الأخبار
أخبار إقليمية
عالم حزين يسترق الفرح..!!
عالم حزين يسترق الفرح..!!



07-17-2014 09:35 PM
عبدالله مكاوي


بسم الله الرحمن الرحيم


يُنسب للإنجليز أنهم من بادر بوضع قوانين لعبة كرة القدم، وكذلك طريقة تنظيمها ولعبها او منحها شكلها المميز الذي صارت عليه. ولكن المؤكد أنهم من ساعد علي إنتشارها وتعميمها، عبر سيطرة إمبراطوريتهم، في فترة من الفترات، علي بقاع شاسعة من العالم. حاملين معهم عاداتهم وتقاليدهم وهواياتهم، إضافة لنظمهم وقوانينهم. بغرض الحصول علي أكبر قدر من المكاسب الآنية، والإرتباطات المصلحية المستقبلية! ولو أن ميلاد كرة القدم تعود جذوره لتاريخ أبعد من ذلك، وإن بشكل مغاير لما نراه ونعايشه اليوم، إلا أن الإعتقاد الراسخ، إن الدفعة العظيمة التي تلقتها هذه اللعبة، علي مستوي الشعبية والإنتشار والقوانين والتنظيم. إرتبطت إرتباط مباشر، بظهور العصر الصناعي. او هي أحد إفرازات العصر الصناعي، الذي وفر كثيرا من الجهد والزمن والمنتجات. متيحا قدر لأ باس به من الفراغ للمواطنين، والناجم عن وقوع العبء الأكبر من الجهد والإختصار للزمن علي عاتق الآلة، سواء من ناحية جودة المنتجات وإستقرارها او من ناحية كثافتها وظهور الفوائض. المهم هذا الفراغ ترك مساحة لتتمدد فيها لعبة كرة القدم، وغيرها من الأنشطة الثقافية والترفيهية. وتاليا أصبحت لعبة كرة القدم، منفذا للتنفيس عن ضغوطات العمل، وتطوير روح التنافس السلمي بين مختلف طبقات وأفراد المجتمع. بل يمكن إعتبار كرة القدم بشكل او بآخر، نوع من إمتداد وعي المواطنة وروح المساواة وحرارة الإنتماء للمجموعة، وبقدر قد يكون أكبر من أي نوع من الرياضات الأخري. وقد لأ يضاهيها في ذلك إلا السينما، في جماهيريتها وشعبيتها وكسرها لحاجز الطبقات والتفاوت المجتمعي. بل الأبعد من ذلك، قدرتها الكبيرة علي بناء نوع من اللحمة او البوتقة التي تجتمع عليها أفئدة الجماهير، في غياب كامل لأي إنتماءات او تباينات أخري ومن دون حساسيات! وقد يعود ذلك او جزء منه، الي أنها منافسة او لعبة مستحدثة، ولأ تحمل ذاكرتها أي نوع من الحروبات او الإنتهاكات والمظالم الإنسانية، عكس الإنتماءت الأخري المشبعة بالذكريات المريرة. بل جزء من ثقافتها يتمثل في تقبل الهزيمة بصدر رحب او روح رياضية. بتعبير آخر، إن شعبيتهما وجماهيريتهما قادران علي ترميم أي خلل او تفاوت داخل المجتمع! وهذا غير قدرتهما العجيبة علي جلب قدر هائل من المتعة، في حالة الفوز/نجاح الفيلم او الحزن في حالة الهزيمة/فشل الفيلم، أي بناء نوع من الحشد او التواصل الجماهيري، الذي يعاظم من إحساس الإنتصار/الفرح ويقلل من آثار الهزيمة/الحزن!

وكرة القدم علي الرغم من شعبيتها وإنتشارها وإختراقها لكل التباينات المجتمعية والمناطقية، لدرجة أنها أصبحت لغة عالمية تتحدثها كل الشعوب. إلا أنها لعبة معقدة وتعتمد علي المهارة والتنظيم واللياقة والإنسجام بين أعضاء الفريق مع التناغم مع اعضاء الجهاز الفني، وغيرها من العوامل التي يساعد تضافرها في تحقيق الإنتصارات او الفوز بالبطولات. وتاليا دعم روح الفوز وثقافة التفوق، ليس علي مستوي اللاعبين فقط، ولكن لكل جماهير الفريق او أبناء الدولة المحددة. وعموما كرة القدم وكغيرها من الأنشطة الإنسانية، نجدها أيضا تأثرت بالبيئة التي تُمارس فيها، أي تصتبغ بصبغة المجتمع الذي يمارسها. رغما عن ثبات قوانينها ولوائحها وعالميتهما. فمثلا أشتهر فريق مثل البرازيل، بأنه يقدم كرة جمالية وساحرة، قوامها الموهبة العالية وعشق جنوني للعبة. وذلك قد لأ ينفصل عن طبيعة المجتمع البرازيلي ذاته، الذي يميل للأجواء الإحتفالية الكرنفالية وعشق الرقص والتطريب. وهذا غير أنها شكلت بوابة لإنخراط كثير من أبناء الطبقات الفقيرة في عالمها. ولأ يسندهم في ذلك شئ، غير مواهبهم العالية وقبولهم التحدي وإمتلاكهم إرادة النجاح. لتمنحهم لعبة كرة القدم بدورها، قدرٍ عالٍ من الشهرة والمكانة وتحسين أحوالهم الإقتصادية! بل تحولوا هم أنفسهم لطبقة جديد، يمكن أن تسمي طبقة المشاهير او طبقة نجوم الرياضة والمجتمع! وبكل الثقافة او طريقة التعامل التي تفرضها هذه الطبقة، المستولدة من طبيعة تغير او تطور الحياة، وتجدد إهتمامات او ميول البشر! وفي نفس الوقت أتاحت لعبة كرة القدم، للجمهور العريض، وهو غالبا من الفقراء، فرصة للإنشغال وقضاء أوقات ممتعة في مشاهدة المباريات. وهي مشاعر قد تنتقل من طور المتعة، الي طور التمثل والأندغام في الفريق او الوله باللعيبة، وأحيانا قد تقود الي التعصب، وهذا أسوأ ما فيها! ولكنه مؤكد أنه إنعكاس لظروف مجتمعية أكثر من كونه من خصائص اللعبة!! بتعبير آخر، كأن إنتصارات الفريق هي إنتصارات ذاتية للأفراد او الجمهور، قد تعوض عن الهزائم او الخسارة في مجالات أخري، شديدة الخصوصية او العمومية!

والنموذج الآخر، منتخب كالمنتخب الألماني، نجده يعكس جزء من خصائص المجتمع الألماني. لذلك نجد هذا المنتخب، يتميز بالإنضباط والتكتيك العالي، وقيام كل لأعب بالدور المرسوم له، كتروس تعمل في آلة، وهو سبب ما أشتهر بتسمية الألمان بالماكينات! أي إن الجماعية والسعي لإنجاز الهدف المحدد(فوز بطولات) يطغي علي الجماليات! أي كأنهم كتيبة عسكرية مطلوب منها أداء مهام محددة! لذلك نجد المهارات الفردية في المنتخب الألماني ليست غائبة، ولكنها موظفة في خدمة المجموعة! أي خاضعة لإكراهات خارجية تتقصي المصلحة العامة! بمعني إن مساحة لعبها الحرة او إظهار مواهبها وفق مزاجها ورغبتها غير موجودة! ولأ عزاء هنا، للمتعة او خلق الفرجة التي يعشقها جمهور المشاهدين، كما يطلق عليها بعض المعلقين. لذلك نجد لعيبة بمهارت الغائب عن المنتخب ماركوس ريوس(بروسيا دورتموند) و ماريو غوتزة، تاهت وسط الأدوار المرسومة لهم بدقة! إلا من بعض اللمحات العابرة والأهداف الساحرة! وبكلام محدد، تخضع كرة قدم المنتخب الألماني للعقلية الألمانية. وفي نفس الخط، قد نجد المنتخب الإنجليزي وغيره من المنتخبات الأوربية! وفي المنطقة الوسط قد نجد المنتخب الأرجنتيني، الذي يجمع ما بين المهارات والإنضباط واللعب الخططي، المأخوذ عن الأسلوب الأوربي، أي يمثل نوع من الهجين! وهو ما يجعله يحافظ علي بعض التوازن! خصوصا، ناحية ميلان الجميع للذهاب للأسلوب الأوربي! الذي لأ يكترث كثيرا للجماليات، ويكرس جهده لغاية الإنتصارات حصريا! والأسلوب الأخير، قد يكون ما تسبب في السقوط المدوي، للمنتخب البرازيلي! الذي فقد أسلوبه المهاري الجمالي، وفي نفس الوقت عجز عن إتباع الأسلوب الخططي التكتيكي الذي يميز المنتخبات الأوربية! أي فقد الفريق البرازيلي هويته المميزة! أي وسائل إنتصاره وحمايته من الهزائم! ليتلقي أكبر هزيمة في تاريخ هذه المراحل(7/1)! ومعلوم أنها مراحل، يغلب عليها طابع الحذر، وتنعدم فيها هذه النوعية من الهزائم الكارثية! حتي لفرق مغمورة وضعيفة وقليلة الخبرة! ولأ يقلل من أثر هذه الهزيمة المذلة، غياب أهم عناصر المنتخب، تياغو سيلفا نجم خط الدفاع، ونيمار نجم خط الهجوم! وعموما كرة القدم وغيرها من الرياضات، تحمل مشاعر الفرح والبهجة والحزن والإحباط في لحظة واحدة! أي لأبد من وجود منتصر ومهزوم، أي إختلاط مشاعر البهجة بالحزن في نفس الوقت!

ولكن أجواء التنظيم والبهجة والبذخ والإستعراض، الذي أصبح يصاحب هذا النوع من اللقاءات المونديالية. يجب ألا يضللنا عن حقيقة أصبحت فاقعة، ولأ يفيد التواطؤ مع متعة البهجة، عن إنكارها او التغاضي عنها! وهي تحوُّل اللعبة الشعبية الأولي، الي نوع من الصناعة او الإستثمار والتسويق والدعاية والإعلان، أي أناخت الراسمالية بكلكلها عليها، وهذا إذا لم تسيطر عليها تماما، وتوجهها وجهتها التي تعرفها وتهفوا إليها، أي الوجهة الربحية المجردة! لدرجة قد تصبح فيها اللعبة نفسها هامش، في ظل سيطرة النزعة الدعائية الإستهلاكية أو أحد آليات عمل النهج الراسمالي! بتعبير آخر، أن تصبح الكلمة العليا او المرجعية في شأن اللعبة، بيد الشركات والمصانع والمنظمات الراعية وإن بطريقة غير مباشرة! أي ليست في يد الجهات المسؤولة عن إدارة وتنظيم وتطوير اللعبة و الحفاظ علي إستقلاليتها(الفيفا مثلا، أي حكومة الكرة علي المستوي الدولي)!! حتي ولو كانت مكاسب هذه الرعاية او السيطرة الخفية، خصما علي حقوق الشعوب الكادحة والفقيرة! أي علي حساب حقها في التعليم والعمل والعلاج! وهذا عين ما عبرت عنه قطاعات كبيرة من الجماهير البرازيلية، المكتوية بنار توظيف قدر هائل من ميزانية الدولة، لصالح تشييد الإستادات وتحسين بيئتها! أي علي حساب أولويات داخلية أكثر أهمية وإلتصاق بحاجات غالبية الجماهير. فالشعوب لأ تأكل كرة او رياضة او تعالج بمسرح او منتزه او إستاد! فهذه رغم أهميتها إلا أن اولوياتها تأتي بعد كفالة حق العمل والإكتفاء، فلا متعة مع الجوع او ترفيه مع المرض! خاصة، وأن معظم المكاسب العائدة من تنظيم مثل هذه البطولات، تصب بالتحديد في خانة أصحاب الفنادق والمطاعم وشركات الطيران والمواصلات وغيرها من المجالات، الملتصقة بهذه النوعية من التظاهرات او التنظيمات ذات الطابع العالمي!! أي كأن الراسمالية جسم أخطبوطي عابر للقارات ولها وكلاء في كل دولة! بتعبير آخر، يحدث نوع من تبادل المنافع بين قلة قليلة موزعة علي أقطار العالم، ولكن تحكُّمها يظل لدي نخبة الدول الكبري! وهذه الشريحة الراسمالية تحوز علي نصيب الأسد من مداخيل كل دولة، وتتضاعف أرباحها في ظل هذه النوعية من الإستثمارات التنظيمية! ويساعدها في ذلك، وسائل إعلامية ودعائية هائلة، لها القدرة علي قلب الحقائق وتغبيش المعلومات والتلاعب بالأولويات، والتدخل في شؤون الدول والمجتمعات! وهذا ناهيك عن إتباع أساليب الإحتكار المجحفة، وإمتلاك حقوق البث حصريا! وكأن البشرية عادت قهقريا الي عهود الإقطاع الغابرة، وسيطرة السادة علي وسائل الإنتاج، وتاليا التحكم في بقية أفراد المجتمع، وبالطبع هو تحكم غير حميد وغير رحيم، وهذا إذا وجد تحكم غير ذلك! والأسوأ من ذلك، هو المغالاة في أسعار اللعيبة، وبأرقام فلكية وأسعار خرافية! لأ تستقيم مع كونها حاجة ترفيهية! ولأ تجبر بخاطر الهزة الإقتصادية التي تجتاح العالم! وهذا إذا لم تفسرها او تعبر عنها!! وخصوصا دول مثل إسبانيا وإيطاليا يتعرض أقتصادهما لمخاطر جمة، وتواجه كثير من عمالتها شبح التسريح! بل حتي الألمان الذين أشتهروا بالإنضباط الشديد في مسألة الإنفاق، نجدهم إنجرفوا أخيرا لتيار الإنفاق البذخي، والأسعار الفلكية في مزاد شراء وبيع اللأعبين(كغيرهم من السلع)!! وفي هذا الإتجاه، نجد أن فريق، مثل أتلتيكو مدريد ودول مثل كوستاريكا وكولومبيا وشيلي. ورغما عن المبالغ المتواضعة التي تصرف عليها مقارنة مع فرق ودول أخري! إلا أننا نجدها قد حققت إنتصارات باهرة ونتائج جيدة! عجزت عنها فرق ودول أكثر منها صرفا وإعدادا! وذلك تم عبر الأداء الرجولي والجماعية وروح التضحية والتضامن والبسالة والإيمان بالقدرات الخاصة! ليعيدوا للعبة سحرها وألقها ومتعتها. ويبطلوا قاعد أنفق لتكسب ومن ينفق كثيرا يحصد كثيرا! وبغض النظر عن مخاطر البذخ، وما يجره علي المجتمعات والبلاد، من شرور وقتل للعزائم وإستسهال للكسب! ويستبدلوها بشعار أبذل الجهد وآمن بقدرتك علي الأنتصار، يكتب لك النجاح! وبتعبير آخر، أصبحت الرياضة عامة وكرة القدم خاصة، أحد أوجه ثقافة الإستهلاك والإستسهال، التي تجتاح العالم عبر سيطرة شركات التجارة والدعاية والإعلام عليها! والتي بدورها درجت علي توجيه الجماهير والشعوب الي الوجهة التي تريدها وهي الوجهة الربحية البحتة! وعلي العموم تلك مشاكل او نتائج سلبية يمكن لتلك المجتمعات تلافيها، او التعامل معها بقدر من التوازان، لأ يخل بثوابت وقدرات، تلك المجتمعات الإقتصادية والإجتماعية!!

إنما في الدول الفقيرة وخاصة الدول المحكومة عسكريا مثل بلادنا المنكوبة! نجد أن هذه اللعبة كالعادة يتم إستغلالها أسوأ إستغلال، ويتم إفراغها من مضمونها الترفيهي الإلتفافي المبهج، والمخفف علي الجماهير ضغوطات العمل والحياة! لتصبح ساحة لإلهاء الشعوب عن مطالبها الحقيقية، في الحرية والكرامة والقوت وآفاق المستقبل! وتصبح مرتع خصب لغسيل الأموال وصعود للراسمالية ورجال الأعمال المشبوهين! وإفراد مساحة رياضية وإجتماعية وإعلامية لهم، وبغض النظر عن خواءهم المعرفي والقيمي والإداري! وتاليا إدخال قيم جديدة علي الوسط الرياضي، قوامها المقدرة المادية فحسب، ولأ يهم حتي معرفة مصدرها!! لينعكس كل ذلك علي الرياضة والرياضيين، وتتدهور اللعبة الشعبية الأولي. مرة بسبب التدهور العام ومرة بسبب تدهورها الخاص! لتتلقي الهزائم المتتالية، وأحيانا من فرق لم يسمع بها أحد! بل كنا نحن وسيلة للتعريف بها، عبر الإنتصار علينا، والذي أصبح لأ يكلفها الكثير! ويصبح حظ الجماهير من الفرح والمناكفات، هو موعد خروج الفرق المحلية من المنافسات القارية!! وأيضا من القيم الفاسدة الدخيلة علي الوسط الرياضي، والمحمولة علي أجنحة أدعياء الإدارة ومستجدي نعمة المال المجهول! التعامل مع الأموال بسفه محير في المجال الرياضي، وهو سفه يبز أمراء الخليج الذين يقع تحت أيديهم كل ريع أموال النفط! وغصبا عن أولويات الصحة والتعليم والتوظيف، وإعلانات الحاجة المذلة بكل وسائل الإعلام والمساجد وقارعة الطريق!! خاصة بعد أن عزَّ المال وكثرة أبواب الحاجة والمرض! لتكون المحصلة، إفساد المجال الرياضي وقتل متعة كرة القدم من جهة! ومن جهة أخري، توجيه إهانة لرجال المال والأعمال الوطنيين، الذين تركوا بصمات مضيئة، علي مجالات الإقتصاد والأنشطة الإجتماعية والرياضية، التي أداروها بحنكة ومعرفة ومحبة، مع المحافظة علي القيم الإيجابية المجتمعية. سواء من خلال التمسك بأهلية وديمقراطية العمل الرياضي مثلا، او بترشيد الإنفاق وحسن توظيف الأموال. وإنعكاس كل ذلك، علي الوسط الرياضي والإعلامي، اللذان تحليا علي عهدهما باروع القيم والفضائل، كالتضحية والإنفاق ومحبة الفريق ومعرفة تفاصيله، وتفاصيل ظروف اللاعبين، ومن ثم تحقيق الإنتصارات والمحافظة علي متعة اللعبة. وأيضا حيادية الإعلام، وتركيزه علي اللعبة ومايتعلق بالفريق! مع وجود هوامش وإنحرافات قليلة، لأ تؤثر علي الخط العام! ولأ داعي لذكر الأسماء والنماذج في كل حالة! لأنها معروفة للجميع!! والخلاصة، إن الرياضة كمجال للمتعة والبهجة، دخلت عليها عوامل صناعية وتسويقية، قللت كثيرا من متعتها وإتاحتها للجميع علي قدم المساواة!

وبالإبتعاد عن مجال الرياضة الي مجال السياسة، نجد أن العالم الآن يضج بمفارقات مفرحة في إتجاه ومحزنة في الإتجاه الآخر، وهو للأسف الإتجاه السائد! أي في اللحظة التي تنعم فيها بعض المجتمعات، بمساحة معتبرة من الحرية والرفاه الإقتصادي، وحق الأختيار والنقد والمحاسبة لحكوماتها! ويتعرض فيها رؤساء دول، مثل أوباما لنقد مرير يوميا من الإعلام والطبقة السياسية، في الولايات المتحدة. ويجرجر فيها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الي المحاكم بسبب تهم تتعلق بتاريخه او تعامله مع السلطة سابقا! ويتعرض كذلك الرئيس الفرنسي الحالي هولاند، لسيل من الإنتقاد والتشكيك في سياساته وقدراته الإدارية، وحتي سلوكه الشخصي! نجد في بيئة مجاورة يربض الزعيم بوتين داخل الكرملين، وهو يتحفز لإبتلاع أجزاء إضافية من أوكرانيا، بعد إبتلع شبه جزيرة القرم، تحت سمع وبصر العالم وفي حضور قوانينه وأممه المتحدة! وقبل ذلك مصادرة حقوق وتطلعات الشعب الروسي او إختزالها في تطلعاته وطموحاته القيصرية الشخصية! ويترافق ذلك مع التضييق علي المعارضة وتلفيق التهم للمناوئين!! أما منطقتنا العربية وكالعهد بها، لم تتأخر في الإيفاء بموعدها والإلتزام بطابعها! يتصدرها نموذج المالكي بكل طائفيته وولائه للخارج(إيران بطموحاتها الإمبراطورية التوسيعية ذات المنحي الديني!) والتعبير عن مصلحته الشخصية، بصورة سافرة ومستفزة وتتوهم الحق الإنتخابي المطلق! إضافة للتمسك بالسلطة، ولو علي حساب تماسك الدولة العراقية، وسفك دماء العراقيين، وهضم حقوق الطوائف والمناطق الأخري! أي إعادة الصدامية بصورة معكوسة وأقل ذكاء! أي تحول الضحية الي طاغية وهو محمل سلفا بذاكرة المظلومية، وما يستتبع ذلك من خلط العقلانية بالعاطفة بالشكوك، بالقبض الفولاذي علي السلطة، كدرع يقي من إعادة فواجع الماضي! بمعني، إن المالكي فضل العيش في الماضي والتجول بين أشباحه، وشد الدولة العراقية الي ماضٍ ملئ بالظلم والفواجع والتراجع! بدلا عن إعلا قيمة التسامح وفتح قنوات التواصل بين جميع مكونات الشعب العراقي، والنظرة الي المستقبل من خلال أفق الشراكة والديمقراطية والمواطنة ودولة المؤسسات. ولكن المالكي كقرينه بشار معذوران في أنهما لأ يملكان لأ مواهب القيادة ولأ ملكات رجال الدولة، وكاريزما أبطال التحولات في ظروف المراحل الإنتقالية للدول! أي القنوات التي تمر بها الدول من مرحلة الي مرحلة. ولكنهم بالتأكيد غير معذورين، في فرض فشلهم وعجزهم علي الشعوب وبأكلاف يندي لها الجبين! والدليل أكمال المالكي لدورتين رئاسيتين، تعتبران كافيتان لأي رئيس في الدنيا، لتنفيذ ما يحلم به من مشاريع وما بذله من وعود، او علي الأقل وضع الأسس الراسخة لخلفه لإكمالها!! وإلا لأثبت أنه لأ يملك، مشاريع حقيقية او واقعية تتجاوب مع مشاكل مجتمعه!! وذلك لأن السلطة لأ يمكن أن تتحول في حد ذاتها، الي برنامج او غاية إلا في ظل الدكتاتوريات! وهذا ناهيك عن سيطرته المطلقة علي الجيش والشرطة ولجان الإنتخابات، ووزارة المالية التي تحولت الي جيب خاص في بدلته الأنيقة! أي تحولت دولة العراق الي دولة المالكي بإمتياز! لتتيح المجال لظهور تنظيم (داعش) وإعلان الخلافة علي أرض الرافدين، في إعادة مأساوية للزمان الحاضر الي الوراء، وغصبا عن إستحالة ذلك وعبثيته المدمرة! وكأن الخلافة هي الغاية من الحكم، وليس رعاية مصالح المواطنين وتنظيم شؤون حياتهم، وإدارة علاقاتهم البينية ومع الدولة، كجسم حيادي ذو وظيفة خدمية تنظيمة حمائية. او علي الأقل توفير حرفة وحماية لهم من باب الطاعة حسب منطوق عبارة أحد الخلفاء! وبهذا تصبح الخلافة ليست لحظة حنين الي ماضٍ، مزدهر وربيعي ونموذجي للدولة الدينية! بالنسبة لجماعة او مجموعات مهزومة حداثيا او ومأزومة حضاريا! ولكنها تعبير عن جرح متقيح تاريخيا ولم يتلقَ العلاج الشافي جراحيا! وهو جرح متأصل في وعي الجماعات الإسلامية وبنية الشعوب العربية! أي خضوعها لسيطرة الإستبداد في أفقه الديني وإفرازاته الثقافية! والخلافة بهذا ليست أكثر من رمزية لهذا الإستبداد، او السيطرة المطلقة علي الآخرين، من دون مساءلة او إعتراض! إضافة الي تمثيلها الحصري لمصالح المسلمين، والتعبير في نفس الوقت عن مدي إسلاميتهم! أي الخلط الفاضح بين التاريخي والغيبي، والتكريس العملي لمدي شهوة ممثلي الدين او وكلاؤه الأرضيون للسلطة والجاه! ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة في التعبيرات العفوية التي تصدر من قياداتهم، وخاصة من خلال خطاب الخليفة الجديد البغدادي، وبالأخص الجزئية التي يقول فيها، إن رايتموني علي حق فأعينوني وإن رايتموني علي باطل فأنصحوني وسددوني(!) بدلا عن فقوموني! ذات المدلول الحاسم في التصدي للخليفة، والمذكورة في النص الأصلي لخطبة سيدنا أبوبكر الصديق عند توليه الخلافة. في دلالة فارقة ليس لإنتقائيهم في التعامل مع النصوص الدينية، ولكن في الإستيلاء عليها وإعادة تأويلها او تنصيصها(تعديل للنص الأصل) بما يوافق مصالحهم الخاصة، وبكل جراءة وإيمان مطلق بهذا التوظيف العبثي! وأيضا يتبدي ذلك بوضوح في قوله، لأ أعدكم كما يعد الملوك والحكام رعيتهم برفاهية وأمن ورضاء، وإنما بما وعد الله عباده المؤمنين(!) فهو بهذا يتنصل عن مسؤوليته تجاه المحكومين(المسلمين أنفسهم ناهيك عن الآخرين)، وهو يعلم سلفا عن عجزه في الإيفاء بها! ليس لأن المفاهيم والأدوات التي يعتنقها ويعمل بها، غير صالحة أساسا، لأنه يمكن تغييرها او تطويرها! ولكن لأن حضور الخليفة/الخلافة هو الأصل او الغاية او صحيح الدين! وتاليا تُحال كل المطالب والإحتياجات، وأساسيات مثل الحرية والكرامة وحق العمل والرعاية، والمشاركة في الحياة العامة والسلطة العامة..الخ، الي الهامش او تغيب مبدئياً!! لأن بنية الخلافة وآليات عملها، أقل حساسية ومعرفة وإعتراف بها أساسا!! وما يؤكد ذلك حالة التماهي التامة مع الإله او الدين، او علي الأقل الحلول محلهما! راجع مقولته أعلاه!! وتاليا يمتنع الإعتراض او الرفض! أي القبول المطلق بكل ما يصدر عن الخليفة المؤمن او ظل الله في الأرض! وإلا ما أسهل القتل والسحل والصلب في سبيل الله!! وفي ظل حلول دولة الخلافة البغدادية الراشدة! تزدهر ليس العلوم والمعارف والحريات، ولكن الجماجم المعلقة وأنهار الدماء المتدفقة! ويحل فيها السيف والأسلحة النارية مكان القلم والحوار والتعايش وآليات البناء! أي تصبح لغة التفاهم هي الذخيرة والتفجيرات الإنتحارية! أي التواجد في هذه الدولة، يعني النوم مع الشيطان والرعب والظلام في كهفٍ واحد!! هل توجد تراجيديا حزينة، او كوميديا سوداء او ملهاة مبكية، أكثر من ذلك؟!

أما مشكلة فلسطين التي تراوح ما بين غطرسة إسرائيل(القوة)، وصبيانية او لأ عقلانية ولأ سياسية الفصائل الفلسطنية المسلحة(عدم الإكتراث للخلل الظاهر في توازن القوي)! فهي مفتوحة علي الدوام علي مسلسل، من الجنون والدماء والدمار، وإزاحة لغة العقل والعدالة والحقوق والتعايش المشترك! أي إستمرار لعبة الأكلاف الباهظة وبؤس النتائج العبثية! وهي سلفا لأ تعدم مورد إشعالها، الذي لأ ينضب وهو يستقي شروره من جدلية البيضة والدجاجة المقدسة! وهي الإحتلال سبب في إفراز الفصائل المسلحة! وممارسة الفصائل المسلحة، هي من يحرك جنون وغضبة الآلة العسكرية الإسرائيلية الشيطانية! وعندما يجتمع الي ذلك، تواطؤ المجتمع الدولي مع المحتل! وتُستثمر هذه القضية بواسطة أنظمة مستبدة، لمنحها مشروعية تفتقدها! فلأ تسأل عن حجم المآسي والتضحيات الهباء، وغياب أفق الحلول العادلة، لهذه القضية او النكبة الإنسانية! لذلك ليس مستغربا أن تنتج هذه الأرض/القضية، صنوفا مختلفة من الأرهاب! او تشكل قشة يتعلق بها الإرهاب الغريق في غربته عن الحاضر ولغته وفرصه! في كل مكان من المعمورة! لأن الإرهابي ليس أكثر من شخص، عجز عن فهم وإستيعاب الواقع المحيط! ومن ثم فهو أكثر عجز، عن تغييره او التعايش معه! والحل الوحيد المتاح أمامه في هذه الحالة، هو التخلص منه نهائيا! أي الحكم علي الواقع الظالم او الحياة المجحفة، بالإعدام! ويتحول هو آليا الي الأداة التي تقوم بتنفيذ الحكم!!

أما ما يلي حكومتنا السٌنية! فهي للأسف لم تترك أي مساحة للمفارقات او تبادل الفرحة والأحزان، ولكنها وضعت البلاد ما بين الأحزان المتتالية والإنهيارات المتتابعة! ولكن تظل كل إخفاقاتها وأحزانها(كوم)، وما يجري داخل أقبية جهاز الأمن، وما يتعرض له المعتقلون من إنتهاكات جسدية ومعنوية(كوم آخر)! فغير أن من يوجدون بالمعتقلات، هم أنبلنا وأشجعنا وأشرفنا، ويستحقون أوضاع أفضل ومعاملة أكرم من ذلك! وأن من يُعذبونهم هم أقل منهم شجاعة ومروءة وإنسانية! إلا أن أوضاع المعتقلات وطريقة التعامل داخلها، تؤكد أن هذا النظام متطرف في كل شئ تالف ومؤذي او في كل شر يصدر عنه! كما أنه لأ يعرف عنه غير أنه أكبر مصدر للشرور! فهو نظام متطرف في تعذيبه وإرهابه وإهانته للمعتقلين، وهو أول من أدخل بيوت الأشباح(إمتناع عن المراقبة والمحاسبة والأعراف والقيم)، وأعد لها عناصر ليست مجردة من قيم الدين والمروءة فقط، ولكن حتي من الأعراف والعادات المجتمعية! أي تم محو كامل لذاكرتها المجتمعية والبيئية التي ترعرت فيها، وتحولت الي مجرد أمساخ بشرية ومبرمجة فقط، علي طاعة أسيادها! وعموما هم محتقرون حتي من قبل أسياديهم! وتاليا هم أشقياء بالمطلق! ومن علامة شقاءهم. أنهم باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم! كما ذُكر في أحد الآثار الدينية. وهذا ناهيك عن التطرف في الفساد، والتطرف في الإساءة للمعارضين، والتطرف في سوء إدارة البلاد..الخ! ولكن ما يدعو للدهشة حقا في سلوك جهاز الأمن، هو توجيه تهم خيالية، وممارسة تعذيب لأ إنساني في حق طلبة! هم في طور الإعداد الأكاديمي والسياسي والوطني لمقبل الأيام! وتاليا يستحيل في حقهم تهم من شاكلة التآمر علي الدولة ومساعدة جهات خارجية او المساس بأجهزة الجيش والشرطة والأمن(الشاعرية)! و بالمجمل ليس هنالك أي مسوغ أخلاقي او سياسي او وطني لإعتقال طلاب! ناهيك عن توجيه مثل هذه التهم الهُلامية التحرُشية لهم، او تعذيبهم بهذا الشكل المأساوي! المنشور في وسائل الإعلام، علي ألسنة ذويهم قليلي الحيلة! وعموما سياسة الإعتقال للمعارضين، دعكَ عن تعذيبهم او الحط من إنسانيتهم، بقصد كسر صمودهم وتحطيم إرداتهم! هي سياسة عاجزة ودنيئة، ولأتناسب دولة راشدة او نظام ناضج ومحترم ومقبول شعبيا! وهذا غير أنها تتعارض مع السياسة كفعل مدني سلمي حضاري، وتقترب من أسلوب العصابات وقطاع الطرق، وتهدر قيمة الإنسان إضافة الي إهدارها معني الوطن! فهي تُبرر حمل السلاح علي النظام، او تُشرعن اللجوء للغة العنف، وتؤكد الشكوك في لأ جدية وجدوي دعوات الحوار والمشاركة الشكلية! او قابلية هذا النظام للتعايش المشترك او مقدرته علي توفير بيئة او أرضية ذاك التعايش! فهو نظام عدمي بإمتياز ولأيسعه إلا العدم! وغير أن هذه الممارسات لأ تشبه السودانيين، الذين يعشقون السياسة ويرغبون في العمل السلمي! فهي قد تستبدل هذا المزاج السلمي، بنزعة عنفية إنتقامية، لأ ترتد علي عنق النظام وحده! ولكنها قد تصبح ثقافة عامة!! وتاليا تصبح الغلبة للسلاح والعنف، أي الإزاحة التامة للسياسة والطبقة السياسية، لتحل محلها الطبقة العسكرية! بكل أخطاءها وخطاياها مع السلطة او الحكم! بوصفه لأ يدور في فلكها، ولأ تملك هي مرونة إدارته وفنون الإستفادة من مزاياه! بتعبير آخر، مع حلول العسكر او العنف، يحل الإستبداد! الذي يقود بدوره لمصادرة مساحات الفرح، وعودة قوافل البؤس والأحزان!! أي بعودة السياسة للسياسيين والدولة للمواطنين. تعود للحياة إستقرارها وللعالم هدوءه، ومفارقاته المفرحة والمحزنة، ولكن في الحدود المسموح بها، ولأ تشكل خطر علي حياة البشر!!

آخر الكلام:
الراسمالية نظام إقتصادي، ذي حمولات إجتماعية سياسية مُترهلة، او تُظهر الكثير من الحرية، وتضمر الكثير من الإستعباد. أي تمنح غالبية شعوب الأرض، فرحة وبهجة مؤقتة! وأحزان وهموم متواصلة!! لذلك بهجة الإحتفالات وقوة الأضواء التي تُسلط علي ميزاتها ومكتسباتها! لن تستطيع حجب آثارها المدمرة والحارقة للطبقات المُستغَلة(غالبية البشر)، أي الذين لأ يملكون توجيه الإقتصاد والرساميل العالمية، الي وجهات إقتصادية، ذات أبعاد إجتماعية، تنحو نحو تعلية المشتركات بين البشر، وتوفير الحاجات الأساسية للجميع، والمحافظة علي الثروات لأجيال المستقبل! أي هي نظام ترف في التعامل مع موارد الحاضر وأهدار أكيد لمصالح المستقبل! لذلك فهي كنظام تحتاج الي مراجعة، حتي لأ تقود الحياة الي طريق مسدود! وكما أهدرت فرص المستقبل، فقد تُشعل الحاضر! وبهذا تصبح مشروع الخسران المبين بإمتياز!


دعوة(مكررة!) للمشاركة وتغيير الحال المائل:
فُجعت كغيري بخبر إغلاق مركز للكلي بمستشفي الخرطوم، يتردد عليه بعض المرضي! و أول سؤال يُبادر الي الذهن في حالة كهذه؟ ما هو مصير أولئك المرضي؟! علما بأن مريض الفشل الكلوي إذا لم يتلقَ أربع غسلات متتالية، يمكن أن يفقد حياته! حسب وصف سمعته من أحد الأطباء، وذلك بناءً علي حالته وطبيعة المضاعفات التي يتعرض لها! وفي الحقيقة من الغفلة والإستهتار بمكان، أن يُترك مرض بكل هذه التكلفة والعبء المالي، علي عاتق الحكومة، ممثل في وزارة الصحة، مغلولة المصادر المالية! خاصة وهي من الوزارات الفقيرة والمشردة! في سلم أولويات صرف الحكومة السُنية، المشغولة بالجهاد ومناطحة روسيا وأمريكا ودعم حماس، وتدليل أجهزة الجيش والأمن والشرطة! ورغما عن إعترافنا بالمجهودات الجبارة التي تقوم بها بعض العناصر والأطباء والخيِّرون، حتي لأ يتوقف غيره من المراكز، او تشح وتنعدم الأدوية والعلاجات الخاصة بالمرض! إلا أن هذه القضية تعيد الي الواجهة، ما سبق و ذكرناه عن موضوع الفشل الكلوي والسرطانات المنتشرة بكثرة في عصر الإنقاذ، ونكررها مرة تلو المرة حتي تجد آذان صاغية وقلوب رحيمة وضمائر صاحية! ومن ضمنها طرح سؤال حيوي وجدي علي الجميع، وهو هل غرض المعارضة والمواطنون المختلفون مع هذه الحكومة، هو تغيير هذه الحكومة فقط؟! أم تغيير أحوال المواطنين وتحسين شروط حياتهم؟! أي هل تغيير النظام يمثل مجرد خطوة في طريق الإصلاح، أم هو كل غاية الإصلاح! وإذا إتفقنا علي الأولي وهو ما نحسبه أشمل وأصح! هل تترك كل إجراءات الإصلاح والتغيير او المساعدات التي يمكن أن تقدم للمجتمع المحتاج، ومن ضمنهم شريحة مرضي الكلي، حتي يتم التغيير! أم أن هذه الخطوات والمساعدات يمكن أن تبدأ الآن، وكما كانت متاحة في كل الأوقات، وستظل متاحة علي الدوام!! بقول آخر، هل يكفي الإعتراض علي الأخطاء وإستنكار الخراب، أم الأهم هو السعي بجد لتصحيح الأخطاء، والقيام بجهد وصبر وإرادة البناء، والمساهمة الإيجابية المادية والمعنوية، في مساعدة الشرائح الضعيفة او أكبر ضحايا هذا النظام التخريبي المهين! وإلا ما الفرق بين الكيزان والمختلفين معهم!! أي ما هو الفرق بين صانع الخراب والضرر وبين الصامت عليه او البخيل في تقديم مساهماته أي كان نوعها، في التصدي للضرر والخراب او تقليل أضرارهما لأدني مستوي! وبتعبير واضح وصريح، ما هو الدور الذي يجب أن يقوم به الجميع، حيال مرضي الفشل الكلوي وغيره من الأمراض والقضايا الإنسانية المشابهة. سواء أكانوا في الداخل او الخارج، أسهموا قبل ذلك في قضايا مشابهة ام لم يسهموا! أي هي قضية بقدر ما هي عامة، فهي قضية شخصية وتمس ضمير كل شخص بصورة شخصية او مباشرة! ونكرر مرة أخري، ما قيمة الوطنية او الوعي او الإنسانية، إذا لم تدفع صاحبها للتفاعل مع هذه القضايا، او تحرضه للسعي بجد، وبذل كل الجهد وإستغلال كل الفرص والإمكانات، لإنقاذ أرواح تواجه خطر الموت كل لحظة! بسبب فقرها او قلة حيلتها او بسبب الظلم الواقع عليها! او بسبب ربط مصيرها بحكومة، لأ تكترث ولأ ترهب إلا الخارج او من يرفع عليها السلاح!! وبما أن القضية من الحساسية بمكان، لدرجة أنها لأ تملك ترف الإنتظار لعدة ساعات ناهيك عن ليال وسنوات! فيمكن الإستفادة من او تفعيل الأجسام والتنظيمات القائمة، للقيام بإجراءات دعم مادية وعينية إسعافية! كالجاليات السودانية في الخارج ومنظمات المجتمع المدني في الداخل. مع التنسيق مع المنظمات او الجمعيات الخاصة بمرضي الكلي في الداخل، لمعرفتها بحجم الإحتياجات وطريقة توظيف الدعومات. وأهمية ذلك أنه يقلل العبء علي المعارضة حتي تتفرغ لمواجهة النظام، هذا من ناحية! ومن ناحية أخري، تبني قضايا كهذه قد يتيح الفرصة لظهور مواهب وقدرات إدارية وقيادية جديدة، يمكن أن تدفع بدماء جديدة في شرايين العمل الطوعي و الوطني والمدني. وفي نفس الوقت إتاحة الفرصة للجميع وبمختلف مواهبهم وميولهم وظروفهم للمساهمة في العمل العام، وهو الوسيلة الوحيدة لإمتلاك الوطن ومنح الكرامة للوطنية والإحترام للمواطنين. وبتعبير آخر، القيام بعملية إفتكاك للمبادرات والقضايا العامة، من المعارضة وغيرها من التشكيلات القائمة، ومن ثم إتاحتها للجميع! أي منح الفرصة لإثبات الذات من ناحية، ومعرفة الصعوبات والعقبات التي تواجه كيانات العمل المعارض او منظمات العمل الطوعي من ناحية أخري! وتاليا منح التقييم والآراء التي توجه لها، مزيد من الموضوعية والمصداقية، أي إرتفاع منسوب النقد البناء، الذي يمنحها مزيد من الثبات والإستقرار والتطور! بدلاً عن النقد المكتبي، او النقد الذي يسبح في البر، ويتعلق في سماء الأمنيات والرغبات المستحيلة! ولأ مستحيل تحت العقل، وحسن تقدير الأمور وتدبير الأحوال! ولن يتم كل ذلك، إلا عبر تحمل المسؤولية وبذل التضحيات والإيمان بدين الوطن والمواطنين في أعناق الأحرار! أي الخروج من ضيق الذات الي وسع المصلحة العامة والفضاء العام! وهذا العمل والجهد( الإنتظام في كيانات منظمة ومستقرة لمساعدة مرضي الكلي وغيرهم)، غير أنه أضعف الإيمان في طريق الخلاص الطويل المظلم، إلا أنه يشكل مدخل، يمكن أن يعيد البسمة لمرضي وأسر هداها وجع المرض وهم الديون وذل الحاجة!!

وفي هذا المقام نترحم علي روح المرحوم المحامي والكاتب (نجم الدين محمد نصرالدين). الذي حوَّل تجربته مع مرض الفشل الكلوي، الي فرصة لزيادة الثقافة والمعرفة بهذا المرض! ولأ مواجهة او إحاطة او علاج لمشلكة او مرض من دون معرفته! وتاليا التعامل معه بكل واقعية ودونما إنزعاج، مع وضع التحوطات التي تمنع إنتشاره او تحد منه! وهذه الروح التنويرية الصدامية المؤمنة بقضاء الله وقدره، مؤكد أنها لأ تتاح إلا لرجل قلبه معلق بالصالح العام، والرغبة الصادقة في خدمة شعبه وحمايته، وتحسين أحوال إخوته في الوطن! لله درك يارجل، ونسأل الله أن تكون عليين مسواك الأخير، ونشهد أنك خُلقت لها وخُلقت لتشبهك! ولأ نزكي أحدا علي الله. وأخيرا، نهمس في أُذن أصدقائه من المحامين وزملاءه في الداخل وفي بلاد الغربة وغيرهم، أن جزء من دين الصداقة والزمالة والوفاء، إعانة مرضي الفشل الكلوي بكل السبل المتاحة، كما كان يحب ويرغب!
ملاحظة أخيرة، لمنظمات الكلي العاملة بالسودان، أرقام حسابات يمكن أن تساعد في إيصال المساهمات او إستقبالها. اي كل الظروف مهيئة ولأ مجال للأعذار!! قوموا للإنفاق يرحمكم الله.


وأجب عزاء:
رحم الله محمد عبدالله(محمدية)، أحد قامات الموسيقي في السودان. ولأ تُذكر آلة الكمان إلا ويحضر الي البال هذا المبدع الخلاق، الذي إرتبط بها وأرتبطت به كتوأمين سياميين! الشئ الذي منح هذه الآلة في حضوره الباهي، أبعاد خاصة من الشجن، ومساحات أرحب من التطريب. لدرجة أن منحت له بعض المساحات الخاصة في ألحان بعض الأغنيات، وأعتقد أن منها أغنيات الأستاذ الفنان الموسيقار محمد الأمين، وهو متذوق حساس للموسيقي قبل أن يكون فنان. أي هو أدري بإمكانات هذا المبدع الراحل والإضافات الضخمة التي يمكن أن يضيفها للألحان والأغنيات. وبالتأكيد فنانون كثر يعلمون بهذه الملكات الإبداعية التي يحملها هذا الرائع الراحل. ولأ نبتعد عن الحقيقة إذا ما إعتبرناه أحد الروافد الأساسية، التي ساهمت في تشكيل ذاكرتنا الموسيقية واللحنية وذائقتنا الفنية، في مستواها الأصيل او من خلال الروائع الخالدة.وإذا أضفنا الي ذلك، ملامح البراءة والأدب الجَّم والتواضع، الذي تمتعت به شخصيته البشوشة، لأ نستغرب كمية القبول والمحبة والإحترام، التي منحت له عن حق. اللهم في شهر الرحمة والغفران والعتق من النار، أرحم فقيد الوطن(محمدية) وأسكنه فسيح جناتك، مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. إنا لله وإنا إليه راجعون.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1266


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة