الأخبار
أخبار إقليمية
أسرار السياسة السودانية في «سقوط الأقنعة»
أسرار السياسة السودانية في «سقوط الأقنعة»
أسرار السياسة السودانية في «سقوط الأقنعة»


كتاب توثيقي ينتقد المعارضة والنظام ودول طوق تلاعبت بالجانبين
06-28-2014 03:49 PM
طلحة جبريل

كتاب «سقوط الأقنعة» مؤلف له علاقة واضحة جداً بكاتبه. كتاب بين دفتيه الكثير من أيام وسنوات المؤلف نفسه، على الرغم من انه كتاب سياسي توثيقي، يرصد عبر جهد ملحوظ فترة شديدة الالتباس في تاريخ النظام الحاكم في السودان وكذا تقلبات معارضيه.

يقول الصحافي والكاتب فتحي الضو، وهو يتحدث عن كتابه في حفل تقديمه في واشنطن: «استعنت بحوالي 300 كيلوغرام من الكتب والاوراق وآلاف من الوثائق... وبعد صدور الكتاب كنت أتمنى أن يأتي من يقول هذه الواقعة ليست صحيحة لكن ذلك لم يحدث، وبما ان معظم الذين تحدثت عنهم أحياء تمنيت ان يذهب أحدهم للقضاء لكن ذلك لم يحدث ايضاً». وشهد حفل التقديم نقاشاً حاداً وغاضباً بين مختلف أطراف الطيف السياسي السوداني الذين حضروا حفل التقديم وتوقيع الكتاب.

الكتاب الذي صدر في 690 صفحة وطبع في القاهرة، يشتمل على أسرار ووقائع، لا شك ستثير حنق وغضب كثيرين، سواء كانوا داخل السلطة الحاكمة في الخرطوم او اولئك الذين كانون ينازعونها الأمر قبل ان تبدأ الرحلة إلى «مراعي الشتاء حيث المصالحات والاتفاقيات والمهادنات» التي منحت كثيرين مناصب مغرية وملأت جيوب آخرين بالمال السائب في الخرطوم. وراح معارضو الأمس يقتسمون السلطة مع أهل النظام الذين كانوا «خصوماً» وتحولوا الى «شركاء». عاد المعارضون، ومنذ عام 2005 تباعاً الى العاصمة السودانية، بعد ليال عامرة بالقلق أغرقوا خلالها أنفسهم في «سهرة نضال» طويلة تأخر فيها طلوع الفجر سنوات بأكملها، في حين ترك اهل النظام جانباً «الجهاد» ضد «الخونة والعملاء» الذين اصبحوا مستشارين في القصر الجمهوري ووزراء في الحكومة، ونواباً في برلمان اتسع لكثيرين بالتعيين وليس بالانتخاب.

يتطرق «سقوط الاقنعة» الى الأجواء الملبدة التي أدت الى استيلاء «الاسلاميين» على السلطة في الخرطوم عبر انقلاب عسكري في 30 يونيو (حزيران) عام 1989.

يقول المؤلف: «تميز الانقلاب.. عن ما سواه من الانقلابات السابقة بانه الاول الذي تواترت أخباره من داخل ووراء الحدود».

ويشير الى ان الصادق المهدي رئيس الحكومة المنتخبة أيامئذٍ تلقى انذارين في ظرفين مختلفين من ضابطين يحذرانه من تحركات الجبهة القومية الاسلامية بقيادة حسن الترابي للتحضير لانقلاب عسكري. ثم يشير الى ان مدير جهاز أمن السودان (المخابرات) التقى بنفسه بمجموعة من الجهاز الذي كان يرأسه وكانوا يراقبون اجتماعاً للاسلاميين في منزل أحد القياديين لاعداد الترتيبات من أجل الانقلاب لكنه طلب منهم التخلى عن تلك المهمة وفي اعتقاده ان «الاسلاميين» لا يمكن ان يستولوا على السلطة بانقلاب عسكري. ويتحدث الكتاب ايضاً، ان المهدي تلقى تحذيراً واضحاً من الحزب الشيوعي عن حدوث «انقلاب عسكري اسلامي»، حيث أنذر الحزب احد الوزراء المقربين من المهدي بيد ان الوزير لم يبلغ رئيسه بذلك!

يورد الكتاب ان قرار الانقلاب اتخذ في اجتماع لقيادة «الجبهة القومية الاسلامية»، وكان من المفترض ان يترأس المجلس الانقلابي «العميد عثمان احمد حسن» الذي كان يقود تنظيم الاسلاميين داخل الجيش السوداني، لكن حسن الترابي سيقرر لاحقاً تعويض العميد عثمان احمد حسن بـ«العميد عمر حسن أحمد البشير». يقول فتحي الضو في تفسير هذا التغيير «عمر البشير اضافة الى حماسه واندفاعه المعروفين وعضويته المبكرة في التنظيم ورتبته العسكرية الكبيرة (عميد)، فان اختياره تم وفق ما يسمى «التقييم الذاتي» في الاجندة التنظيمية للجبهة الاسلامية في اختيار القيادة وهو يختص بتقييم ملكات وصفات وسلوك الشخص المعني وأهم ما فيه افتراضه عدم خضوع المعني بالاختبار للعاطفة في حال وجد نفسه في موقف ينشأ عند التنفيذ أو بعده في أي اجراء يتطلب توطيد السلطة».

عقب نجاح الانقلاب اعتقلت معظم القيادات السياسية والنقابية وكذا بعض الضباط العسكريين، واودعوا جميعاً «سجن كوبر» في العاصمة وهو اشهر سجون السودان. وكان من بين الذين اعتقلوا حسن الترابي ومعه اثنين من قيادات الاسلاميين، في محاولة للتمويه على هوية الانقلابيين، كما طال اعتقال الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني (زعيم طائفة الختمية والحزب الاتحادي الديمقراطي) ومحمد ابراهيم نقد امين عام الحزب الشيوعي السوداني. وخلال نقاشات داخل السجن نشأت فكرة انشاء تحالف واسع يضم جميع القوى السياسة لمعارضة النظام واختير له اسم «التجمع الوطني الديمقراطي». يتطرق الكتاب الى فكرة تشكيل ذراع عسكري للتحالف السياسي. وينقل رواية يقول ملخصها أن العميد عصام الدين ميرغني الذي فصل من الجيش خرج من السودان واقام في دولة الامارات، ومن هناك شرع في اجراء اتصالات لتشكيل «تنظيم عسكري» يعمل مع التجمع.

ثم يذكر المؤلف فتحي الضو: «بادر مبارك الفاضل المهدي (آخر وزير داخلية قبل الانقلاب) بدعوة العميد عصام ميرغني الى اديس ابابا (اثيوبيا) لمناقشة الفكرة. ثم انضم جون قرنق (زعيم الحركة الشعبية في جنوب السودان) الى مبارك والعميد ميرغني، واقترح قرنق ان يطلق على الجناح العسكري اسم «القيادة الشرعية» للقوات المسلحة طالما ان الفريق فتحي احمد علي قائد الجيش السوداني الذي انقلب عليه عمر البشير وكذا كبار ضباط القيادة العليا سينضمون لهذا التنظيم. وهكذا ولدت «القيادة الشرعية» التي ضمت ايضاً العميد الهادي بشرى، بضغوط من مبارك الفاضل المهدي. لكن هذا الضابط كان في الواقع قد «زرع» وسط تلك القيادة حيث سيعود لاحقاً الى السودان ومعه كل اسرار التنظيم، كما سيعود مبارك الفاضل نفسه في وقت لاحق ليصبح مساعداً لرئيس الجمهورية (عمر البشير).

اشتمل كتاب «سقوط الاقنعة» على تفاصيل يكشف عنها النقاب لأول مرة حول «العمل العسكري» الذي بادرت به «القيادة الشرعية»، وكانت بداياته محاولة تدبير انقلاب عسكري وعرفت تلك المحاولة باسم رمزي هو «انا السودان»، بيد ان المحاولة فشلت وأدت الى اعتقال عدد كبير من الضباط. بعد ذلك اتجهت «القيادة الشرعية» صوب تنظيم «مقاومة عسكرية»، وتولدت فكرة اقامة معسكر في جنوب السودان للطلائع التي أوكل اليها المهمة في العملية التي سميت «النهر الاخضر». وكان المعسكر تحت اشراف الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق. لكن تلك العملية التي قادها العقيد السر العطا منيت بفشل ذريع بسبب انقسام في قوات الحركة الشعبية، بل وانتهت نهاية مأساوية حيث تشتت المتطوعون في ادغال الجنوب وتحولت الى «تجربة تراجيدية»، على حد قول المؤلف. وارسلت «القيادة الشرعية» مجموعتين تدربتا في لبنان للقيام بعمليات داخل السودان، وكان ذلك باشراف العميد عبد العزيز خالد، بيد ان السلطات السودانية اكتشفت الخطة والمشاركين فيها واعتقلت الجميع الذين تعرضوا لتعذيب وحشي واعترفوا بما اوكل اليهم من مهام.

ثم يتطرق الكتاب الى محاولات جرت للحصول على دعم «للقيادة الشرعية» من بعض الدول العربية في الخليج وفي المغرب العربي لكن هذه الدول تعرضت لضغوط دبلوماسية مصرية تعترض على اي تعامل مع المعارضة السودانية خارج إطار «القناة المصرية». ويتضمن الكتاب خلفيات عن الانشقاق العمودي والأفقي الذي حدث في «القيادة الشرعية» وأدى الى انتقال العميد عبد العزيز خالد الى اريتريا، خاصة انه كان قاب قوسين من الاعتقال في مصر التي لم ترقها نزعته الاستقلالية، وفي اريتريا سينجح العميد خالد في إنشاء اول تنظيم شمالي يخوض حرب عصابات ضد النظام . ويستعرض فتحي الضو بكثير من التفاصيل علاقات دول الطوق، أي دول الجوار سواء كانت عربية او افريقية، مع المعارضة السودانية، ومن خلال سرد الوقائع يتضح بجلاء ان فشل واخفاقات المعارضة السودانية كان سببها الاساسي شح مواردها المالية واذا توفر القليل فإنه كان يذهب لفائدة بضعة اشخاص، ثم حسابات دول الجوار التي حاولت جميعاً ان تصبح الاحزاب والقوى المعارضة السودانية ورقة للمساومة مع نظام الخرطوم.

ويحلل الكتاب الاوضاع الداخلية وسط تحالف المعارضة (التجمع الوطني الديمقراطي) مع كشف النقاب عن بعض التفاصيل التي جعلت الحركة الشعبية لتحرير السودان (الجنوب) تستفيد من تشتت وتمزق المعارضة الشمالية وتسير بمنأى عن الجميع في مفاوضاتها بناء على مبادرة الايقاد (دول وسط وشرق افريقيا) التي جاءت بالصدفة، على حد سرد المؤلف، وتستمر بتلك المفاوضات حتى بلغت بها اتفاقية نيفاشا، وهي الاتفاقية التي اقرت لاول مرة حق تقرير المصير لجنوب السودان.

ثمة فصول جيدة في الكتاب، ابتعد فيها الكاتب عن الحشو التي وصل بعض الاحيان حد استعراض ذخيرة لغوية وتشبيهات كثيرة لم يكن هناك ما يبررها. ومن هذه الفصول، الفصل الذي يسرد أسرار حادثة الاعتداء على الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الاثيوبية، وهو الحادث الذي فتحت مصر على أثره جميع ابوابها للمعارضين السودانيين.

الشرق الأوسط


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 3948

التعليقات
#1047468 [Salaheldin]
0.00/5 (0 صوت)

06-28-2014 08:08 PM
التحية للأستاذ فتحي الضو ، واتمني ان الكتاب يكون متاح هنا فى الولايات المتحدة حتي نحصل علي نسخة منه

[Salaheldin]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة