الأخبار
أخبار إقليمية
محمد يونس" السودان: السيدة "حنان".. معكوس أفندية التمويل الأصغر
محمد يونس" السودان: السيدة "حنان".. معكوس أفندية التمويل الأصغر
محمد يونس


08-09-2014 12:58 AM

الباقير- محمد عبد الباقي

إن كان الشاعر الإنجليزي (ويليام بليك) قضى أنضر سنواته يدعو إلى فك عقال الأفكار ويحذر من حبسها، نجد أن البنغالي (محمد يونس) وضع كرة الأفكار على ملعب التنفيذ، معلناً عن ميلاد (غرامين بنك) (منظمة التمويل الصغير وتنمية المجتمع) الذي أسسه عام 1983م لمساعدة المعوزين بمنحهم قروضاً تتراوح بين (20-100) دولار للفرد كشكل من أشكال الرأسمالية الاجتماعية، يتم استثمار فوائدها لصالح زبائنها بدلاً عن تقديم الفوائد لأصحاب الأسهم.

وجاءت فكرة (محمد يونس) رداً عملياً على رفض المؤسسات والمصارف التقليدية منح قروض للفقراء بسبب المجاعة والحروب التي كانت تدور في بلاده، لهذا قرر منح أول قروضه من جيبه الخاص، وكانت قيمة القرض الواحد (27) دولاراً لنحو أربعين حرفياً بنغالياً جعل كل واحد منهم يبتعد خطوة عن الفقر.

(محمد يونس) ببنغلاديش و(حنان) بالخرطوم

وما بين دعوة (ويليام بليك) الذي خلّد رسالته في أشعاره الرائعة ورسوماته النادرة، وتنفيذ (محمد يونس) الذي اعتمد على دراسته للاقتصاد وتعمقه في فلسفة الرأسمالية الاجتماعية من خلال موقعه رئيساً لقسم الاقتصاد بجامعة (تشيتاجونج)، نجد أن البون شاسع بينهما من جانب و(حنان) (السودانية بطلة قصتنا هذه)، من جانب آخر، التي اخترعت بدورها مشروعاً لا يقل أهمية عن دعوة الأول وتنفيذ الثاني، رغم أنها لا تملك موهبة الشعر ولا عمق التحليل الاقتصادي، ولكنها ذات عزيمة وإرادة.

المرأة المتفانية

(حنان) التي لا تملك غير الإرادة القوية والعزيمة الجبارة سعت سعياً حثيثاً وراء تحقيق هدف وحلم محدد، هو تربية أبنائها كما روت قصتها. هذه المرأة تستحق أن تدرس لكبار رجال الاقتصاد الذين عجزوا في كل مشاريعهم الاقتصادية رغم ما بين أيديهم من دراسات جدوى وأموال، ونجحت هي– حنان- رغم قلة ما في يدها، لتثبت لنا أن النجاح ليس بالمال وإنما بالعزيمة.

فصارت امرأة ليست كسائر النساء اللائي يثرثرن كثيراً، وإنما امرأة من طينة أخرى، تتجسد فصول قصتها في كونها أماً لعدد من الأبناء والزوجة الأولى لرجل له أخرى غيرها، وضعه الاقتصادي كحال الوضع الاقتصادي للسواد الأعظم من المواطنين السودانيين البسطاء الذين أصبح ما بأيديهم كبردة (عمير) إذا غطت وجهه ظهرت قدماه، فهم كذلك صار ما بأيديهم لا يغطي كل منصرفاتهم، وفي تصالح نفسي فريد أثبتت (حنان) أن الشخص الذي لا يريد التعايش مع الفقر والعوز عليه خلق خطة لزيادة دخله، ووضع صورة لنفسه لكي يستطيع العيش داخل هذه النفس، وأن يركز على هدفه ويبتعد عن الفوضى النفسية المثيرة، وأن يتجنب التفكير في عدة أشياء في وقت واحد، حتى لا تشوش على قراراته، وأن يتوقع خوض معركة أكبر من التي سيواجهها في المستقبل حتى يتمرس على تحقيق الأهداف. هكذا وضعت (حنان) خطتها للقضاء على الفقر وتحسين ظروفها، إذ قامت بتربية عدد من الأغنام (ماعز) في مزرعة جنوب الخرطوم وظلت ترعى هذه الأغنام بالنهار، وفي المساء تقوم بحلبها ثم تمتطي (عجلة) خاصة بها وتتجه نحو القرى المجاورة لتبيع اللبن لزبائنها الذين ينتظرون مقدمها دائماً.

وعن الأسباب التي جعلتها تركب (العجلة) لمسافات بعيدة، وباستمرار تقول: هذا من أجل مساعدة زوجي على تربية أطفالنا الصغار الذين ما زالوا في المدارس وتضيف، في بداية ذهابي إلى القرية بـ (العجلة) كان الناس يستهجنون الأمر وأسمع التعليقات الساخرة والمنتقدة، ولكن رويداً رويداً تحول الأمر إلى تشجيع وإعجاب من الذين نقابلهم في الطريق. وتضيف: حتى أصحاب السيارات ظلوا يطلقون أبواق سياراتهم عندما يرونني أمر بجانبهم ويرفعون لي شارات الإعجاب.

ورغم أن القرى تبعد مسافات متفاوتة عن المزرعة التي تسكن فيها، إلا أنها ظلت تواظب على حمل لبن الأغنام على (عجلتها)، وتتجول بين زبائنها الذين بلغ إعجابهم بصمودها حداً جعل بعضهم يكشف الكثير عن صمودها وتفانيها.

و(حنان) التي لم تبحث عن أجهزة الإعلام لتعكس مشروعها الذي ابتكرته أو تستجدي الآخرين، كان جوابها عندما قلت لها ماذا تريدين أن يُقدم لك من مساعدة؟ أن أطلقت ضحكة طفولية، وكأنها تستبعد أن يقدم لها أحد مساعدة، ثم أجابت: (عايزاهم يزيدوا لي الغنم).. قالتها هكذا دون أن توجه طلبها لأحد.. وبطريقة من أجاب عن أسئلة آلاف الفضوليين، بدأت تحكي عن عالمها الجديد بالكثير من الاعتزاز، وهي تضحك بطريقة كانت كفيلة بأن تثبت لي أنها تعيش في ترف نفسي يفوق الكثيرين من الذين ارتضوا حياة الفقر، بعد أن حنّطوا أفكارهم ووضعوها في توابيت الموتى.

علاقة أزلية بين (العجلة) و(حنان)

وتكشف (حنان) عن علاقتها بـ (العجلة) التي قالت إنها بدأت منذ الصغر عندما ترعرعت بحي بانت بأم درمان، فكانت تركب (العجلة) وهي صغيرة ولم تكن تتوقع أن تركبها وهي في عمرها الحالي، ولكن للمقادير والظروف رأياً آخر، إذ استفادت من تعلمها لركوب (العجلة)، وهي صغيرة في تربية أبنائها اليوم، ولولا أنها تعلمتها، وهي صغيرها لما استطاعت أن تتعلمها اليوم.

في ظل الراحة النفسية التي تعيشها استطاعت، وبقليل من التفكير، إدراك أن بإمكانها أن تدمج بين التسويق ورعي الأغنام ورعاية أطفالها، ما جعل الأعمال التي تقوم بها تبدو سهلة وواضحة للحد الذي جعلها تنفذ كل المهام، وهي في غاية التركيز النفسي والسعادة، مما جعل الكثيرين من مواطني القرى الذين يشترون منها اللبن يتحولون من خانة المشفقين عليها إلى مرتبة المعجبين بفلسفتها في الحياة، بعد كسرها قيود الجمود التي تلتف حول معاصم الكثر ارتضوا بشظف العيش ومسغبة الفقر.

ولهذا أصبحت السيدة (حنان) ليست مجرد امرأة ترعى الغنم وتبيع اللبن على سرج (عجلة)، وإنما إرادة وعزيمة ركلت الأفكار الجامدة ودربت عقلها على الابتكار والصنعة حتى نجحت فكرتها.


اليوم التالي


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3126

التعليقات
#1075379 [عودة ديجانقو]
0.00/5 (0 صوت)

08-10-2014 12:03 PM
ليه دائما ننظر للغربيين عندما يمتطون دراجاتهم من والى العمل حضاره ونحن اصلا لا نستعملها الا فى فترة الدراسه وعندما نكبر نخجل منها خوفا من نظرة المجتمع.

معظم اصحاب رؤوس الاموال هنا فى امريكا وحتى اعضاء فى الكونقرس وبعض موظفى البيت الابيض رجال او نساء يستعملون دراجاتهم فى حلهم وترحالهم وهو امر اكثر من عادى وغير ملفت للنظر ولذلك تجدهم دائما أصحاء وبالتالى نشطاء.
من الشخصيات التى اعرفها عن قرب بول وولفويتز الرئيس السابق للبنك الدولى فهو كثير الترحال بدراجته لم يستعمل سيارة البنك إلا فى اجتماعه فى البيت الابيض الذى على مرمى حجر من البنك الدولى.
ولذلك كسودانيين تلقى مفتاح العربيه ليس له مكان فى الجيب لأنه مكمل للشخصيه.
نحن مصيبتنا عويصه

[عودة ديجانقو]

#1074659 [فاعل خير]
4.49/5 (22 صوت)

08-09-2014 01:02 PM
ده مره تستحق التكريم على العموم انا عاوز عنوان او رقم جوال ليها اكيد عندها جوال حقها رسلو لى لوسمحتو

[فاعل خير]

#1074645 [mahmoudjadeed]
4.58/5 (21 صوت)

08-09-2014 12:34 PM
زادك الله قوةَ وعزيمةّ وحناناً .

[mahmoudjadeed]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة