الأخبار
منوعات سودانية
ورحل ساحر الكمان ... محمديه ذلك الإنسان النادر
ورحل ساحر الكمان ... محمديه ذلك الإنسان النادر



07-22-2014 12:58 AM
بقلم: أنس العاقب

العظماء يموتون نعم ولكنهم باقون في صفحات التاريخ وفي وجدان الناس.. هناك أناس تصنعهم الأحداث فيكون لهم وجود في صفحات التاريخ بقدر تأثيرهم على مسيرة الحياة ولكن مع تقادم الأيام تنزوي ذكراهم من الذاكرة وكثير منهم يسقطهم التاريخ من على صفحاته وأما الذين يكتبون التاريخ هم تلك القلة في مجتمعهم الإنساني ينفردون بجلائل الأعمال ريادة وإصلاحا وابتداعا وقيادة من بينهم من وهبهم الله جل وعلا موهبة الإبداع في كل مجالات الآداب والفنون... هؤلاء العظماء لا يغازلون التاريخ بافتعال المواقف الدنيوية.... العظماء الحقيقيون هم الذين انشغلوا بما يفرضه عليهم واجبهم الإنساني أيا كان حتى ولو كان ثمنه الحياة نفسها فخلفوا للإنسانية كنوزا أثمن وأجمل وأكثر فائدة لأوطانهم وللإنسانية جمعاء ...
محمد عبدالله محمديه رحل عن دنيانا الفانية إلى الباقية مغفورا له بإذن الله.. ولم يتبق إلا أن نتذكر الإنسان الفنان الذى احترم فنه إبداعا متناهيا لم يبخل به على ناشئة المطربين قبل الرواد الكبار فاجتمع فيه سحر العزف على الكمان وسر الحب الذى بادله الآخرون مكللا بالاحترام والتقدير والإعزاز وفوق كل ذلك كان محمديه ذا ثقافة شامله لكن قضايا الموسيقى شغلته وانهكت تفكيره وصبره ولكم كان يحلم بفرقة سيمفونية وطنيه ظن أن إنشاء الفرقة القومية هي مقدمة لذاك الهدف وما لبث أن تحولت الفرقة القومية إلى موات تماما كما باءت كل محاولاته ومبادراته بالإخفاق لتكوين فرقة موسيقية راسخة بكفاءة عالية لم يتحقق حلم محمديه(حلمنا جميعا) ألا نكرمه بتحقيق ذلك الحلم
وأنا أكتب هذه الكلمات الملتاثة طافت بذهني ملامح لحظات عرفته عازفا جديدا في الوسط الفني أدهش الناس وأسرهم قبل أن أراه واستمع إليه إلى أن رأيته ضمن الفرقة التي صحبت أستاذنا الكابلي المكونة منه وعبدالله عربي كمان وعبداللطيف خضر أكورديون وعازف الإيقاع حيدر رحمه الله وذلك في حفل بسينما كسلا الشرقية عام 1965... كانوا عازفين عظماء ومجيدين في تلك الأمسية الوسنانة يصحبون مبدعا كاسحا ساحرا اسمه عبد الكريم الكابلي الذى لم يكن يبارينىي في حبى له والتتلمذ على مدرسته أحد من مطربي كسلا في ذلك الزمان الجميل النضير
كان الحراك الفني منذ نهاية الخمسينات وحتى منتصف السبعينات يعج ويزخر بنجوم منيرة شاهقه من عازفين وملحنين ومطربين وما من شك كان محمديه هو الأكثر سطوعا وقبولا ونشاطا ومشاركة لأسباب كثيره أهمها أنه كان عاشقا لآلة الكمان بلا حدود ثم أنه كان يحرص بانتظام على التدريب اليومي ساعات طوال بلا كلل وهذا مكنه من إجادة القراءة الفورية للنوتة الموسيقية والعزف بنفس الكفاءة وبسرعة مذهله.
وفوق تسلحه بالعلم كان محمديه أحد أساطين العزف السماعي المتبع والمتعارف عليه ويسميه الأكاديميون(اجقلره ) فكان الراحل محمديه من أسرع العازفين حفظا للألحان وفي تسجيلها أو ادائها مع كل المطربين كبارا وصغارا وكانت له في نفس الوقت آراء واجتهادات أثناء عملية الحفظ بحكم الموهبة والتجربة بغرض أداء بعض الجمل الموسيقية والغنائية على النحو الأفضل إما بتغيير المقامية بالرفع أو بالخفض مثلما كان يفعل كبار الموسيقيين والملحنين وقتذاك أمثال برعي محمد دفع الله وعبدالله عربي والخواض وحسن بابكر وعلى مكى وعبد افتاح الله جابو وغيرهم.
كان محمديه دارسا ايضا للموسيقى الشرقية وهو أفضل من يؤدى بالكمان كل المقامات الشرقية الصعبة على الأذن الخماسية بل لم يفوت فترة بعثته الدراسية في مصر مطلع السبعينات فدرس أيضا آلة العود والقانون والجيتار ولولا أنه أحب آلة الكمان لكان أفضل من يعزف آلة الجيتار الكلاسيكي قبل أن يتخصص فيه ناس دكتور الفاتح حسين ... زرته عصر يوم في بيته المتواضع وكالعادة كانت غرفته تعج بالكتب والمدونات الموسيقية واشرطة الكاسيت والأسطوانات والمجلات وبعد حديث حول قضايا الموسيقى والغناء بادرني قائلا بتواضع جم (تعال أسمعك الحاجه دي) وبدأ يعزف بكل حرفية وبإحساس عال ذهلت مما سمعت لم أتمالك نفسى وقفت غير مصدق وصحت فيه ( ما تبالغ يا محمديه دا كونشيرتو الكمان بتاع بتهوفن دا أصعب تأليف للكمان) ضحك وقال (ياريت لو لقيت مصاحبه بالبيانو كنت حأعمل حاجة) ... الذين صحبهم محمديه بالعزف وحلوا عن الدنيا لا يمكن حصرهم في هذه العجالة أطلب من كل الأحياء من المطربين الذين شاركهم محمديه بالعزف أن يرفعوا أصابعهم افتخارا وأنا أولهم ثم فلنرفع أكفنا لله سائلينه في هذا الشهر الكريم أن يغفر ويرحم عبده محمد عبدالله محمديه إنا لله وإنا إليه راجعون ...
[email protected]
انس العاقب




تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1422

التعليقات
#1063544 [سيد أحمد منصور]
0.00/5 (0 صوت)

07-22-2014 01:07 PM
نسأل الله الكريم أن يتغمضه برحمته ويسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه لطيف جواد كريم.

[سيد أحمد منصور]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة