الأخبار
منوعات سودانية
محمدية.. غياب اللحن الرصين في زمن المزامير العابثة
محمدية.. غياب اللحن الرصين في زمن المزامير العابثة
محمدية.. غياب اللحن الرصين في زمن المزامير العابثة


07-25-2014 12:58 AM

الخرطوم – رؤى الأنصاري

لم يكن جرحه هو الأول الذي اعترى جسد هذا الشعب؛ بل سبقته جروح كثيرة وعميقة، آخرها رحيل شاعر الشعب محجوب شريف، فأصبحنا نخشى ما قد تحمله لنا الأيام من أنباء تدمع لها العين ويعتصر لها القلب ألماً، وكان في يوم قد تأثر بذات الجروح واعتصره ذات الألم لفقدها في إشارة إلى أن هناك صلة رحم بين الإبداع أينما حل، ولكم رأينا دموعه تخبئها أوتار كمنجته الضائعة بين شفافية الروح وجمال الدواخل وتجسير هوة التعاطي مع مكونات الجمال وإيصالها كما ينبغي، وبين تقريب مفاهيم التوثيق والعمل الجاد ومحاولات تذليل الصعاب والعقبات التي تعترض مسيرة الغناء السوداني، ليقدمه في حلة زاهية أبسط ما يمكن أن توصف به مجتمعة في يديه بأنها (تتزيا عبق الماضي ورصانة الحاضر واستشراف المستقبل).

هكذا كان محمدية؛ تسبقه إلينا ابتسامته قبل معزوفاته وبشاشة وجهه قبل أن يشد على أوتار كمنجته ليرسل إلينا لحناً يبعث فينا روحاً ظننا لوهلة أنها قد جرفتها سيول التقليد والأعمال الهشة، ومحاولات السقوط في براثن المفردة واللحن، فكان كمن يسمو بتلك الأرواح فوق كل ما يعكر صفوها ويكدر أمزجتها التي نشأت على حب الفن الجميل وقداسة الكلمة واستشعار المعاني القيمة، فساهم بذلك في إرساء مفاهيم الحب والجمال فيها.

ولمن لا يعلم حجم مودة الجميل محمدية في أوساط السودانيين عليه أن يلقي نظرة على مواقع التواصل الاجتماعي ويرى كيف أن هذا الشعب مربوط بحبال الانتماء ويدين بالولاء لمن أجزلوا العطاء وأفاضوا بسخاء وصبوا جهدهم في معين الإبداع لإرضاء الناس على اختلاف فئاتهم ومسمياتهم، اختلفت منشورات الوداع الأخير بين باك ومعدد للمآثر ومعترف بعطائه ومجهوداته، ومدين له بالفضل في انتشال الواقع الغنائي السوداني من رهق الهشاشة إلى سوامق المعاني والألحان.. بكوه وهم يرددون:

"في وقت الطبنجة

كان صوتك كمنجة

وهدهدة للجميع

يا ضحك الحمام

في زمن الصيام

فرهدة الربيع

سلاماً يغشى روحك

يزيدك في وضوحك

يا الفي الضحكة كنت

أنقى من الرضيع"

المتابع لكل ما يبث من أغنيات عبر أجهزة التلفزيون يلاحظ أن لمحمدية لغة تواصل معينة وشفرات يصعب على كثيرين فكها بينه وبين الأداء الجيد وإعطاء كل ذي حق حقه في إطار مكونات العمل الغنائي مفردات وألحان، هذه اللغة سرعان ما تعطي إشارة لوجدان محمدية لتخبره بأن هذا الأداء جيد وأنه صب في مكانه الصحيح، سواء أكان أداءا أصيلاً أو مشاركا فيه، فتترجم هذه الإشارات إلى ابتسامة ترتسم ممشوقة القوام على شفاهه تلونها معزوفاته التي تأتي مشابهة لذات التجويد والامتثال لأوامر الجمال والإبداع.

عاصر محمدية خلال مسيرته العامرة بالعطاء والإنجاز كبار الفنانين، وكانت بصمته واضحة في ترسيخ مفاهيم (الأغنية) مكتملة الملامح والتي لا تعاني من أي تشوهات جينية ولا خلقية. ففرض علينا وعلى المتلقي أن نتقبلها هكذا دون رتوش ولا مساحيق تجميل مخلة، كعمل قائم على نقاط ارتكاز أهمها احترام المستمع وإعطائه ما يزيد عن حاجته من أعمال غنائية يورثها للأجيال التي تليه عبر الأزمان. فما دوزنته يد محمدية على آلة الكمان منذ قرون ظل حاضراً حتى هذه اللحظة وسيظل ماثلاً لأزمان بعيدة. ومن هؤلاء الفنانين الراحل محمد وردي وعثمان حسين وسيد خليفة وإبراهيم عوض وغيرهم ممن شكلوا الوجدان السوداني بجميل الأغنيات.

عكس محمدية شفافية روحه وطيبها وبدا متأثراً جداً في حلقات (أغاني وأغاني) التي أعقبت وفاة الفنان نادر خضر ومحمود عبدالعزيز، ولم يستطع أن يخفي دموعه الصادقة التي لم تخرج من رحم التصنع والظهور أمام الكاميرات تحت دثار الحزن، بل خرج حزنه صادقاً دليلاً على أن هذا البرنامج فقد أبناءه ولم يفقد مشاركين فيه فقط، وهذا ما يدل على أن محمدية يحترم الفنانين الشباب الذين يسيرون بخطى ثابتة لتحقيق ذاتهم بطريقة تشبههم وتثبت كينونتهم، وطريقة تفاعله من خلال أدائهم لبعض الأغنيات المعتقة والتي يحدثون فيها بعض التجويد تدل على ذلك.

هنا يمكن إطلاق لقب (المخضرم) على محمدية هكذا دون منّ، من واقع تجربة قوامها عشرات السنين أعقبتها أُخر في الآونة الأخيرة مع الفنانين الشباب والمخضرمين أيضا الذين امتد عطاؤهم وما يزالون يرفدون الساحة الفنية بكل ما تطرب له الأذن ويصدقه القلب ويؤمن عليه العقل. ظل ثابتاً رغم رياح التغيير التي اجتاحت كل شيء وكادت أن تقضي على الأخضر الذي ظل يسقيه من معين لا يعرف النضوب في كل أعماله، فاهتم به كقيمة أصيلة وموروثاً الحفاظ عليه مسؤولية ملقاه على عاتق الجميع.

ليس خارج أسوار الحقيقة؛ يظل محمدية رمزاً من رموز هذ الوطن وجزءاً أصيلاً من العملية التوثيقية التي تضع الأجيال القادمة هدفاً استراتيجياً، تحصنها ضد وباء الأعمال المتهافتة، ويظل كذلك فرداً مؤثراً في الحراك الثقافي في السودان، مساهماته في المسيرة الفنية لا ينكرها إلا جاحد، وما قدمه خلال سنوات عطائه ستوثق له الأيام دون إملاء من أحد، بل احتفاءا به وبما قدمه حتى أيامه الأخيرة. هكذا رحل محمدية دونما استئذان، رحل كطيف عابر، تسربت أرواحهم الجميلة إلينا ووجدت لنفسها مكاناً مقدراً بيننا دون انتظار الإذن منا.. فقد أصبحوا يتسربون هكذا من بين أيدينا دون ضجيج ولا يعلمون أن برحيلهم يحدثون شروخاً في القلب صعب التعافي منها.

محمدية.. طبت حياً وميتاً.!

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 821


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة