة عرفت العسال طريقها الى السياسة وتزوجت أستاذها عبد الله الطوخي وانخرطت في العمل العام وانضمت الى تنظيم « حدتو « ذلك التنظيم الشيوعي السري ولكنها لم تتكيف معه، فسرعان ما تركته احتجاجا على نمطية وقوبلة المرأة داخله، فهي تبالغ في إخفاء المظهر الذكوري على نفسها و تهتم كثيرا بكونها أنثى إمعانا في إبداء الخشونة والقوة كي تكون ملائمة للعمل الثوري الذي يتطلب الزهد في الحياة المرفهة. لم ترق هذه الممارسات للفتاة الموهوبة السوية المؤمنة بالفوارق الطبيعية بين الرجل والمرأة فعملت على الاستمرار في مشوارها الفكري والنضالي بعيدا عن التصنيفات التنظيمية وبرغم أنها اعتقلت ثلاث مرات إلا أنها لم تهمل الجانب الإبداعي بل تمسكت به أكثر وأنجزت 757 مسلسلا دراميا وعشرة مسرحيات من أشهرها هي والمستحيل وهو عبارة عن تسجيل واقعي لقصة حياتها مع التعليم والزواج وقد لعبت دورها صفاء أبو السعود فيما قام بدور الزوج عبد الله الطوخي الفنان محمود الحديني، وقد أوضحت في هذا المسلسل المهم ما كانت تعانيه من حرارة الأمية وحدة المواقف الإنسانية الصعبة نتيجة الجهل بأشياء كثيرة لم تكن على دراية بها في فترة تكوينها الأولى.
ومن هي والمستحيل الى لحظة اختيار وحصاد الحب وصولا الى الإبداع المسرحي حيث ليلة الحنة ونساء بلا أقنعة. وتوالت النجاحات حتى صارت فتحية العسال يشار إليها بالبنان كاتبة وأديبة وسياسية ومناضلة وقيادية بارزة في الاتحاد النسائي التقدمي لحزب التجمع وجبهة الدفاع عن حرية التعبير وحق المعرفة الجبهة التي أسستها مع الفنانة إسعاد يونس.
حصلت الراحلة أيضا على عضوية مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر واشتهرت كواحدة من العناصر النسائية النشيطة ليس في الكتابة والإبداع فحسب ولكن في المواقف السياسية أيضا، فقد أيدت موقف الاتحاد في رفض التطبيع على مدى سنوات طويلة وتصدت لمحاولات التسلل وتغيير الهوية الثقافية، وكذلك شاركت في جميع المظاهرات والوقفات الاحتجاجية ضد العدوان الإسرائيلي على غزة والعدوان الأمريكي على العراق ولم تكتف بالكتابة، فقد كانت تؤمن بالعمل الميداني وترى أن عزلة المثقف هي سبب الأزمات السياسية الحقيقية.
أعلنت الكاتبة الكبيرة انحيازها للشعب منذ اللحظة الأولى لانطلاق شرارة ثورة 5 يناير وظلت على عهدها وفيه لمبادئها وأفكارها والتحررية ضد اظلم والفساد والعدوان على حق لفرد والمجتمع.
سجلت فتحية العسال سيرتها الذاتية في ستة مجلدات ولم تترك شاردة أو واردة إلا وأحصتها وفما يتعلق بالتفاصيل وحياة الأطراف الأخرى ذات الصلة بسيرتها راعت حقوقهم الأدبية ولم تشأ أن تشير لأحد بما يسيء إليه أو ينقص من قدرة أمام أهله وذويه لذا عكفت على تنقيح ما كتبته مرارا وتكرارا حتى لا تقع في المحظور وتصيب قوما بجهالة فيصبحون على ما فعلوا نادمين.
تحرت الأستاذة الكبيرة الصدق وتجنبت المبالغة والمباشرة وربما خوفها من أن تستغل سيرتها الذاتية في الإساءة لأحد هو ما دفعها لكتابتها قبل رحيلها توخيا للحذر وإمعانا في الدقة.
لم تطلب الأم من ابنتها الفنانة صفاء الطوخي كتابة هذه السيرة عنها بعد وفاتها ليس لعدم الثقة ولكن لرغبة في أن تتم مشروعها ومشوارها كله بنفسها فلا تترك مجالا للشك والريبة أو فرصة للطعن على ما خطته بيدها وحوته في كتبها من حكايات وحواديت ومواقف وأزمات وأشخاص وانتصارات وانكسارات، كل ذلك كتبته لتكون وحدها المسؤولة عنه وهي قمة الشجاعة والنبل من أمراة لم تعرف المستحيل ولم تتكئ إلا على موهبتها .. موهبتها فقط.
رحم الله الكاتبة والمبدعة والمناضلة فتحية العسال.

القدس العربي


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1306

التعليقات
#1047072 [ركابي]
1.00/5 (2 صوت)

06-28-2014 12:43 PM
ربنا يرحمها ..كاتبة مبدعة وامراة عصامية

[ركابي]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة