الأخبار
منوعات سودانية
تجربة الشاعر عثمان خالد الجزء الثاني
تجربة الشاعر عثمان خالد الجزء الثاني



08-11-2014 10:43 PM
د. عكاشة أحمد فضل الله

تجربة الشاعر عثمان خالد
الجزء الثاني
الشعر الغنائي في السودان
في الربع الأخير من القرن العشرين


د. عكاشة أحمد فضل الله
باحث في الثقافة والفكر السودانيين


شاعرية وغنائية شعر عثمان خالد:

ارتكزت دراسة هذا الشق من البحث على الأشعار التي تضمنها ديوان "سهر الغربة" وهي قصائد ذات معاني وفكر هائلين وحسن نظمها. وفيها الكثير من الالهام خاصة المتعلق بحب الناس والصدق والأصالة في العطاء والرفق والسماحة. عمرت الكثير من الابيات بالبساطة والسعادة والامتنان.
كان الكثير من هذه الأشعار النوعية الموسيقية خاصة الطابع الغنائي المتدفق من افكار ومشاعر الشاعر نفسه وهدفت هذه الأشعار إلى التعبير بعفوية وتلقائية للافصاح مباشرة عن عواطف الحب. وكان الأسلوب الشعري لعثمان خالد سهل التعابير بالتالي سهل فهمه. مزجت الصور الشعرية بين الرومانسية الشعرية (حب الطبيعة ، الجمال الأنثوي ، المثالية فكرياً ، الحسية ... الخ) والرمزية. وجرى التركيز على المشاعر. لهذا عمرت الأشعار بقدر كبير من الأحاسيس وموسيقية اللغة ولهذا امتلكت هذه الأشعار امكانية فضح خلجات قلب وفكر الشاعر.
وعلى الرغم من بساطة لغة الشعر فإن الموضوعات التي تناولتها اشعاره وكذلك الصور الشعرية صيغت بلغة طبيعية هي من مألوف الالفاظ المستخدمة في الحياة السودانية ولم تكن هناك الحاجة لديها إلى تعابير لغوية سامقة أو بيان مطول مسهب lofty and elaborate . وهكذا امكن للاشعار التي احتواها هذا الديوان الشعري ، امكنه أن يوفر سبيلاً الى العواطف الكامنة في ذاكرة وذكريات الشاعر. وكذلك وفر شعر الامتناع من خلال الايقاعات والتعابير الجميلة للمشاعر.
وأكثر ما يجذب لهذه الأشعار هي البساطة التي سكلت أداءه لبلوغ درجات اعلى من رقي شعره الذي هو في اغلبه عاطفي الطابع.
وأظن أن الشاعر الراحل كان يتمتع بالامكانيات اللغوية غير المحدودة للغة العامية السودانية إذ مكنته من القيام بما يعرف بالـ linguistic play (العبث الشعري) وكان قد اكثر من النماذج الايقاعية القوية.
لعل اكثر ما يميز التجربة الشعرية للمرحوم عثمان خالد هو المحاولات التي تبدو واضحة في ديوان "سهر الغربة" ، محاولات ايجاد انواع جديدة من اساليب التعبير والتي تتضمن عناصر (مورفولوجية) (صرفية) وتشكلية وأخرى مفرداتية (Lexical) (المعاني المشتركة والمشتقة ... الخ) وعناصر Syntactic (العلاقات الصحيحة للجمل). وشكل كل هذا الجهد سبيلاً أمثلاً لمعالجة موضوعات رومانسية الحب ، مسائل النقد والجمال والحرمان والدلال والشوق والرضى والنفور والصدود وسخرت الكلمات والاصوات لوصف مشاعره كمحب ازاء من عشقها (احلى البنات دائماً). لقد استخدم الحيال والاغراءات لعلها تجدى فتيلاً ..
لعل جل اشعار عثمان خالد هي الاشعار التي نظمت وهي مرتبطة باشكال الاداء الموسيقي vocal and instrumental forms (الأداء الصوتي – الغناء أو الشدو والتلحين والعزف والموسيقى). وعليه يمكن ان تعد لـ Poetry set to a tune أو Poetry plus music. كما تدل التجربة ان ما تغنى به من اشعاره نال التفييم الاعلى وعد بـ Top rating songs. وكذلك كانت اكثر اسهاماً لتضخم وصيت الشاعر لـ his ego ولطموحاته وتوقعاته.
وكان أغلب ما تم اداؤه موسيقياً وغنائياً من اشعاره هادفاً الى جلب الجمال والعشق الى حياة السودانيين وجعلهم يقدرون الجمال ويميلون الى عشقه على نحو عظيم.

الرومانسي عند عثمان خالد وبعده:

لقد انشغل جل شعر عثمان خالد بالرومانسي وتحمس شاعره كثيراً للحب ولهذا غلبت على اغلب اشعاره العاطفة. وكان الحب والعشق قد تبدلا بحلول النصف الثاني من القرن العشرين إذا اضحيا:
- ميلاً ونزوعاً (affections).
- واضحى الحب يتطلب البرهنة على الاخلاص.
وتميز بالعاطفة الزائدة (التي إذا لم تحدث أثرها على المحبوب اولدت مشاعر صعبة painful emotions وأدت:
- الرومانسية.
- المداعبة (أملاً في الوصال) وقد تنطوي على بعض التذلل أو الاستعطاف.
وبدأ الرومانسي المعاصر فاقداً ـ للاستقرار والتفاؤل ، إلا أن الشاعر ومن بعد الاجيال السودانية التي تلت كانوا دائماً مهتمين به ويتوقعون أن يقعوا في شباك العشق الذي قد ينتهي أو لا ينتهي بالسعادة وقد يخلو من الاحلام أو من امكانية الحصول عليها إن وجدت. وكان الشاعر ومن تلاه حريصين على تجنب أي خروقات للأخلاقيات التاريخية وتجنبوا الحسيات من شئون الحب وبعدوا عن الفحش في الغزل أو التحلل. وتبقى هنالك حقيقة واحدة على قدر كبير من الأهمية وقد تمثلت في أن شعر عثمان خالد قد عمد إلى الآتي:
- التقييم عالي الدرجة للرومانسي وشئونه.
- التفكير الجاد والمستمر بشأنه.
- ابداء شهية (لا تشبع ابداً) لنظم الشعر بشأنه.
ونتيجة لهذه العوامل الثلاث اضحى الحب في نهايات القرن العشرين يشبه الصحبة العاطفية والميول والنزعات الرومانسية وقد يصبح أساساً لعلاقات (زوجية أو علاقة حب وريد) طويلة الأجال.
لقد شكلت التجربة الشعرية لعثمان خالد رومانسية شعرية جديدة في التاريخ الادبي للشعر الغنائي المعاصر في السودان. فقد حررت النظر الى العشق المتمثل في اختيار حبيب هو المراد والمنى وقد تكون الوشائج العاطفية (أو الريد) مشروعاً. ولم يطل العهد بالرومانسي الجديد إذ سهدنا بدايات السبعينات من القرن العشرين.
وفاة الشاعر وسيطرة المهووسين دينياً على الحياة والمجتمع وثقافاتها ففرضت نظرة بطرياركيه للعشق والريد فاضحى الحب محكوماً بقيم عدت دينية أو تقليدية. وفي ظل مثل هذه الظروف يضحى الممكن الوحيد هو الالتفات الى القيمة التاريخية والادبية بانشط المشاعر الرومانسية وجمعت اشعاره فيها الحب والميول والنزعات وحتى الرغبة الحسية. وتميزت بالاسلوب السهل الذي بدوره جعل اغلب هذه الاشعار مثيرة ومدهشة. وعلى الرغم من وحدة الموضوع الشعري (موضوع العشق والهيام مثلا) لم تكن المشاهد مألوفة غير أنها كانت على رباط وثيق بالحياة والثقافة السودانية. وقد كشفت اشعار عثمان خالد عن جوانب شتى للتجربة الغرامية في سودان اواخر القرن العشرين.
وبعيداً عن مسائل الحب فإن الشاعر اضفى على الشعر خصائص جديدة منها:
- استخدام اللغة التصويرية وتزيفيها بالصور والأشكال, وكان الاستخدام هذه اللغة مترتبات كثيرة على الشعر العاطفي السوداني في نهايات القرن الماضي. ومن بين هذه المترتبات ما يلي:
- لقد اضحى فكر ذاك الشعر (تحت تأثير عثمان خالد) نشطاً واكثر جاذبية وتمعناً في شأن الحب وكذلك في شئون الحياة.
- ادهشت تلك اللغة الشعرية عشاق الشعر وناظميه وجذب اهتمام من يؤدون موسيقياً أو غنائياً (مثال وضع اغنية الى مسافرة (1968) والتي شكلت البدايات).
- اضحى شعر عثمان خالد ومن تبعه من شعراء الاغنية المحدثين اضحى شعرهم سبيلاً رائعاً لتحدي تصورات السودانيين فيما يتعلق بالحب والغرام والحسيات.
- كانت هنالك المجازيات الموسعة والتي تمكنت من عقد المقارنات بين اشياء وامور لا يجمع بينها جامع ما: جمال الحبايب المدهش والتسامي (الصدود أو الدلال أو الحرمان ... الخ) المثالية فيما يتعلق بالحسيات من شأن الغرام.
ليس من صنع الرومانسي المعاصر وحده من الارث الابداعي العظيم للراحل عثمان خالد انما بتيع ذلك أن اشعاره خدمت المنطلق والاساس لارتباط الشعر بالاداء موسيقياً وصوتياً (ميلاد ما يعرف بـ Sudanese instrumental and vocal music).
وفي خلقها أسهمت "الى مسافرة وملحنها ومؤديها) وكذلك "احلى البنات لعملاق الطرب السوداني الراحل عثمان حسين". وسائر ما غنى من شعر عثمان خالد الجميل. وكان لهذا التطور تبعاته وشملت ما يلي:
- برز على نحو جلي فرع من الشعر (سواء نظم بالفصحى أو العامية) يمكن أن يشار اليه بـ Sung poetry الشعر المغنى (وليس الغنائي فقط).
- تعدد اللحنية والنغمات والاصوات الموسيقية heterophonic melody.
- الشكلية (modal): لم يتعلق بالجوهر (التردد في الخوض في الحسيات والتعلق بالجنال المثالث وحده كما في حالة ما سبق من شعر عاطفي).
- الارتجال.
- نظام دهري للدورات الايقاعية.
وأخيراً فإن هذا الشعر المغنى الـ Sung poetry ارتبط بشكل وثيق بتطور الاوركسترا السودانية الادخال المتسارع لشتى انواع الالات الموسيقية مثال الجيتار (من الوتريات) الـ Trumpet (من الالات النحاسية) الهورمونيكا والاكورديون
والساكسفون (من الالات النفخ). وسبل ضبط الايقاع (الطبلة وغيرها) والهارمونيات الـ (Keyboard) والالات الالكترونية. وشكل تطور الشعر المغنى واضطراد توسع الاوركسترا اهم انجاز ثقافي في عصر أطبق الهوس الديني فيه على مقدرات وثقافة شعبنا السوداني حينما اوشك القرن الماضي على النفاذ.



بتقولى لا..
ع. خالد

غناء: عبدالعزيز المبارك

بتقولى لا.. بتقولى لا
بتقولى لا لقليب عليك يقطر حنان ويذوب وله
بتقولى لا لقليب رهيف ماظنو لالالا بيحمله

بتقولى لا ياغاليه ياست القلوب يامذهله
وحياة شبابك ذبت في عينيك حنان ومغازله
سافرت فى رحلة مشاعر ملهمه ومتامله

شفت الورود من وجنتيك غيرانه جات متوسله
حتى القمر غار من صفاك واصبح يردد فى الصلاه
جاك المساء ادى الفروض داعب شفايفك وغازله
شال لون جميل من وجنتيك مسح خدودك وبلله
اصبح يلملم فى النجوم وينظم عقوده ويغزله
طرز لى جيدك بالحرير وبتقولى لا
انا بيك بدغدغ فى القلوب ياحلوه احرف واشكله
املاها رقه ودندنة وعناق حنان ومبادله
اسقيك حنان ماظنو كان فى الدنيا او كانت صله
انا بيك لو قلبك يحن عالم يجن من الوله
اسقيك حنان ما اظنوا كان دى الدنيا او كانت صله
وازرع هواك بين النجوم روضة حنان وادللة
واحكيك لحون يا غالية لو سالت والعود غازله
واخلى كل الكون اقول فنان ادوب و اغزله
بتقولى لا يا لهفة المشتاق وطعم الحلا
كيفن عيوني الراحله في عينيك وبيك متهلله
تحمل تفارق وجنتين غرقانه طيب ومبلله



سهــر الغربــة
ع. خالد

طولت يا سهر العيون .. وطبعت في الأجفان علامه
ندمت زولاً ما حزن .. في القرب يوم .. لا ضاق ندامه
تعبت قلب الدنيا عنده نغم حنين وابتسامه
أما الخيال فات بي رحل .. زارعني ما بينات غمامه
طاف بي بعيد .. غرقني .. غرق روحي في أبحر هيامه
طراني .. ماني الناسي غرويد العيون وحلاة سلامه
كل الليالي الحلوه .. كل الرقه. والأنفاس .. وسحر الابتسامه
يا دمعي .. شن مستني سيل .. عزيني واحزني يا غمامه
يا نسمه شيلي دموعي أمشي صلي قدام أحلى قامه
قول للبريده براي بقيت وهمومي زايدات في ازدحامه
وريهو حالي الضقتو من قالت شفايفه (مع السلامه)
قول ليهو كيف الحال صبح وحياتي زي حال اليتامى
زي حال مراكب سافرت وما شايفه غير الريح أمامه
وحار الصبر .. أيوب أكون ؟ .. ما الصبر للنسيان علامه
أحمل سيوف البعد كيف ؟ والغربه أحمل انتقامه
* * *
جاييكا راجع وياما ياما العش بيجذب حمامه
وحياتي راجع للعيون القلبي بحيا على سهامه
راجع عشان وجهاً صبوح .. زي قمره في روعة تمامه
راجع عشان صدراً قبالته الدنيا تعلن انهزامه
راجع عشان شفتين يجيبوا الحرف غمران من كلامه
ونا ريدتي ما ريدة غريق. في عيون. وهم بر السلامه !
راجع عشان الخصر لو اهتز :
يبدأ الخلق .. وتبقى الدنيا .. ثم نهايه ..
ثم البعث .. تقوم مليون قيامه ..



ختام المعجزات
ع. خالد


لو بالغوا الناس مرة واحدة .. ولموا يا حلوه البنات
من كل بلاد الدنيا جابو حسان صبيات ناهدات
الوان تحير للعقول .. وأشكال جمال من كل صفات
كاكاو.. وخضره .. ولون ورود .. زفة شباب من كل جهات
زيتون .. وخمره .. وسمره زي أحلى الظلال والأمسيات
قامات عديدة .. وكون حلا .. روعه وتقاطيع مدهشات
نضرة عمر عاش ربيع .. وثمار بديعات يانعات
نظرات عليها غرور شباب .. داعجات وكاحلات ناعسات
غفوة أماسي على الخدود .. نونات وروعه ودغدغات
ولو تاني بالغوا شان هواي .. خلو الخيال بالمره فات
طاف العصور جاب ليلى .. جاب تاجوج وبلقيس تاني جات
كل الحسان في كل زمان .. بين الملوك والجاريات
اتلموا في موكب جمال مايج بكل المغريات
وخلوني أحكم .. يا هواي .. من فوق سحابات عائمات
كا تهت ما لقيه ليك شبيه .. وعذب عيوني الالتفات
ولو درت أوصف (يا أنيق) .. فيك الجمال والفرهدات
كيف ابتدي .. وبي يات حروف .. يا سيدي حيرت اللغات
ما عاد كفاي اتملى فيك بعيون وأهداب راعشات
لو قلت عينيك هي الحياة .. الليل .. يجن والأمسيات
ولو قلت لونك .. يا لذيذ .. بتقطع الخمره الصلات
لو قلت ساقيك .. يا رشيق .. هيا الفرح والموسقات
يبكي الوتر بي صوت رقيق ويدوب محنه ودندنات
ولو قلت صدرك .. يا لطيف .. نهدين صبيات نافرات
أسمع قماري هناك تنوح .. وتقول حروفك ظالمات
ولو قلت خصرك طوق ورود تتباكى كل الكائنات
عاد شن أقول أنا ما كفاي أغرق في أبحر مفرحات
واشوف حسان الدنيا بعد اتلموا فيك متغزلات.
زي لونك انت .. وزي عيونك .. وزي خطاك الراقصات
زي ابتسامتك .. وزي قوامك ..
زي لون شفايفك .. يا رقيق .. الغايره منه الأمسيات
زي كون عيونك والكلام والابتسام والغرودات
طفرة نهيدك .. وكل ريدك .. والحنان والهدهدات
ما ظنه كان .. يا سيدي .. غير فلته وختام للمعجزات



ملحوظة
هذه الدراسة هي جزء من كتاب عثمان خالد شاعر الزمن الجميل الذي سيري النور قريبا من إعداد الاستاذ عادل عثمان عوض جبريل و إصدار مركز كوش
للمساهمة و المقترحات الرجاء التواصل علي الإيميل
[email protected]



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1264

التعليقات
#1077452 [التلب]
0.00/5 (0 صوت)

08-12-2014 03:58 PM
عثمان خالد شاعر متفرد وصاحب مفردة انيقة تغنى له العديد من الفنانين وكل اعماله الغنائية مسموعة وخالدة ابتدءاً من :

بتقولي لا - عبد العزيز المبارك
ســـلافة الفن - البلالبل
رحلــة عيون( أنســاك ) - ود البادية
الصيدة - محمد ميرغني
والكثير من الاعمال الجميلة

[التلب]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة