الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الفلسطينية أماني أبو رحمة أماني أبو رحمة: التكنولوجيا خلقت عالماً هجيناً ضد البنى الثابتة
الفلسطينية أماني أبو رحمة أماني أبو رحمة: التكنولوجيا خلقت عالماً هجيناً ضد البنى الثابتة
الفلسطينية أماني أبو رحمة أماني أبو رحمة: التكنولوجيا خلقت عالماً هجيناً ضد البنى الثابتة


07-13-2014 01:17 PM
المجتمعات تمتلك ديناميكيتها للتغيير


بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: لم تتوقف الكاتبة والمترجمة الفلسطينية أماني أبو رحمة عن البحث والتنقيب في المفاهيم والنظريات الأدبية الحديثة، فمنذ أن بحثت في الدراسات والمقالات لإكمال كتابها (جماليات ما وراء القص)، لتكتشف أن هناك نظريات جديدة في أمريكا وأوروبا حول نهاية ما بعد الحداثة وظهور ما عرف حينها بـ(بعد ما بعد الحداثة)، منذ ذلك الوقت لم تتوقف حتى قدمت أكثر من أربعة كتب: تأليفاً وترجمة، حول أربعة عشر مصطلحاً لما بعد هذا. وكانت متابعتها للأمريكي راؤول إيشلمان منبعاً مهماً لهذه البحوث، خصوصاً ما عُرف بالأدائية التي حاول إيشلمان التأصيل له ووضع حدوده.
عن المفاهيم الحديثة في النقد العالمي، وخصوصية النقد العربي، كان لـ»القدس العربي» هذا الحدوار:

* قدمت أكثر من مشروع خلال السنوات الماضية، كان آخرها كتابك (أفق يتباعد)، ما الذي تغير في الفكر العالمي على مدى قرن كامل، منذ بداية الحداثة وحتى بعد ما بعد الحداثة؟
* الفكر الغربي فكر ديناميكي يتغير باستمرار ولا يعترف بحدود أو قيود، فضلاً عن أنه يبيح لنفسه أن يستفيد من كل الأفكار سواء اعترف بذلك أم لم يعترف، أقصد سواء نسب الفكرة لمبتدعيها أم تغاضى عن ذلك. في المحصلة هو أفق يتباعد باستمرار لا تكاد تدركه حتى يتغير. يختلف ذلك تماماً عن ما يطلق عليه الفكر السلفي بالمعنى الحرفي لا الاصطلاحي أو الفكر الأصولي الذي ينبثق من مسلمات لا تتزعزع أبداً، بل إنه يتوجس خيفة من أي تغير أو طارئ وينتظر زمنا طويلا حتى يستوعب فكرة أو يدمجها في حياته اليومية أو يذوتها في شخصيته. أعتقد أن هذا بالتحديد هو سبب الفجوة التي تتفاقم يوما بعد يوم بيننا وبين الغرب. ففي الوقت الذي نصر فيه نحن على العودة إلى الماضي كما هو أو بتعبير أدق كما وصلنا ونرفض أن نناقشه أو نخضعه للمساءلة، نجد الغرب يعير ويساءل منطلقاته وأسسه كلما تسنى له ذلك. لا يعني أنه يتخلى عنها، بل إنه يستجوبها بوصفها مادة للانطلاق نحو أفق أبعد لا مادة لجذبه نحو الأسفل.
تغيرت الأسس الفلسفية في الثقافة الغربية في المراحل الثلاث (الحداثة، ما بعدها، بعد ما بعدها)، مما يوضع ما نقصده هنا وهو عدم ثبات المنطلقات وبالتالي تتوسع الأفاق بلا حدود.
ففي حين ارتكزت الحداثة الغربية (التنوير حتى الحرب العالمية الثانية) على أسس مثل: العقلانية الموضوعية والمرجعية، والانسجام والتجانس والاستقلالية الفردية والأُسسية والاختزالية، انطلقت ما بعد الحداثة (الحرب العالمية الثانية حتى مطلع الألفية الثالثة تقريباً) على أسس مختلفة تماماً بحيث يمكننا القول إن ما بعد الحداثة قد نبذت الأسس المعرفية والميتافيزيقية التي قامت عليها الحداثة. فمن الناحية المعرفية، رفضت ما بعد الحداثة سعي التنوير نحو المعرفة الموضوعية وما يترتب عليها من أُسسية ومرجعية. وتمثل هذا الرفض في أسس مشروع دريدا التفكيكي: وهو منهج تحليل للنصوص ينطبق على جميع الكتابة والفلسفة ليست أكثر من مجرد كتابة إبداعية. اتخذ دريدا موقفاً معارضاً من الفلسفة الغربية منذ أفلاطون بسبب التزامها غير المقبول بـ ميتافيزيقيا، والاعتقاد بأن المعنى مستقر أساساً، ومحدد ويمكن إدراكه في مجمله. وبهذا المعنى فإن الفلسفة الغربية متمركزة حول اللوغوس: فكرة أن الفهم والمعنى يمكن أن يُمنح نقطة مرجعية ثابتة من خلال تأسيسه في اللوغوس، أو في سمات ثابتة أو مبادئ للحقيقة، وبكلمات أخرى في الحضور. رفض دريدا فكرة التمركز حول اللوغوس، وبذلك فإن التفكيك يبدأ عمله بالتخلص من مركزية العقل في وظيفة اللغة. وبذلك جنحت ما بعد الحداثة نحو المذهب الكلي الذي لا يرى المعتقدات مرتكزة على أسس متينة ولكنها مدعمة بفضل علاقاتها بمعتقدات أخرى، وبالكل في نهاية المطاف. ومع الكلانية فإن أيّاً من المعتقدات لا يمكن إلا أن يكون قابلاً للتنقيح والتعديل. وهكذا فإن سمات المذهب الكلي هي: التعددية، والمنظورية، والقابلية للتعديل، والعملاتية. فضلاً عن تحولات أبستمولوجية أخرى وصمت ما بعد الحداثة مثل التحول من الاهتمام بالمعنى بوصفة مرجعية إلى الاهتمام به بوصفه توظيفًا، والتشكيك في السرديات الكبرى ما يعنى التخلي عن سعي التنوير إلى معرفة شاملة على أساس العقل. ولكن السنوات الخمس عشرة الأخيرة قد شهدت نشوء حالة غالبا ما تسمى (نهاية النظرية) أو (ما بعد النظرية). وهذا يشير إلى حقيقة أن نظريات ما بعد البنيوية ( المصطلح المرادف لما بعد الحداثة) التي وضعها لاكان، ودريدا، وفوكو، وبارت، ودولوز قد استنفذت دون بلورة نظريات جديدة بالثقل والأهمية ذاتها. نذكر أن بعض النقاد يرى اليوم أن أنسب المصادر الفلسفية والنفسية والاجتماعية للتعامل مع هذا الوضع «الجديد» وإسقاطاته الإيجابية المحددة هي مراجعة الجماليات الكانطية فيما بات يعرف في مجال النقد الأدبي والفني بـ(الكانطية العائدة). ذلك أن المفاهيم الكانطية للذاتية والحكم الجمالي يجري تطبيقها في الأدب الجديد- بوعي تام في بعض الأحيان- على قضايا الأحداث الجارية التي تتعلق بدور الأفراد والثقافات في عصر الرأسمالية العالمية. وقد جرى تعديل وتكيف هذه الأفكار الكانطية إلى عقلية واحدية جديدة تتعارض مع ثنائية العقل والمادة الكانطية الأصلية (أو ربما التي أُسيء تفسيرها).
* إذا كانت النظريات لا تفنى وتتوالد فيما بينها، هل ينتج هذا التبادل من مجتمع يتغير، أو تسعى هذه النظريات لتغيير المجتمع بحسب الزمن الذي تظهر فيه؟
* تمتلك المجتمعات ديناميكيتها الخاصة التي تعني بالضرورة التغير. التغير إذا حتمية إنسانية لم تتوقف لحظة. الجمود هو الموت والتلاشي. التغير حياة. في اعتقادي أن النظرية في حقبة ما هي نتاج التغير في هذه المرحلة وسبب التغير في المرحلة التي تليها لتنج بدورها تغيرا يفرز نظرية تغير ما يليها وهكذا دواليك في سلسلة متتالية لا تنقطع إلا بانتهاء الكون.
* كيف ينظر التبادل الذي يحدث في النظريات عبر كل مرحلة للمصطلحات التي ما زالت يتداولها النقاد مثل التناص والنسوية ومفهوم الثقافة وغيرها من المصطلحات؟ وهل ينحرف هذه المصطلحات عن مسارها مع كل مرحلة، أم تبقى قارّة على مفاهيمها الأولى؟
* في الكتاب حاولت أن أتقصى تغير بعض الأفكار في السياق الغربي، لنأخذ التناص مثلاً بوصفه هاجس المبدعين اليوم وبوصفه أيضا ظاهرة أدبية سيميائية شهد تغييرات في الشكل والوظيفة عبر التاريخ، وكان الموقف منها والوعي بها متغيرًا من عصر إلى عصر، ومن شعرية إلى شعرية. كان امتلاك النص الفردي في العصر الذي سبق الانتشار الهائل للكتب (التنوير والحداثة) نادرا وذا قيمة بالغة. وعلى الرغم من تعلق المجتمع المعاصر بالهالة المقدسة للعمل الأصيل التي تتمثل في دفع أثمان باهظة للأعمال الفنية الكلاسيكية الأصيلة، إلا انه وبالنسبة لكثير من النقاد فإن حقبة ما بعد الحداثة التي تميزت بإعادة الإنتاج التقني قد سحبت البساط من تحت أقدام الأصالة والإنتاج الأصيل. لذلك لن نعجب إذا ما عرفنا إن قائمة إيهاب حسن للمصطلحات المميزة للحداثة وما بعد الحداثة تتضمن التناص بوصفه مصطلحا يمايز حقبة ما بعد الحداثة. ومع تراجع ما بعد الحداثة حين أصبحت مركباتها النقدية لا تنطبق على الأعمال الأدبية والفنية والسينمائية منذ مطلع الألفية الثالثة، كان التناص أحد الغائبين عن المشهد الأدبي مما أسس لحقبة جديدة أطلق عليها بعد ما بعد الحداثة. غياب التناص، الذي ميز ما بعد الحداثة، كان إذن أهم مميزات الحقبة التي تلتها فقد أورد المؤرخ الثقافي منسو كانغ مثالاً موجزاً مفيدا لتحديد يوم نعي ما بعد الحداثة في الولايات المتحدة الأمريكية: يوم (18 يونيو 1993)، اليوم الذي جمع فيه المخرج جون مكتايرنان مع ممثله أرنولد شوارزنيغر أدوات ما بعد الحداثة القياسية (التناص، والمرجعية الذاتية، والهجاء الساخر، واللعب مع مستويات متعددة من الحقيقة) في فيلم (بطل العمل الأخير) وأوصلاها إلى ذروتها، لتبدأ بعدها في الانحدار سريعا نحو التلاشي. لنأخذ مثالا آخر ففي الوقت الذي اهتمت فيه الحداثة بما يسمى بالثقافة العليا وعدت الثقافة الجماهيرية الشعبية ابتذالا لا يجوز الاحتفاء به بحال، قامت ما بعد الحداثة ولأول مرة في تاريخ الثقافة الغربية بتحويل العادي والمباشر والسطحي واليومي إلى جزء من نظرية متكاملة تحمل مصطلح (الثقافة الشعبية). وتتسرب إلى أروقة أهم الجامعات وتصبح جزءا من المناهج الدراسية المقررة لحلقات الدراسات العليا، ويقوم نقاد مرموقين بتناول هذه الظاهرة من خلال كتب عديدة اكتسبت أهمية متزايدة في الأوساط المتخصصة. حتى أن العديد من هؤلاء النقاد الثقافيين اعتبروا أن انهيار التقسيم الحداثي بين ما يعرف بالثقافة العليا والثقافة الشعبية يعد من أهم مظاهر ما بعد الحداثة. يؤكد فريدريك جيمسون أن من سمات ما بعد الحداثة تآكل الفاصل القديم بين الثقافة العليا وبين ما يسمى بالثقافة الجماهيرية أو الشعبية. المفارقة هنا أن هذا الأمر تحديداً كان أحد أبرز علامات انهيار ما بعد الحداثة والتبشير بالمرحلة اللاحقة. **يلاحظ كانغ أن لا علامة أكثر تأكيداً على الموت النهائي لما بعد الحداثة في الولايات المتحدة من انتهاكها والاستيلاء الكامل عليها من قبل الثقافة الجماهيرية. وبهذه الصيغة تكون ما بعد الحداثة قد أطلقت النار على قدميها وانتهت على يد أدواتها ذاتها. لقد استمتع كتاب ما بعد الحداثة بالتحدي الحاسم للفن المؤسسي وتصنيفاته الإجناسية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ولكن مجاوراتهم المفارقة والتشكيكية والمعرفية (وإن كانت احتفالية مبهرجة) بين الرفيع والوضيع، ونبذهم للحقيقة الموضوعية بوصفها كائناً دلالياً أو حدّاً للتمثيل لم يعد صالحا للتطبيق في التسعينيات من القرن الماضي. فالثقافة الجماهيرية نفسها قد استولت على جماليات ما بعد الحداثة، وهي الآن تلعب برتابة على شاشة كل تلفزيون وحاسوب، وتحولت لتصبح مستنسخة مثل مبدعيها الذين تحدثوا بازدراء عن رتابة الفن السابق. على الأقل هذه طريقة واحدة لحكي القصة.
لم تعد نتاجات ما بعد الحداثة على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأكاديمية والثقافية تمثل خروجاً على النظام وكسر لهيمنة المؤسسة، لقد أصبحت ما بعد الحداثة ذاتها هي المؤسسة وهي النظام الذي يجب الخروج والتمرد عليه لمواصلة حركة التقدم والتطور.
* خرج من (بعد ما بعد الحداثة) أكثر من أربعة عشر مصطلحاً، وربما هناك تزايد في المستقبل القريب، إلا ترين أن هذا ربما يشتت القارئ والباحث؟ ولماذا هذه الانشطارات التي يمكن أن تلخص بشكل أكثر بساطة وتكثيفا؟
* ما حدث هو أن النقاد والفلاسفة والمنظرين تناولوا المرحلة قبل تبلورها بشكل تام. لم يحدث من قبل أن سباقاً محموما للوصول إلى توصيف مرحلة كان بهذا الشكل وما يزيد الأمر تعقيداً أن ملامح المرحلة لا زالت قيد التشكل. مصطلح ما بعد الحداثة على سبيل المثال لم يأخذ وضعه الاصطلاحي إلا في منتصف سبعينيات القرن الماضي، أي بعد عقدين على الأقل من بداياتها. ربما علينا أن نذكر هنا أن الانفصال بين المراحل لا يحدث أبدا بالضربة القاضية وان التداخل لعدة عقود ربما هو سمة التحولات من حقبة إلى حقبة. أثار مصطلح ما بعد الحداثة وما صاحبه من بروز أسماء ارتبطت به كإيهاب حسن ووليم غاس وليوتار ولاكان وغيرهم قريحة منظرين تنبهوا مبكرا إلى إرهاصات التغيير فسارعوا إلى بلورة مصطلحات تصف المرحلة القادمة كل من منظوره الخاص وحسب تخصصه الأكاديمي أو التطبيقي الضيق آملاً في أن يهيمن مصطلحه ويرتبط اسمه بالمرحلة القادمة. من هنا جاء التشتت وهو بالمناسبة غير مبرر على الإطلاق، بل وغير ذي جدوى إذ إن أيّاً من المصطلحات لم يعتمد بعد ولا زالت المرحلة تتغير باضطراد يجعل بعض المفاهيم غير ذات صلة. وبالرغم من ذلك فإن هناك سمات عامة محددة جدّاً يمكن أن تكون حاسمة في توصيف المرحلة: الانترنت والرقمية وما تبعهما من انهيار تام لمفهوم الزمان والمكان والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والإعلام وتغير في مفهوم الإنسان (ما بعد الإنسان، السايبورغ: الكائن الهجين المخلوق من تزاوج الكائن البيولوجي والآلية السايبرنيتيكية). الانترنت هو رافعة المرحلة المعاصرة ولا زلنا قيد توظيفه ولا زالت ملامح تأثيره تتغير باضطراد. لذلك فإن مصطلحات مثل الحداثة الرقمية أو الحداثة الآلية أو التعقيدية تعد ذات مغزى في هذا المضمار لو توسعت وبني عليها بحيث تشمل التأثيرات المختلفة على جميع مناحي الحياة. وما عدا ذلك فهي نظريات في النقد الأدبي أو الفني تحاول تلمس التغيرات الثيمية الحاصلة على الوسائط الأدبية التقليدية وفي هذا الإطار يمكننا أن نضع مصطلح الأدائية والحداثة المتذبذبة والحداثة المغايرة.
* حاول كتّاب المرحلة الجديدة أن يؤسسوا لمفاهيم جديدة عرفت بالأدب الرقمي أو التفاعلي… ما الأسس التي بني عليها هذا الأدب بحسب نظريات بعد ما بعد الحداثة؟ وهل هناك من تطورات واضحة المعالم تختلف عن الآداب المرقونة في الكتب التي أسست ثقافتنا؟
* خلقت تكنولوجيا المعلومات وفكرة التكنولوجيا العالية معاً عالماً هجيناً اكتسبت فيه الميوعة والشفافية التي لا تعرف الحدود مناعة ضد البنى الثابتة. لقد فككت ما بعد الحداثة وأعادت تركيب كل مبدأ عندما قدمته في سياقات متغيرة وجديدة وبذلك ذابت الأسس الثابتة للأفكار في حقائق عائمة ومنتهكة لكل الحدود في عالم افتراضي. هذه الحقيقة التي بنيت من التخيل والتكنولوجيا معًا هي التي حولت الإنسان إلى ما بعد الإنسان (سايبورغ ) من خلال توجيهه حسب عملياته/ ونموذجه الخاص. يحدث هذا التوجيه في بيئة مُنتجة يتداخل فيها الزمان والمكان. إنها بيئة التكنولوجيا حيث الزمان/ المكان في تحول دائم وإعادة تنظيم مستمر. والواقع الافتراضي هو واقع السايبورغ الدائم التحول والتغير من خلال التفاعل المتواصل. هذا التحول هو أساس سياسات وجماليات السايبورغ في عصر الألفية الثالثة. اقتضى الأمر بالضرورة تطوراً أدبياً وفنياً يعكس هذه المتغيرات واسعة النطاق في الثقافة والمجتمع فكان ما بات يطلق عليه الفن التطويري والموسيقى التطويرية والأدب الرقمي. يتسم هذا الفن والأدب بجماليات عصر الثقافة التكنولوجية والتكنولوجيا العالية: الحركة والانفتاح والتحول. فالنص مبرمج مصحوب بفلاشات معينة للتفاعل مع عمليات القارئ. يتحرك النص استجابة لحركة الماوس الذي يحركه القارئ أو المشاهد الذي يتلاعب بالنص بحيث يمنحه جمالياته المغايرة. السؤال الذي أرق الناسخون في القرون الوسطى عندما اخترعت الكتابة هو ذاته الذي يؤرق الأدباء والفنانين مع ظهور فنون وآداب مختلفة وجديدة: هل الأدب الرقمي أو الالكتروني أدباً؟ وهل سهولة النشر الإلكتروني بفضل الإنترنت وغيرها ستتسبب في طوفان من الهراء الذي لا قيمة له؟ هو الجودة الأدبية ممكنة في وسائل الإعلام الرقمية، وهل الأدب الرقمي أدنى من ذلك المطبوع؟ وما هو مستقبل الكتابة في ظل انتشار الثقافة الرقمية؟
*لا يمكن الإجابة على هذه التساؤلات دون تناول السياقات التي أعطت هذه التساؤلات قيمة ومعنى والتي تتضمن استكشافا واسع المدى لما يمكن أن يطلق عليه الأدب الرقمي، وكيف يندمج أو يفترق عن الأدب المطبوع، وما هي الاستراتيجيات التي تميزه، وكيف يفسر المستخدم هذه الاستراتيجيات أثناء بحثه عن المعنى. وباختصار فإنه لا يمكن للمرء أن يجيب عن هذه التساؤلات ما لم يدرس بعمق خصائص الميديا الرقمية. ذلك أن رؤية الأدب الرقمي من خلال عدسة المطبوع يعني أننا لم نره على الإطلاق. لذلك فإن مزيداً من البحث والنقد ما زال ضرورياً لفهم الأدب الرقمي بوصفه حالة أدبية تشارك في التقاليد الأدبية من جهة وتسهم في إدخال تحولات حاسمة قد تعيد تحديد ما هو الأدب والفن من جهة أخرى. الأدب الرقمي ـ والذي يستبعد عادة الأدب المطبوع الذي جرت رقمنته، هو بالمقابل أدب مولود رقميًا، إنه الكائن الديجتالي الأول الذي ابتكر على الحاسوب وليقرأ على الحاسوب أيضاً. والملفت للنظر أن كتاب ونقاد الأدب الرقمي الذين حاولوا في بدايات ظهور هذا الأدب منذ منتصف الثمانينيات الماضية تقريبا تحديد العمل الرقمي من خلال مقارنته بالأدب التقليدي، قد اقتنعوا أخيراً أنهم يتعاملون مع حالة جديدة لا يمكن مقارنتها بما سبقها أو إسقاط المصطلحات الأدبية التقليدية عليها لا سيما ما يتعلق بالأجناس الأدبية التقليدية. وهكذا فقد جرى التحول نحو فهم الأدب الرقمي ضمن سياق تاريخي شامل يموضعه جنباً إلى جنب مع أنواع أخرى من الأعمال الإبداعية التي تتضمن تطبيقات فنية غير خطية مثل فن الصوت والعروض والتصوير وتصميم الغرافيك وحتى الأفلام. فالأدب التقليدي لم ينطو قط على هذا القدر من التفاعل والتشاركية، ولا الرسوم البيانية والتصاميم والصور المتحركة والفلاشات واللافتات والرسوم وملايين الألوان ولا حرية التغيير والتلاعب. إن أهم ما يجعل هذا الفن جديدًا هو رفضه للتمايز الواضح المفترض بين الأجناس الأدبية فالنص الجديد «نص جامع، عابر للفنون (وليس للأنواع، بمعنى سقوط مفهوم تآزر الفنون وتداخل الأنواع لصالح تداخل الفنون وتمازجها) أما مرجع هذا النص فليس غائبًا لأنه نص متعدد المراجع بحيث يصعب تحديد وجود مرجع منها وجودًا واضحًا. حياديًا. فهو دائم الإحالة لاتجاهات ومتغيرات شتى.« إنه فن يحاول أن يعبر عن روح الإنترنت: المعلومات والتضليل. فن يحاول التعبير عن جوهر الإنترنت: المعلومات والتضليل. نص يعرض التفاعل، والرسومات، والتصميم، والصور، والرسوم التوضيحية، والشعارات، والألوان، والخطوط و… النص. يلخص أسبين آرسيث ذلك كله بعبارة جديرة بالاهتمام حين يقول: « ينبغي أن نكون أكثر دقة فنطلق على أدب الكمبيوتر مصطلح (أدب السايبورغ) ولذلك فإننا بحاجة إلى نقد ومصطلحات تقرب بين الإنسان والآلة، بين الإبداع والآلية، بين المهم واللا مهم.«
لقد انتقل الأدب الرقمي من الهامش إلى المركز، ومن الضجيج إلى الموسيقى. وتزايد عدد الفنانين والنقاد والمهتمين والمتابعين اللذين يحاولون مأسسته بطريقة مشرفة: من خلال الكتابات والاجتماعات والمؤتمرات، والجوائز والمنافسات. وبقطع النظر عما يخبئه المستقبل لهذا النوع من الاشتغالات الفنية، فإنه الآن في بؤرة الاهتمام، وهو بذلك يخلق مساحة لتكون نموذج فكري جديد تلتقي فيه العلوم بالإنسانيات في توفيقية هي الأولى من نوعها بعد صراعات ومجادلات طويلة صبغت أزمنة الحداثة وما بعدها.
* إذا كان عصر النهضة العربية حاول أن يبني مفاهيمه الفكرية عن طريق تلاقح الثقافات بين الشرق والغرب، هل تعتقدين أنه من الممكن أن ينبثق عصر نهضة جديد في ظل التراجع الثقافي الذي يعيش فيه العرب الآن؟
* نعم، أعتقد أن المرحلة الحالية وعلى الرغم من التردي الهائل في كل مناحي الحياة، مرحلة مهمة وضرورية للنهوض. لم يكن من الممكن البناء على ما حضارة زائفة قوامها التلفيق والتوفيق والانتقائية والنقل وليس العقل. العالم يتغير باطراد والمنطقة ثابتة بلا حراك حقيقي كأنها مستنقع يرتجف فقط عند تلقي كل جديد ثم لا يلبث أن يعود إلى الاستقرار. الحضارة الزائفة التي كان يعيشها الشرق والمنطقة العربية تحديدا كانت غطاء هشّاً زائفاً يُجمل توترات وصراعات تعتمل تحته نتيجة التلفيق والتوفيق وعدم الحسم. أخذنا عن الغرب مصطلحات من قبيل العلمانية والدولة المدنية والإبداع والديمقراطية والحداثة وما بعد الحداثة، والمناهج العلمية والمدارس النقدية دون أن نعيش اشتراطاتها أو سياقات نشأتها أو تطبيقاتها الفعلية اللاحقة وطوعناها بالحذف أو الإضافة الانتقائية دون سجال أو نقاش جدي حتى لا نصطدم بمسلمات الماضي المقدس التي نرفض أن تمس، ثم فرضناها وتمسحنا بها، بل ودافعنا عنها اشد مما فعل الغرب حتى أصبحت من ثوابتنا علما بأنها متحولة غير مستقرة اصطلاحاً وتطبيقاً في سياقات نشأتها. أود أن أرى ما يحدث الآن في إطار مساءلة سردياتنا الكبرى وفي إطار محاولة حسم صراعات تقيحت حين حاولنا إخفاءها دون معالجتها أو مناقشتها علانية. التفكيك الحاصل سيعقبه تركيب وبناء. هذه النظرة المتفائلة يشوبها حذر بالطبع من أن تفلت الأمور إلى صراع دموي طويل ينحي العقل والفكرة فترة أخرى ربما تكون أطول من سابقتها. لكن الحراك هام وأساسي ولا يمكن تجنبه إذا ما أردنا فعلا أن نخرج من عنق زجاجة الماضي والحنين المرضي إليه وان نتطلع إلى المستقبل كما تفعل كل الأمم المتحضرة على مر العصور.
* هناك مناهج أدبية ظهرت في أميركا وأوروبا خرجت من رحم الصراعات الآيديولوجية والثقافية التي تعيشها مجتمعاتهم، لكننا نحن العرب نحاول في أغلب الأحيان ليَّ عنق تلك المناهج لنطبقها على أدبنا ومجتمعاتنا… ما الذي يجعل مجتمع منتجاً وآخر غير منتج في ظل الصراع الإنساني المستمر؟
* الحرية… لن تنتج المجتمعات التي تقمع الفكر وتحدده وتشترط مساراته أي إبداع على أي مستوى وفي أي مجال. الصراعات التي خاضتها المجتمعات الغربية كانت من أجل الحرية. في كل صراع كان الغرب يكسر طوقاً ما نحو الانعتاق الفكري، طوقاً دينياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو ماضوياً أو أسطورياً ليحول ذلك كله ليس في الغرب فحسب وإنما في الكون بأسره إلى مادة خام ينهل منها دون خوف أو وجل بالطريقة التي يرتئيها كل مبدع أو عالم أو مفكر وينطلق بها إلى آفاق أرحب. كيف لعقل محدد المسارات وفكر محفوف بالقيود والتابوهات أن ينطلق. الحرية أساس الإبداع والارتقاء وهي بالمناسبة مردود ذلك أيضاً.
* أدب ما بعد الحداثة كان موجهاً ضد السلطة التي سعت إلى محاربته.. فكيف يتعامل أدب بعد ما بعد الحداثة مع «السلطة» في ظل التغيرات السياسية التي يشهدها العالم العربي؟
* أتفق تماماً مع فكرة أن أدب ما بعد الحداثة كان موجها ضد السلطة التي سعت إلى محاربته حتى في البلاد التي تزعم الحرية والديمقراطية. يطبق أدب ما بعد الحداثة فوضى الوجود المعاصر على أشكاله ويسعى إلى تفكيك اتفاقيات القصة من أجل فضح زيف الأسطورة التي تروج لسلطات عقائدية مستندة إلى الوهم. تجعل قصص ما بعد الحداثة القارئ على وعي بالوسائط البنيوية للقصة والأسطورة وبالتالي فإنها تشكل تحديا لتكامل النظام وسطوة السلطات التي تشجع الناس على التعلق بمعان لا وجود لها في العالم حين توظف على سبيل المثال مفهوم النهايات السعيدة باعتبارها وسائل لصرف الناس عن استيائهم من تجربة الحياة اليومية. اصطدمت ما بعد الحداثية بالسلطة في العالم العربي كما في العالم بأسرة وهنا لا اقصد السلطة السياسية فحسب وإنما السلطة بكل تجلياتها. التهكم الساخر وما وراء القص والتناص وتخريب الاتفاقيات السردية وما وراء القص التاريخي كانت تقانات ما بعد الحداثية الأدبية الأهم في صراعها المكشوف والمبطن مع السلطات. ولكن ما حدث هو أن ما بعد الحداثة بوصفها نموذجا فكريا إنسانيا وما بعد الحداثية الأدبية والفنية وتقاناتها بوصفها التجلي الأبرز لما بعد الحداثة قد تراجع منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي. رصد الأكاديميون والنقاد انحسارات ما بعد الحداثية في الأدب فقد غادر الأدباء ما وراء القص والتناص والنصوص المفتوحة والتهكم الساخر إلى تقانات أخرى مثل عودة الاهتمام بالشكل والنظام والترتيب بدلا من اللا- نظام والفوضى والتشويش على عمليات التلقي والاستقبال والتي غالبا ما كان يتم توظيفها في أدب ما بعد الحداثة. والسعي نحو تحقيق الشمولية والتكامل والوحدة والغلق في العمل الفني من خلال خلق إطارات فنية لتأطير الحدود الفاصلة بين عالم النص والعالم الخارجي. عودة الاهتمام بالقصة والحبكة التقليدية والتخلي عن تعقيدات تقانات ما بعد الحداثة من أجل تحقيق الوضوح وتجنب الغموض، بل إن بعضهم قد وظف تقانات ما بعد الحداثة (التهكم) للسخرية من ما بعد الحداثة ذاتها.
كان انتقال هذه الأساليب الأدبية إلى العالم وانتشارها أسرع واشد وطأة بفضل الشبكة العنكبوتية رافعة بعد ما بعد الحداثة الأهم (باعتبار أن العولمة رافعة ما بعد الحداثة). أما عن جوهر سؤالك وهو اشتباك بعد مع ما بعد الحداثية الأدبية مع النظام والسلطة فمن وجهة نظري أن مهمة الأدب الأساسية هي الوقوف في مواجهة السلطة أيا كانت ولكني اعترف هنا – مؤكدة أنني أتحدث عن بعد ما بعد الحداثية في ساقها الغربي حتى اللحظة- إن مقاومة بعد ما بعد الحداثية عالميا هي مقاومة انعم واقل ضراوة وعنفا من مقاومة ما بعد الحداثة. فضلت بعد ما بعد الحداثية منذ مطلع القرن التوجه نحو الإنسان ومخاطبته عقليا وروحيا وعاطفيا ومساعدته على التكيف مع ظروف حياة شرسة وقاسية بدا لي أحياناً أن بعد ما بعد الحداثية تسلم بوجودها بل وتستسلم لها وجل ما تفعله هو أن تحاول مساعدة البشر على خلق جمالياتهم الخاصة وسط طوفان القبح والقمع الأمر الذي أعده انكفاء للمقاومة من جهة وخطوة لا بد منها من جهة أخرى لإعادة بناء إنسان ما بعد الحداثة المتشظي والمغترب عن ذاته. استعير هنا مصطلح الفقاقيع لفيلسوف بعد ما بعد الحداثية الألماني بيتر سلوتردايك الذي يعني أن على كل منا أن يهتم ببناء فقاعته الخاصة التي تطفو في فضاء مشترك. في السياق العربي وفي ظل ما يعنيه العالم العربي اليوم استطيع أن أقول أن الاشتباك بين ما بعد الحداثة وبعد ما بعد الحداثية الأدبية على أشده وان هناك تداخلا كبيرا بين مساءلة السلطات صراحة وضمنا وبين محاولات بناء جماليات خاصة لكل فرد تمكنه من تحمل ما يدور. فنحن نحتاج الاثنين معا لأننا لم نحسم بعد أسئلة ما بعد الحداثة في ثقافتنا: السرديات الكبرى واللغة والتاريخ والهوية والآخر والاختلاف ونحتاج لبناء جماليات إنسان دمره الفقر والقمع. أرى أحياناً أننا في طور مساءلة سردياتنا الكبرى التي كانت رافعة سلطاتنا القمعية.. ولكن الصراع عنيف وعنيف جداً.. شلالات من دم. علينا أن ننتظر لنرى كيف سيتشكل الأدب في الحقبة القادمة وعلى ماذا سيرسو سياقنا الثقافي والفكري الخاص.


القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 954


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة