الأخبار
بيانات، إعلانات، تصريحات، واجتماعيات
الجبهة السودانية للتغيير : البرنامج السياسي (وثيقة الحل)
الجبهة السودانية للتغيير : البرنامج السياسي (وثيقة الحل)



08-16-2014 12:35 PM
الجبهة السودانية للتغيير

البرنامج السياسي
(وثيقة الحل)
مقدمة:
إن الأزمة السياسية المتمكنة، والتي تصاعدت تياراتها في ظل النظام الحالي قد عمقت الآثار السالبة التي شملت مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلادنا، بصورة لا يمكن مقارنتها بما كان عليه الحال في أي وقت مضى ـ من قبل وبعد الاستقلال ـ الذي تحقق في مطلع يناير عام 1956. قد أوصلت البلاد إلى حافة الإنهيار ولم يتبق لها إلا السقوط الشامل في مستنقع التشرزم والتفكك.
لقد وضعت التجربة الاسلاموية ودولتها الشمولية، القائمة على نظرية الإسلام هو الحل، تلك النظرية التي أدخلت البلاد في مأزق تاريخي مفصلي. وأنتجت تيارات وأساليب من العنف الممنهج لم يعرف له الشعب السوداني مثيلا على مختلف حقب تعاقب أنظمة الحكم عليه. وهو عنف غطت مساحاته، كل أنحاء البلاد وتجاوز الأفراد إلى الجماعات والمناطق، فكانت نتائجه إزهاق أرواح كثيرة لا تحصى من الشعب السوداني، وهدد أمن المواطنين وأجبر عشرات الملايين منهم على النزوح والهجرة والتهجير واللجوء. وهكذا، إتسعت دائرة الهوامش وتعطلت حركة نماء وتقدم البلاد ووصلت تيارات النزوح والهجرة درجات قياسية مما جعل السودان واحدا من أكثر الدول الطاردة لمواطنيها. غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد إذ أن من أخطر ما أنتجت التجربة الإسلاموية الشمولية فقدان البلاد لجزء عزيز منها، وهو الجنوب، ووضعت البلاد كلها أمام خطر تمزق قد يصعب تداركه، كما وسعت مساحات الحروب والدمار، وأدخلت أساليب منافية لأبسط قواعد الإنسانية، تمثلت في أساليب التعذيب واغتصاب النساء والرجال وقتل الأطفال. لقد أنتجت تجربة الإسلامويين في الحكم القائمة على التمكين والكسب غير المشروع والفساد بمختلف أوجهه، الذي تجلى في العديد من مظاهره السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمثلت في إفساد الحياة السياسية وذلك بإدخال المالي السياسي لتفكيك الأحزاب وشرزمتها، والانهيار الاقتصادي الكامل، ومظاهر التفكك المجتمعي فأصبحت المناطقية والجهوية والقبلية والعنصرية قيم لها مؤسساتها.
وإن كانت بعض جذور الأزمة السودانية على إطلاقها تعود لأسباب متعددة، تواترت منذ الفترة الأستعمارية، ثمّ تطورت في مراحل ما بعد الاستقلال، إلا أن تجربة الجبهة الإسلامية القومية في الحكم قد أعطت كل ذلك أبعاداً جديدة ومدمرة لم يتعارف عليها أهل السودان. الأمر الذي أدى إلى طمس العديد من عناصر هوية الشعوب السودانية ومكوناتها الثرية والمتنوعة، والتي تعايشت وما زالت تتعايش في السودان، وغيرت من عناصر خصوصياتها التي ميزت تجربتها الإنسانية عن تلك التي شملت من جاورها في المحيطين العربي والإفريقي. لقد أصبح واضحاً أن السبب الرئيسي وراء كل ذلك، هو أن تيارات تلك الأزمة، قد تحولت من تجربة التعايش المتداخل للكيانات الإنسانية السودانية، إلي صراعات ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية أكبر من أن تديرها عقلية وبرامج الدولة المركزية، التي توارثتها النخب الحاكمة في تحالفاتها المدنية والعسكرية التي تولت مقاليد حكم البلاد منذ الاستقلال. ولكي نقف على مجمل تلك الأسباب لابد لنا أولاً من استعراض خطوات تكوين الدولة في السودان.

تاريخ تكوين الدولة السودانية:
* لقد تميزت تلك الرقعة الجغرافية التي صنعها التحالف السوداني على مدى العصور على نماذج متعددة للدولة التي قامت على أساسها الممالك السودانية النوبية المختلفة في نبته ومروي لتليها الممالك المسيحية المتمثلة في مملكة نوباتيا وعلوة وسوبا من بعد، لتبرز تجربة جديدة ساهمت في تشكيل شخصيتها المتميزة، التي كان لهجرة القبائل العربية وما تحمله من ثقافة إسلامية دورها الذي ساهمت به في تقوية أواصر القوى الاجتماعية التي كونت ممالك وسلطنات الفونج والفور وتقلي والمسبعات. فالدولة السودانية الحديثة لها ما يشابه وما يخالف غيرها من الدول العديدة التي أستعمرت من قبل. لقد خضع السودان لأكثر من نظام إستعماري واحد. تنوع في شكل ومضمون كل من تلك النظم. فقد تم وضع حدود السودان الجغرافية الحالية بواسطة المستعمر الأول، محمد على باشا، في عام 1821، ثم توسعت بواسطة إبان فترة استعمار الحكم الثنائي عندما انضمت منطقة دار مساليت في أقصى غرب البلاد طوعاً للسودان في عام 1925 واكتمل رسم الحدود الجغرافية في عام 1932 عندما تمكنت الإدارة البريطانية في السودان أن تسيطر على قبائل الدينكا والنوير والتبوسا في الجنوب، فظلت الحدود الجغرافية مصطنعة وهشة، تلك الحدود التي لم يكن لأي من الممالك والسلطنات المذكورة آنفاً يد فيها، كما لم يكن بالضرورة أن الحدود الجغرافية تلك تمثل الحدود التي تمثلها التجربة الإنسانية السودانية. لذلك تشكلت الدولة السودانية الحالية تاريخياً من عدة عناصر عرقية وثقافية متعددة.، قد تبدو متمايزة ولكنها في الأصل تنتمي للتجربة الانسانية في تنوعها الثري.
* هذا ومن جهة أخرى وفي تطور مغاير فقد قاومت البلاد ومنذ اليوم الأول، الاحتلال الأجنبي ممثلاً في الغزو والحكم التركي المصري، والذي جاءت الثورة المهدية ضده كتتويج للنضال المشترك للسودانيين من أجل استقلال بلادهم.
* لقد جمعت الثورة المهدية الغالبية العظمى من السودانيين، شماليين وجنوبيين ومن الشرق والغرب والوسط والمناطق المحيطة، فتحولت بذلك من ثورة ذات توجه ديني محدود إلى ثورة تحررية وطنية كبرى. رغماً عن ذلك فإن أفق الدولة المهدية المحدود والقابض بالقوة العسكرية والشمولية القائمة على فكرة دينية ضيقة كان له أثره العميق على مآلات وتطورات الأمور. وبذلك لم يتمكن المشروع المهدوي في تطوره اللاحق من الانتقال بالدولة إلى مراق تلك الروح الوطنية، ومن ثم أدخلت البلاد في مرحلة استعمارية جديدة، أي في مرحلة استعمار داخلي. وبذلك كانت لنا التجربة الأولى لنموذج مزج الدين بالدولة وما تبعها من قهر وتسلط وعنف وإقصاء.
لقد بنى حكم الدولة الثنائي قواعده على تراث المركز والهوامش الموروث من الحكم التركي. الذي تُعتبر حملات دولة محمد علي، من أهم نتائجه، إذ أنها حولت بعض أجزاء وأجواء البلاد إلى مساحة يحكمها نظام مفتوح لصيد واسترقاق الإنسان السوداني، والبعض الآخر يتكون من فضاء واسع، يحكمه نظام مقفول أنهكته الضرائب ونهب الثروات. من هنا جاءت وتوطدت البناءات الأساسية للهامش الجغرافي والبشري ووضعت قوائم المركزية الصارمة.
وزاد عليها بأن كوًن دولة شمولية يحكمها العسكريون البريطانيون بقيادة ونجت، فالحكم الثنائي لم يستعمر البلاد وحده بل إستعمر الديانات المرعية من إسلام ومسيحية وإفريقية. وبذلك كانت لنا أول تجربة في مزج الشمولية بالدولة.
هذا ومن واقع تطور الحكم فقد نمت قطاعات جديدة من خريجي المدارس النظامية دُربت لخدمة الدولة الاستعمارية ومقاصد من أسسوا لها. هذا وقد اندمجت تلك الجماعات وترعرت في ظل نظام إداري عسكري شمولي في البداية، يقوم على القهر والاستغلال ونهب موارد وخيرات البلاد من مال ورجال ومعادن ثمينة، وقسم الوطن إلى هوامش متعددة أساسها مناطق مقفولة وأخرى مفتوحة ومركز.
* لم تكن الخطط الإدارية للاحتلال تساعد كثيراً في مشروع بناء الدولة في السودان وتطوره رغم استخدام دولة الاحتلال للنسيج الاجتماعي للإدارة الأهلية، التي استعانت فيها برجال القبائل والطوائف لتعضيد مشروع الاحتلال، الذي استثمرت فيه جماعات المتعلمين والخريجين الذين استخدم بعضهم الاحتلال لإجهاض حركة اللواء الأبيض 1924 بقيادة علي عبد اللطيف ورفاقه. وقد شكلت حركة اللواء الأبيض محطة نضالية مهمة في تاريخنا الوطني الحديث، إذ أكدت على أن مشكلة السودان ليست قائمة على أساس شمال وجنوب، أو دين أو عرق، وإنما أساسها تصادم المصالح الوطنية مع مصالح الاحتلال، والقوى المرتبطة به التي سعت بكل ما أوتيت من قوة، وما حصلت عليه من دعم ظاهر وخفي، لتعطيل وتقويض مشروع بناء الدولة الوطنية القائم على أساس التعاقد الاجتماعي والديمقراطية والعدل والمساواة والاستنارة والتحديث.
ولصالح مشروع هدم الدولة وتقويض مفهومها القائم على حقوق المواطنة وحقوق الانسان، فقد كانت الدولة الاستعمارية الحاضن للثورة المضادة والتي تضافرت لها بعض طوائف الرأسمالية الطائفية المحافظة، ويد الدولة الاستعمارية الباطشة وقوانينها المعادية لحقوق الإنسان، ووجود الإدارات الأهلية المساعدة ليتم في المقابل خلق هامش عريض. ومما تقدم فإن القطاعات الحاكمة في السودان، ومنذ تاريخ الإستقلال في عام 1956، وضعت منهجاً محكماً، ليس فقط كيف تُحكم البلاد، لكن أيضاً بمَن تحكم. ووفقاً لذلك تبنت سياسة إحتكار السلطة السياسية والإقتصادية في أيدي فصائل بعينها للتواصل بأشكال منتظمة لمشروع المستعمر في إقصاء سكان الأطراف من المشاركة الفعلية في السلطة السياسية، والإسهام الأصيل في الحياة الإجتماعية، والاستنفاع الحقيقي من ثروات البلاد الإقتصادية، وأحد الشواهد علي ذلك، الانقلابات العسكرية التي استأثرت بأكثر من ستة وأربعين عاماً من فترة الاستقلال الوطني، والتي كانت تخريباً للمشتركات الوطنية وهدماً لجسور التواصل التاريخي بين أبناء الوطن الواحد، حيث أفلحت في خدمة مخططات سلطات الاحتلال وقدمت لها المسوغات والذرائع لتحقيق أطماعها المشتركة بين النخب والاحتلال في تفتيت السودان على أسس دينية وعرقية.
* هذا ما أدى إلى أن تأتي الإنقاذ التي جمعت بين شموليات مزجت ما تراءى لها بأنه يمثل مزج الدين بالدولة ومزج الدولة بالشمولية. وبذلك فقد جمعت تلك التجربة الطويلة كل مشروع بناء الدولة على مفترق طرق، وبالتالي ظل السودان طوال الستين عاما الماضية دولة بحدود وحدود بلا دولة، وهذه هي المفارقة التي وضعت البلاد علي مفترق طرق، ودليلنا على ذلك هو انفصال جنوب السودان وتكوين دولته المستقلة كنتيجة حتمية لسياسات المركز التي قامت علي إقصاء الآخر وفرض الرؤية الأحادية في إدارة البلاد.
ولنا هنا أن نفرق بين المركز الرسمي الذي نمى من سياسات تسخير الدولة من أجل قطف ثمار وموارد البلاد، والمركز الشعبي الذي نمت في قلبه القضية الوطنية ومسعاها من أجل التحرر والحقوق، متمثلاً في ثورة 24، وقيام مؤتمر الخريجين عام 1938، وتأسيس الأحزاب والنقابات والصحافة الحرة وثورتي أكتوبر وإبريل، كل ذلك تناغم ايجاباً مع كل الحركة النضالية التي دافع عن مشروعها الأجداد وروتها دماء الشهداء من الشمال والجنوب والشرق والغرب، ليصبح وطناً يسع تطلعات جميع أبنائه، أساسه الديمقراطية والحرية، إستمكالاً لمضامين الاستقلال الوطني التي أفرغته تجارب الحكم بشقيه العسكري والمدني طوال حقبة ما بعد الاستقلال وحتى الآن.
* تري الجبهة السودانية للتغيير أن من أهم أسباب الأزمة السياسية في بناء مشروع الدولة في السودان، انعدام مشروع ثقافة بناء دولة المواطنة والمؤسسات ذات النهج السياسي الواضح لإدارة دفة الحوار الوطني الساعي إلى بناء نظام الحكم عن طريق جهد المواطنين الفكري والسياسي من أجل بناء وطن يسعد فيه أهله ويزودون عن أمنه ونمائه وحريته. لقد سعت قوى الثورة المضادة بالتحالف مع القوى الظلامية لإجهاض المشروع الوطني منذ فجر الاستقلال أو قبل ذلك، وخير شاهد على هذا، هو المشروع المشترك الذي قامت عليه الانقلابات العسكرية مجتمعة من عدم احترام لإنسانية المواطن السوداني وحريته وحقه في الحياة الكريمة. وتتمثل في رأس قائمة هذا البرنامج الانقلاب العسكري الذي وقع في العام 1998 والذي أدخل البلاد في نفق الحروب في كافة جهاتها الأربع، والتي ضاعفت من معدلات الفقر للحد الذي وصلت نسبته 95 % من فئات الشعوب السودانية، مضافاً إليها مأساة دارفور التي تمثلت في أبرز مآسي الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى والملايين من النازحين واللاجئين، أضف إلى ذلك مأساة جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق التي راح ضحيتها الآلاف من قتيل ومشرد ولاجيء ومنزح ونازح.
* باستعراضنا لماضي وحاضر مشروع الدولة في السودان، نصل إلى قناعة مفادها فشل كامل لتجارب الحكم الماضية، ولا سيما العسكرية منها بشكل خاص والمدنية بشكل عام، وذلك إما لاجهاضها للديمقراطية في الأولى أو لفشلها في الحفاظ على الديمقراطية في الثانية. ويتمثل ذلك الفشل في عجزها عن إقرار دستور دائم وبناء مؤسسات قادرة على تحمل مسؤولياتها على النحو الأفضل، لاسيما أنها قد سعت وبتخطيط ممنهج لإلغاء دور بناء مشروع الدولة السودانية الوطنية الحديثة التي تقوم على مقتضيات حقوق وواجبات المواطنة والحرية واحترام حق المواطن في أن يختلف وأن يختار وأن يدير حواره الوطني عبر مؤسساته وفق إرادته السياسية والتشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية.
* لقد استطاع المواطن السوداني في مراحل تاريخية بعينها أن يتقدم بمبادرته المبتكرة خارج أطر الدولة الساعية نحو تغيير المناخ العام للحوار الوطني ليتضمن التحرير الكامل من ربقة الاستبداد. لقد استطاع علي عبد اللطيف ورفاقه تحرير الخيال القومي من ربقة الاستعمار، وأكدوا على حق المخيلة الجماعية لأهل السودان في تصوير ماهية واختيار رؤاها لقيام أمة تقوم على أساس الحرية والمواطنة. هذا ومن جهة أخرى فقد أعطت الثورتان الشعبيتان في كل من أكتوبر 1964 ، وأبريل 1985 المجال العام للسلطة في قيادة حركة التغيير. كما أن مؤتمر المائدة المستديرة وميثاق الدفاع عن الديمقراطية ومشروع "السودان الجديد" وفق رؤاه المتعددة خاصة تلك التي تقدم بها الدكتور جون قرنق قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان، وباركها المركز الشعبي في أول زيارة له للخرطوم بعد التوقيع على أتفاقية السلام. كل هذه ستظل من النماذج السودانية المتقدمة والملهمة والتي يمكن تطويرها في المستقبل الذي يمكن أن يقود فيه المجال العام إلى حركة التغيير الاجتماعي الذي نسعى إليه بكل عزم وإصرار.
* ورغم تحميلنا للجزء الأكبر من الفشل الذي صاحب بناء مشروع الدولة في السودان بعد الاستقلال للنظم العسكرية وبخاصة نظام انقلاب حكم الإنقاذ الجاثم على صدر البلاد، إلا إننا لا نجهل تقصير وتفريط الحكومات الديمقراطية في تحمل مسؤولياتها من جهة وذلك بممارساتها التي اتسمت بالمكايدات والمزايدات والتآمر على بعضها البعض، وانشغالها بقضاياها الخاصة بدلاً عن الاهتمام بقضايا الوطن الأساسية، وعلى رأسها تأمين الديمقراطية والتنمية المتوازنة في كل أرجاء الوطن كقاعدة للاستقرار السياسي والاجتماعي، ومن جهة أخرى غياب وانعدام الرؤية السياسية الواضحة التي تتمثل في برنامج وطني يخاطب جذور الأزمات السودانية ويضع لها الحلول الناجعة ليقطع الطريق أمام كل المقامرين والمغامرين بمقدرات الوطن، مما يثبت حقيقة الحاجة الملحة لقيام الجبهة السودانية للتغيير والتي يمكن تعريفها بأنها:-
جبهة سودانية جعلت شعارها التغيير الذي يصنعه وترتضيه الشعوب السودانية، للوصول إلي دولة المواطنة المدنية الديمقراطية التي تفصل الدين والعرق عن الدولة والطائفة عن الحزب، وتجعل من المواطنة وحدها دون غيرها أساساً للحق والواجب. وآليتها في ذلك هو برنامجها الذي يحمل رؤية وطموحات الشعوب السودانية، بأن تعيش حرة وكريمة في وطن تسوده قيم العدالة والاستقرار والسلام، وهي في هذا تلتقي مع أبناء وبنات الشعوب السودانية والقوى السياسية الوطنية والحركات الثورية الحاملة للسلاح التي تحمل نفس برنامجها الوطني وترى أن لا سبيل ولا مناص لتحقيق هذا البرنامج إلا بالاحجام والقطيعة التامة لكل دعاوى الحوار الزائفة التي تطيل من عمر النظام وتمنحه الوقت لترتيب أوراقه ليستمر في السلطة، وكذلك بالعمل الدؤوب والمثابر لاسقاط نظام الجبهة القومية الإسلامية وتعرية وكشف زيف المشروع العروبي الإقصائي والإسلام السياسي التمكيني.
تري الجبهة السودانية للتغيير أن الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية كبيرة وعميقة، تحتاج منا جميعاً اتخاذ خطوة وطنية صادقة وإرادة سياسية لا تعرف اللين والمهادنة لتصحيح أخطاء الماضي، باستحضار المكونات التاريخية لشعوب السودان، والتعامل مع الحراك الوطني في كل جوانبه السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وذلك لسبر غور الأزمة التي تحتاج إلى إرادة الشعوب في السودان الحالي بمختلف مكوناتها الفئوية، التي تنحو منحىً إنسانياً خالصاً يعني بقضايا الاستقرار الاجتماعي والسياسي والتنمية الإنسانية والبشرية المستدامة، وكذا قضايا السلام والديمقراطية والحرية والتقدم للحاق بركب الأمم المتحضرة التي تجعل رفاه وتقدم الإنسان هو واجبها.
للإجابة والتفاعل العملي مع هذه الأهداف السامية، لابد أولاً من الإحساس التام بعظمة المسؤولية التي تقع علي عاتق الجميع دون إقصاء لأحد. لذلك ومن أجل الإيمان بمبدأ الفكر المستنير، قامت الجبهة السودانية للتغيير بتنظيم مؤتمر فكري في شهر إبريل 2013، في القاهرة، جمع كوكبة من أبناء وبنات البلاد الوطنيين من مختلف الإنتماءات الفكرية، قدموا وناقشوا بحوثا في شتى جوانب الحياة التي تهم المواطن أينما وجد، شملت المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والتربوية والثقافية والصحية والزراعية ... إلخ. وبالتالي أصبحت الجبهة السودانية للتغيير سباقة في تبني برامج توحيد الرؤى السياسية والسياسات البديلة لمستقبل البلد دون تدخل خارجي، مستخدمة سلاح الفكر وتمكينا لهذا المفهوم الفكري المتقدم يقوم مشروع الجبهة السودانية للتغيير على الحداثة والتنوير لاكتساب المعرفة واشاعتها كغاية ووسيلة في آن واحد واطلاق العنان لاستقلالية العقل والتفكير والدفاع عن قضايا الحق والعدالة والدعوة إلى مفهوم جديد يقوم على الحرية والتسامح والعمل من أجل الآخرين وهذا يخالف الفهم المنغلق على نفسه الذي يقوم على التعصب والخوف ونبذ الآخر المختلف.
مبادئ الجبهة السودانية للتغيير:
من المنطلق أعلاه تقف الجبهة السودانية للتغيير على رؤية سياسية وطنية تتلخص في المبادئ والمرتكزات التالية:-

الحرية
هي حق الإنسان الأزلي التي لا تحدها إلا حقوق وحريات الآخرين. فالحرية وفق مفهوم الجبهة السودانية للتغيير تعني ضمناً كفالة حقوق الإنسان كافة، كما هو منصوص عليها في المواثيق الدولية والإقليمية، وهذه الحقوق لا يمكن تحقيقها ما لم تتحقق حرية الأفراد والجماعات من الفقر والمرض والجهل والخوف والتبعية.
الديمقراطية
وفق مفهوم الجبهة السودانية للتغيير، هي الديمقراطية التعددية والتي تقوم على حرية الممارسة السياسية والثقافية وأسلوب الحكم من خلال مشاركة جماعية تعددية، إما مباشرة أو عن طريق ممثلين منتخبين إنتخاباً حراً مباشراً من أجل ممارسة نظام اجتماعي يعيش في ظل التعايش السلمي، ومن ثم تداول السلطة والفكر والمنافع جميعها بما فيها الإقتصادية والاجتماعية. فالجبهة السودانية للتغيير تطالب بالديمقراطية ليس فقط كأسلوب للتداول السلمي للسلطة أو اعتماد التعددية نظاماً وخياراً وحيداً للشعب فحسب، وإنما كقيمة عليا وسلوكاً حضارياً في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ تتجسد فيها مفاهيم الحقوق الأساسية للإنسان، لتحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع وبين تكوينات المجتمع المختلفة بعضها ببعض. كما تطالب الجبهة السودانية بالديمقراطية، من أجل إدارة الحوار الوطني وتحويل الاختلاف إلى عامل قوة في إطار تطوير القضية الوطنية، وتفعيل منابر ومؤسسات إدارة الحوار في جميع وجوهها حتى يكون الحوار هو المتفق عليه في حل القضايا الخلافية لا القتال أو التنازع.
والديمقراطية التي نسعى إلى تحقيقها، تتفتح على كل المنجزات البشرية التي خبرتها وساهمت فيها الشعوب المختلفة بخبرات متراكمة منذ الماجنا كارتا التي تعني الميثاق الأعظم للحريات التي أعتمدت عام 1225، والثورة الفرنسية العام 1789، مروراً بعصر النهضة الأوربية وتجربة حركات التحرر الوطني العالمية في نضالها ضد الاستعمار، وضد الهيمنة الاقتصادية. كما عززتها تجارب الشعوب السودانية بمختلف مكوناته في نضالها ضد الاستعمار وضد الاستبداد الديني والدكتاتوريات العسكرية والتهميش والاستغلال الاقتصادي، مؤكدين أن السودان ككيان إثني وثقافي وديني واجتماعي متميز ومتعدد ومنتمي إلى دوائر حضارية متداخلة وله ظروفه الاقتصادية والاجتماعية الخاصة وتقاليده السياسية المتجذرة خاصة فيما يتعلق بالتأكيد على قيم العدالة والتضامن والحرية التي أصبحت جزءً من إرثنا الثقافي والاجتماعي ووجداننا ولذلك نحن قادرون على إثراء وإغناء التجربة المشتركة للإنسانية باستشراف التجارب المضيئة في تاريخ شعبنا وذلك باستلهامها وتهيئة ظروفها.
أثبتت التجربة التاريخية والعالمية أن إحقاق وتعضيد الديمقراطية وإزدهارها هو صمام الأمان لصون السلام وتحقيق التنمية المتوازنة والتقدم الاجتماعي. والديمقراطية كمضمون اجتماعي ومنهاج تفكير وسلوك هي ممارسة يومية تطال جميع مناحي الحياة، والتي تشمل:-
(1) حرية الاعتقاد والضمير والتفكير والبحث العلمي والتعبد واحترام الأديان والمعتقدات.
(2) حرية التعبير والتنظيم بما فيها تنظيم المنظمات والجمعيات والنقابات والأحزاب بشكل مستقل تماماً عن السلطة السياسية والتنفيذية.
(3) حرية الصحافة والمطبوعات والنشر بعيداً عن تدخل ورقابة الأجهزة الإدارية والتنفيذية.
(4) كفالة حرية المشاركة في اتخاذ القرار والتشكيل الديمقراطي للأجهزة المختلفة بما فيها استقلال الجامعات ومؤسسات البحث العلمي والمجالس المهنية التخصصية.
لا تستكمل الديمقراطية بدون محو الأمية الشامل لأن محو الأمية وإشاعة المعرفة شرطان ضروريان وأساسيان لإحقاق الحقوق ولمحاربة الجهل والخرافة والتضليل والدجل والشعوذة وشرطان أساسيان لتحقيق الحرية الفردية.
ولن تتحقق الدييمقراطية دون تحرر المرأة الكامل، وذلك بتحريم كافة القوانين المحطة لكرامة المرأة وإزالة كافة أشكال التمييز تحقيقاً لضمان الحقوق والفرص المتساوية – وكذلك تميزها إيجابياً في بعض الحالات لتحقيق ذلك الهدف.
لن تكتمل الديمقراطية دون صيانة حقوق الإنسان المتكاملة بما فيها حق العمل وحق الحياة والنظم التي تصادر الديمقراطية وتستأثر بالسلطة وتقوم بقمع الآخرين بالضرورة تنتهك الحقوق الأساسية للمواطنين.
 إن الممارسة الديمقراطية هي الجانب الأكثر أهمية لأنها تنظم العلاقة بين سلطات الدولة والمجتمع ببناء نظام نيابي يقوم على الإنتخابات العامة الدورية والنزيهة ونظام حكم يقوم على مبدأ حكم الأغلبية مع الإحترام التام لحقوق الأقلية ووضع الضمانات الكافية التي تحول دون تركيز السلطات واحتكارها وإقامة الدكتاتورية المدنية – كما لا تقوم الديمقراطية بدون سيادة حكم القانون واستقلال السلطات "التشريعية والتنفيذية والقضائية" تحت رقابة المجتمع المدني.
 التعريف الكلاسيكي الذي يحصر الديمقراطية على الممارسة النيابية أو التمثيلية (وبالرغم من القيمة الحقيقية لذلك)، يظل قاصراً وعاجزاً فلا يجب أن ننظر إلى الديمقراطية كمجرد مجموعة من المؤسسات (البرلمان) أو الممارسات السياسية (التصويت) لأن الديمقراطية السياسية لا تستقيم بدون الديمقراطية الاقتصادية والتوزيع العادل للثروة لأن ذلك هو القوة الحقيقية والمعنى الأشمل للديمقراطية ولا يتحقق ذلك إلا بالإلتزام بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
 الديمقراطية كذلك تقوم على التوافق على القيم الجوهرية للمجتمع وأركان ثقافاته المتعددة وما تلعبه الأديان وكريم المعتقدات في تكوين وجداننا الثقافي والأخلاقي وما تلعبه كذلك المواثيق الدولية المتطورة في مجال كفالة وضمان حقوق الإنسان الأساسية.
 الديمقراطية ليست مفهوماً مبتسراً أو تعسفياً كمفاهيم الديمقراطية الشعبية أو الموجهة التي استخدمت كتمويه وغطاء لممارسات شمولية وتسلطية بعيدة كل البعد عن جوهر الديمقراطية ولذلك يجب أن نتخذ موقفاً واضحاً ورفضاً قاطعاً لتجربة حكم الحزب الواحد مهما كانت دعاوى ذلك ويجب إقتلاعها من الفكر والتجربة والممارسة – كما يجب إشاعة وممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب والمنظمات الجماهيرية لأن فاقد الشيئ لا يعطيه.
 الديمقراطية تقتضي الوعي التام بأهمية المجتمع المدني ومنظماته واستقلالها فكراً وممارسةً، كما أن فصل المجتمع المدني عن هيمنة الدولة هو المفتاح البنوي لقيام الديمقراطية، ولكن المجتمع المدني ليس جنة للتصالح، بل هو ميدان للصراع الفكري والثقافي والاجتماعي، ولكنه صراع يُدار على قاعدة التنوع والتسامح وقبول حق التعبير والدفاع عن الرأي الآخر.
 كذلك يجب الوعي بأهمية المجتمع الأهلي ورعايته وتطوره ونقد التجربة السالبة في الحل المرتجل للإدارة الأهلية، لأن المجتمع السوداني في أغلبه منقسم اجتماعياً إلى جماعات متباينة (مجتمع ما قبل الحداثة تسوده العلاقات والتنظيمات القبلية والعشائرية والأسرية القائمة على روابط الدم أو أشكال قديمة من العصبيات التي ما تزال قائمة وهي تشكل في جوهرها وجوداً مستقلاً عن الدولة.
إننا نعتبر أن تحقيق الحد الأدنى من النهوض الاقتصادي والثقافي والمجتمعي شرط ضروري لمواصلة وتنمية التجربة الديمقراطية حتى تكون ذات معنى وذات قابلية للازدهار. وفي ذلك فإن أي نظام ديمقراطي يفقد جانباً مهماً من ضرورته وفعاليته إن لم يتمكن المجتمع من الانطلاق النهضوي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإحداث قطيعة نهائية مع الفقر والتخلف.

الدين والدولة
لقد عاش السودانيون خلال تاريخ تجاربهم المشتركة مراحل صعبة ومريرة من نماذج الحكم القائمة على القول بالمزج بين الدين والدولة. ولعل الذاكرة التاريخية قد حفظت لنا كيف تحولت الثورة المهدية من ثورة تحررية قومية جامعة إئتلف والتف حولها أهل السودان من جنوب وشرق وغرب وشمال ووسط البلاد دون فرز بين مسلم وغير مسلم أو تفضيل طبقة أو عرق على آخر إلى دولة ضيقة الأفق بطشت بالسودانيين ومزقت وحالت دون تطور وحدتهم. كما أن تجربة نظام الانقاذ القائمة يمكن أن تكون أكبر مثال للخطر الأكبر والعبء الثقيل والاستبداد الذي نتج وعانت منه الشعوب السودانية بجميع تكويناتها، وفي جميع أنحاء البلاد خلال ربع قرن من الزمان تطبيقا لشعار برنامح "الإسلام هو الحل" أو برنامج الانقاذ المسمى بـ "المشروع الحضاري". لم يسلم حتى الإسلاميون أنفسهم من ويلات بطش الدولة المستبدة التي قامت على هذا المنهج. وبالتالي فإن فصل سلطة الدولة عن الدين يعتبر شرطاً ضرورياً لتوفير الحرية للمواطنين، وذلك أن القول بأن الدولة تستمد سلطتها من الدين سيضع عبئاً ثقيلاً علي ضمائر الأفراد الذي سيعيقهم من رؤية الدولة علي حقيقتها وكيف يمكن أن تتحول الى راعية لنظام شمولي لا يبقي ولا يذر. لهذا فالفصل بين الدين والدولة ليس أمراً أيديولوجياً أو عقيدة بقدر ما هو طريقة وأسلوب يُقيم الحكم باعتباره من صنع ومسؤولية المواطنين أفراداً وجمعات. ويعظم الدين ودوره في هداية البشرية بأن لا يجعله مطية لهوى أو مصلحة جماعة أو فرد.
لقد قصًر العلمانيون في طرح فكر عقلاني لمواجهة تصاعد الدعوات الإسلاموية والسلفية القائلة بأن الحكم الإسلامي هو الحل السياسي، حتى رأى الجميع من واقع التجربة المباشر الخطر الداهم الذي عم البلاد ومواطنيها ووحدتها ومس بالضرر أمن وسلامة وإنسانية مواطنيها أجمعين. لذا ترى الجبهة السودانية للتغيير أن الوقت قد حان لمواجهة الفكر بالفكر لإثبات ما نادت به الحركة الوطنية في عهدها الأول بأن الدين لله والوطن للجميع، لأنه بدون ذلك لا يمكن أن نحقق سلاماً وتنمية مستدامين.
إن قضية فصل الدين عن الدولة هي قضية محورية ومركزية ترتبط إرتباطاً وثيقاً بمسألة الصراع السياسي في السودان وما آلت إليه بلادنا من دمار وتمزق وانهيار منذ الاستقلال. بالرغم من أن نشوء الحركة الوطنية من صلب مؤتمر الخريجين وبدايات الحركة السياسية والصراع السياسي اتخذ طابقاً عقلانياً وديمقراطياً توج بدستور الاستقلال عام 1956 الذي كان دستوراً علمانياً بكل ما تحمله الكلمة والمعنى. "إلا أن الأحزاب السياسية التي تمخضت عن مؤتمر الخريجين نشأت وترعرت ثم شاخت في كنف ورحم الطائفية، وهكذا تم وأد مؤتمر الخريجين وحلت محله أحزاب وزعماء أصبحوا بمثابة الوكلاء السياسيين للزعامات الطائفية". كما ذكر د. محمد إبراهيم خليل. إن تجربة الإسلام السياسي في السودان وبما يفوق الخمسين عاماً تؤكد أن القوى السياسية تستخدمه وتستغله كغطاء أيديولوجي لتحقيق مآربها الدنيوية وأغراضها الشريرة، وتقف تجربة النميري والجبهة القومية الإسلامية شواهد على ذلك. كما تم إجهاض ثورة أكتوبر بتحالف يميني-رجعي تحت برنامج ديني يلتحف بالإسلام حيث تمت تصفية مكتسبات أكتوبر بالعصي والحراب والمليشيات الجهادية. هذا الحلف اليميني سار على طريق الانتقاص من الديمقراطية بحظر الحزب الشيوعي من داخل البرلمان وعدم الامتثال لقرار المحكمة الدستورية. واستمر هذا النهج في محاولة فرض الدستور الإسلامي والجمهورية الرئاسية 1966 – 1969. بدأ التطبيق الفعلى للقوانين الإسلاموية في عهد جعفر نميري وعرفت بقوانين سبتمبر 1983، التي وصفها من يدعون إلى تطبيق برامج الصحوة الإسلامية بأنها لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به لما شاب تطبيقها من همجية وانتقائية لتصفية الحسابات السياسية وترهيب الخصوم فخلفت العشرات من ضحاياها، ويقف إعدام شهيد الفكر محمود محمد طه دليلا على بشاعة هذه القوانين. إلى أن انتهى بنا الحال بقيام الدولة الدينية الإستبدادية في عهد الإنقاذ. وتقف جرائم النظام دليلا على فظاعة وصلف وعسف الدولة الدينية.
في مواجهة هذه الهجمة الشرسة نجد التراجع المستمر للقوى الديمقراطية، وللقوى التي ترفض الدولة الدينية. هذا التراجع المستمر والاستسلام والتقهقر الفكري والسياسي أدى إلى محاولة بعض هذه القوى إلى إضفاء غطاء ديني على بعض المواقف السياسية كتبرئة التجربة الإسلاموية واعتبارها بعيدة عن الدين الإسلامي، أو محاولة أسلمة بعض البرامج السياسية ... إلخ. أدى ذلك إلى إزدياد شراسة قوى الإسلام السياسي في هجومها على الحريات العامة والشخصية بفرض مزيداً من التشريعات والقوانين التي تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان، كما تحط من قدر الإنسان وآدميته (المرأة مثالاً). فالدولة الدينية تكرس الاستبداد والتخلف وتنسف وحدة البلاد (انفصال الجنوب مثالاً آخر) وفي دول مثل "السودان وإيران واليمن وباكستان" لا يكون الصراع سياسياً والخلاف حزبياً وإنما يدور بمنطق الإيمان والشرك. عندما ندعو لفصل الدين عن الدولة أو السياسة ننطلق من حقيقة أن القضايا السياسية هي قضايا إنسانية ونشاط بشري حيث لا يوجد برنامج سياسي مقدس أو منزل. ولذلك يجب أن يكون الصراع السياسي حول قضايا التنمية والتطور الاقتصادي والثقافي ويستند على التجربة الإنسانية والعقلانية وعلى العلم والمعرفة. وهذا لا يتم إلا في جو ديمقراطي يعترف بحق الاختلاف وقبول واحترام الرأي الآخر. فصل الدين عن الدولة ليس كفراً وزندقة أو إلحاداً، كما وأنه ليس نفياً للأديان عن الحياة العامة، وهذا لا يعني أن السياسيين لن يستلهموا قيمهم الدينية والروحية في رسم ملامح سياساتهم – ولكن هذا الاستلهام ليس قطعياً، بل قابل للمناقشة وللخطأ والتصويب.

الإصلاح المجتمعي
إن موضوع التعايش السلمى بين الثقافات والاثنيات والعرقيات والأديان لابد له من إرادة سياسية ومشروع سياسى قائم على فكرة المواطنة كعظمة ظهر للحفاظ على المنظومة الوطنية ومن ثم إقامة الدولة الوطنية المتماسكة. بمعنى أن أى تطرف أوعدم حياد فى التعامل مع هذه التباينات سيؤدى عاجلا أم آجلا الى تناحر اجتماعى يفاقم ويعمق هذه التباينات. فتجربة نظام الجبهة الإسلامية القومية فى السودان اوضح دليل عندما تم استغلال الدين الاسلامى للوصول للسلطة ومن ثم البقاء فى سدتها لاكثر من ربع قرن على حساب التعدد الدينى فى المجتمعات السودانية. والإسلاميون يرفعون شعارات الإسلام السياسي للمتاجرة بها واستخدامها في أمور دنيوية كما أثبتت التجربة المريرة التي عاشتها الشعوب السودانية طوال فترة حكمهم ليتصدر المشهد السياسي الفاسدون في أنفسهم والمفسدون لغيرهم، ويصبح اليمين غموسا والدجل صنعة والشعوذة موهبة والنفاق سلعة والكذب والرياء شهادة رافعة لتبوء أعلى المناصب العامة.
ونتيجة لذلك الانحطاط السلوكي انتشرت ظاهرة التدين الشكلي في بعض فئات المجتمع السوداني وأخذت طابع الشكل والمظهر الذي يستمد قدسيته من إطالة اللحى وحف الشوارب وإظهار زبيبة الصلاة وحمل المسبحة ولبس النقاب والحجاب لتكون بمثابة هوية دينية تتصادم مع الآخر المختلف لتضعه في خانة الأعداء، فاستباحة عرضه وماله وحتى قتله يصبح واجبا دينيا مقدسا.
كما أن اعتقاله وسجنه وتعذيبه عبادة يؤجر من يقوم بها. وصار التدين الشكلي يتسم بسطحية مخاصمة لكل المضامين الروحانية التي أتت بها الأديان السماوية لخلق التوازن الروحي في المجتمع السوداني المتعدد الديانات والاثنيات والأعراق والثقافات لتنسجم مع الأخلاق والسلوك القويم للفرد.
إن التسامح الديني الذي كان سائدا بين المجموعات المختلفة سواء أن كانوا صوفيين، أنصارا، ختمية، مسيحيين، أرواحيين أو لا دينيين ..الخ. كان العامل الحاسم في تماسك الدولة السودانية ونسيجها الاجتماعي دون تدخل مباشر من الإدارات السياسية المختلفة، إلا أن تجربة اختطاف الدين واستغلاله من قبل جماعات الإسلام السياسي أدى إلى خلخلة تماسك هذه المجتمعات المتباينة ووسع الفجوة بين الاثنيات والعرقيات المتعددة خاصة بعد اتساع رقعة الحروب الجهادية في محاولة لفرض هذا المشروع الديني الفاشي. وعليه فلا مناص من تحييد الدين، أى دين فى الصراع السياسى باعتباره سلوكا فردىا بين الفرد والمعبود، وباعتباره مُختلفا على تفاسير محتوياته. كما أن الإرادة السياسية التي تحاول فرضه كحالة ثقافية جمعية تنسف كل عناصر التعدد والاختلاف.
إن حياة التشوه الأخلاقي التي أصابت المجتمع السوداني في قيمه ومثله ومعتقداته، لا سبيل إلى إصلاحها إلا بتعرية وكشف زيف الخطاب الديني، الذي أتى به دعاة الإسلام السياسي، لاقصاء وقمع الآخر، لتسود قيم التسامح والتعايش بين أصحاب الديانات والمعتقدات المختلفة في وطن ينعم بقيم السلم الأهلي والسلام الاجتماعي. كما أن الطريق نحو الدولة الديمقراطية التي تفصل الدين عن الدولة ليتساوى فيها الجميع وتكون المواطنة هي الأساس لا يمر إلا على أنقاض الدولة الدينية التي أحيت العقوبات والحدود واستخدمتها أداة لارهاب وترهيب الخصوم.
لهذا ترى الجبهة السودانية للتغيير أن إعادة بناء وهيكلة أجهزة ومؤسسات الدولة السودانية لا يتوقف على البرامج السياسية المبنية على أسس علمية رصينة والمستندة على آليات عملية وتوفير موارد مالية لتنفيذها فحسب، بل يتطلب مجتمعا سليما معافى تحكمه قيم الصدق والأمانة والشفافية والنزاهة ليقوم بتنفيذ هذه البرامج. وهذا لا يتأتى إلا بالآتي من خطوات:ـ
أولا: وقف أدلجة وتمذهب الناشئة، ونبذ روح العصبية والانغلاق الفكري وسطهم، ووقف عملية التلقين باتباع الأسس العلمية والتربوية المعمول بها في الدول المتقدمة لتربيتهم على التسامح والاخاء والمحبة ونشر روح الخلق والإبداع والابتكار وهذا يتطلب التعديل الجذري للمقررات المدرسية.
ثانيا: عدم استغلال المساجد ودور العبادة لبث روح الكراهية والفتن والعداء والعنصرية، وعدم السماح قانونا باستغلالها لنشر الأهداف والآراء السياسية التي تدعو إلى الفرقة أو المساس بعروض الناس أو قناعاتهم أو عاداتهم أو معتقداتهم مع توجيه استخدام دور العبادة إيجابيا من أجل الدراسة والتربية السليمة والأغراض الاجتماعية والدينية.
ثالثا: مراجعة وإلغاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وكشف التلاعب وسرقة أموال الحج والأوقاف والزكاة، والعمل على قيام مجلس أعلى مستقل للشؤون الدينية، يتم فيه تمثيل كل الديانات واصحاب المعتقدات على أن تقف مؤسسات الدولة على مسافة واحدة من جميع الديانات والمعتقدات.
رابعا: منع الاستغلال البشع في مفهوم الزكاة وجبايتها برفع يد الدولة عنها باعتبارها فريضة دينية شخصية تؤدى على ذمة الفرد.
خامسا: مراجعة كل المؤسسات الدينية والتعليمية وتوجيه رسالاتها نحو خدمة المجتمع مع مراعاة عدالة توزيع ميزانياتها.
سادسا: السماح لأصحاب كل الديانات والمعتقدات أن يمارسوا حرياتهم الدينية وطقوسهم الروحية في جو من الحرية والتسامح.
سابعا: على الدولة أن تنظم عمل الدعاة وخطباء دور العبادة ولا يتم ذلك إلا تحت إشرافها وبشهادات علمية معتمدة من مؤسساتها وأن يقتصر عملهم على شؤون الدعوة والوعظ.

العدالة الجنائية والسلام
من البداهة، معرفة أن الظروف التاريخية والبيئية والنفسية والإجتماعية هي مصدر الاستمرار في كون الإنسان سليم الفطرة بالأصل، كائن محب للخير، وهذه الظروف هي ذاتها اللاعب الأساسي في إنتاج الإنحراف والنزوع نحو الشر، فالسلام يجد فلسفته في التربية القويمة المعتمدة على الاستقلال الفكري والمادي دونما تجاهل للواقع، حيث تنتج هذه التربية إنساناً مستوعباً لاستقلالية الآخرين، وبالتالي لا مناص للعيش الكريم إلا في ظل سلام مستدام. كما يقوم السلام على الوصول إلى ابتكار الحلول الناجزة لكل القضايا العالقة جراء غبن تاريخي أو نزاعات جديدة قد تظهر قبل أن تتحول إلى إنفجارات مسلحة أو حروبات جديدة. وتقوم فلسفة الجبهة السودانية للتغيير على أن العدالة الجنائية لابد أن تسبق السلام لتحققه وتحافظ عليه بعكس العدالة الانتقالية التي قد تأجج الصراع وتزيد من أمده بما تتضمنه من حلول سياسية توافقية قد ترفضها الأطراف المتضررة وتعتبرها خصما على الاستقرار والسلام وتحقيق العدالة.
ويمكن تعريف العدالة الانتقالية بأنها مجموعة الأساليب والآليات التي يستخدمها مجتمع ما لتحقيق العدالة في فترة انتقالية من تاريخه، تنشأ هذه الفترة بعد اندلاع ثورة أو انتهاء حرب يترتب عليها انتهاء حقبة من الحكم الدكتاتوري والمرور بفترة انتقالية تنتهي بالتحول الديمقراطي، ويمكن تعريفها أيضا بالمجمل بأنها مرحلة ما بعد الأزمات، وتهدف إلى التعامل مع إرث الانتهاكات بطريقة واسعة وشاملة تتضمن العدالة الجنائية والعدالة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية إضافة إلى السياسة القضائية التي يجب أن تتضمن تدابير ترمي إلى هدف مزدوج وهو المحاسبة على جرائم الماضي ومنع وقوع الجرائم في المستقبل وهي بهذا المعنى مفهوم حديث بدأ تطبيقه في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وطبقته كثير من الدول كل دولة بحسب واقعها وظروفها.
وبانزال هذا المفهوم على الواقع السوداني نجد أن مفهوم العدالة الجنائية هو الأنسب لتحقيق السلام والمحافظة عليه لأسباب منها: أن العدالة الانتقالية تتطلب تعاون الطرف الآخر وهذا الشرط ينتفي بتصلب مواقف هذا النظام الذي يرفض أي دعوة ترمي للحل السلمي. 2ـ اتساع نطاق الانتهاكات التي شملت كل شعوب الدولة السودانية الأمر الذي يتطلب محاكمات جنائية عادلة. 3ـ إن الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها هذا النظام من الجسامة والوضوح حيث أن الجاني معلوم والضحية أيضا. 4ـ أن الإجراءات الجنائية قد بدأت بالفعل ومعظم قادة النظام من عسكريين ومدنيين قد أصبحوا محل اتهام. 5ـ إن تطبيق العدالة الانتقالية بشقيها القضائي والسياسي تعتبر تسوية مجحفة بحق الضحايا إذ تعتبر بمثابة الدعوة للإفلات من العقاب بالنسبة لبعض المتهمين.

وترى الجبهة السودانية للتغيير أن تحقيق السلام في كل المناطق التي تأثرت بالحروب الجهادية. والحروب تحت ذريعة بسط سلطة وهيبة الدولة. وضحايا مشاريع التنمية العبثية عديمة الجدوى الاقتصادية، وما يرتبط بها من عملية نزع الأراضي المملوكة حكرا للمواطنين. وضحايا الاقتتال القبلي الذي تصنعه الدولة وتهيء أسبابه خطوة لابد من أن تسبقها عدالة جنائية كي تحفظ هذا السلام وتؤدي إليه، والسلام كمفهوم إيجابي واسع من وجهة نظرنا يفترض المصالحة الوطنية وتقديم المتهمين للعدالة بكافة أشكالها، ومن ثم وضع أسس جديدة لثقافة السلام، ولا يتم ذلك إلا بتفكيك بنية العنف التي تعتبر الخطوة الأولى لمعالجته.
إن العنف الذي يحدث في السودان لا يقتصر على الحروب والاقتتال الذي تصنعه وتغذيه دولة المركز ضد الهوامش والأطراف فحسب، بل يتمظهر في أشكال عدة تكون هي نتيجة وسببا في إشعال تلك الحروب، منها:
1ـ جرائم القتل الواسع النطاق وما ينتج عن ذلك من عمليات هروب ونزوح جماعية واسعة، وإرتباط جرائم القتل والترويع والإبادة بحرمان الأفراد والمجتمعات المحلية من أن تكون منتجة ومساهمة في العملية الانتاجية القومية، ويتم بذلك تحويلهم إلى مجرد متلقين للإعانات والإغاثات مما يضعف روحهم المعنوية لمقاومة الظلم والتهميش المفروض عليهم. وهذا ما يعرف بالعنف الاقتصادي.
2ـ جرائم العنف الجنسي وما يرتبط بها من جرائم الاغتصاب التي استخدمتها الحكومة المركزية المتمثلة في نظام الجبهة الإسلامية كسلاح لكسر إرادة مناوئيها، وتكون نتيجة ذلك الحتمية تحول العنف ضد الأفراد والتجمعات إلى عنف عرقي واثني شامل يستبيح تلك القوميات ويمارس ضدها سياسة الأرض المحروقة تكريسا لعملية إحلال المستجلبين الجدد خدمة لثقافته وقيمه وأيديولوجيته، وما ينتج عن ذلك من سياسة عنصرية تأخذ طابع المؤسسة الرسمية لتكون مبررا كافيا على استهداف تلك القوميات وقتل أفرادها على السحنة والهوية.
3ـ العنف الثقافي، يتمثل في الإبادة الثقافية التي تمنع تلك الأعراق والاثنيات من التعبير عن خصوصياتها الثقافية، يتبعه تجريف معرفي في فرض اللغة العربية عليهم ومنعهم من استعمال لغاتهم الأصلية ومحاربتها.
4ـ العنف ضد المرأة، وما يتبع ذلك من سن للقوانين القمعية التي تجعل منها متهمة حتى تثبت العكس، وما يلي ذلك من إعلاء قيم الثقافة الذكورية وتمجيدها.

كل أشكال ذلك العنف التي حدثت وما زالت تحدث في دارفور وجبال النوبة وجبال الإنقسنا وغيرها من مناطق البلاد المختلفة يجب التصدي لها ومعالجتها، لا معالجة أعراضها التي قد توقف العنف وتحقق السلام في شكله السلبي الذي يمكن أن يتحول لأي سبب لاشعال الحروب وإعادة انتاج مآسيها من جديد.
إن العنف المفرط من قتل واغتصاب وتهجير وتنزيح الذي مارسه نظام الجبهة الإسلامية ضد المواطنين في جنوب البلاد وغربها وشرقها ووسطها وعاصمتها لم يترك مجالا للجدل الفلسفي العقيم الذي يدور حول ثنائية السلام والعدالة أيهما يأتي أولا؟.
لهذا ترى الجبهة السودانية للتغيير أن تطبيق العدالة وتحقيقها يأتي أولا، ـ وذلك بمحاكمة كل من أجرم أو شارك أو ساهم أو حرض أو تآمر بالصمت أو بالتواطؤ وهو في موقع المسؤولية ـ وهذان هما شرطان لازمان لتحقيق السلام وتعزيزه، حتى يري ذوو الضحايا أن العدالة بكل وجوهها قد تحققت، ويري الذين يمكن أن يتعرضوا لمثل تلك الانتهاكات في المستقبل بأنهم أصبحوا في منأى من تكرار الحروب وما يرتبط بها من مآس وويلات مرة أخرى.
يتفق اتجاه الجبهة السودانية للتغيير مع المبدأ الذي تبنته دول العالم، وهو "المسؤولية عن حماية المدنيين"، فأقرت هذا المبدأ لحماية الشعوب من جرائم دولية سمتها على سبيل الحصر وهي جرائم الإبادة، جرائم الحرب، التطهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية، وهذا المبدأ يمثل مسؤولية دولية جماعية عن الحماية، يمارسها مجلس الأمن الدولي بما له من سلطات، بأن يأذن بالتدخل العسكري كحل أخير عند حدوث إبادة جماعية أو عمليات قتل أخرى واسعة النطاق أو حدوث تطهير عرقي أو انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، إذا ثبت أن الحكومات المتورطة في ارتكابها عاجزة عن منعها أو غير راغبة في منعها.
كل تلك الجرائم المذكورة أعلاه قد تم إرتكابها في دارفور وغيرها من مناطق البلاد المختلفة، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية بواسطة إدعائها العام مذكرات جلب واحضار بحق كبار المسؤولين عنها. هذه الخطوة ورغم أهميتها ترى الجبهة السودانية من وجهة نظرها أنه لابد من تأهيل القضاء الوطني وإعادة تشكيل هيكلته ليستوفي معايير الأمم المتحدة، ليكون قادرا على محاكمة المتهمين المتورطين في تلك الجرائم والذين لم تشملهم اتهامات القضاء الدولي. بجانب الآتي من معالجات:ـ
أولا: لا يتحقق السلام دون حل للقضية السودانية في ثوبها القومي، والاعتراف بفشل الحلول الاستثنائية التي تتمثل في المفاوضات الثنائية والجزئية.
ثانيا: مساءلة ومحاسبة الذين أسهموا في تأسيس المليشيات القبلية قبل العام 1989م، وبعده، لتأجيج الصراعات والاقتتال القبلي لتحقيق مكاسب سياسية آنية.
ثالثا: العمل على تجريد المليشيات القبلية من أسلحتها لتحقيق الصلح الاجتماعي. وصولا للسلام المدني
رابعا: العمل على استقرار الرحل من الرعاة، وذلك بتوفير كل أسباب حياة الاستقرار من مدارس ومستشفيات وغيرها من خدمات، وتوفير العلف والعناية الطبية لمواشيهم وإزالة الأسباب المعوقة لتنافس في الأسواق العالمية.
خامسا: تأهيل الإدارات الأهلية حتى تساعد في استتباب الاستقرار الاجتماعي وإزالة الغبن بين فئات المجتمع المختلفة.
سادسا: ندعو لعقد مؤتمر الصلح الاجتماعي، ليشارك فيه ممثلو المجتمع الأهلي والمدني وممثلو النساء والشباب.
سابعا: معالجة موضوع أراضي الحواكير، وذلك بطرد المستجلبين الجدد منها وإرجاع أهلها وأصحابها إليها.

إعادة هيكلة السلطة القضائية
القضاء السوداني ما بعد إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية بحاجة إلى إعادة هيكلة جذرية شاملة وفق معايير صارمة تتعزز من خلالها مكانة القضاء باعتباره حصن منيع لحماية الحقوق والحريات الأساسية، لأن ذلك من شأنه استعادة ثقة المجتمع السوداني بالقضاء كمؤسسة مستقلة باعتبارها خط الدفاع الأول والأخير عن حق المجتمع بأن يعيش آمنا على حقوقه. إن تدهور السلطة القضائية وانهيارها ليست في غياب النصوص الدستورية بل في تغييب وعدم تطبيق هذه النصوص، مما عمق حالة عدم الطمأنينة لدى المجتمع الذي فقد الثقة التامة في وجود مؤسسة قضائية مستقلة بالمعنى الدستوري للمفهوم. وتعتبر أزمة القضاء جزء أساسي من إشكالية الدولة السودانية ككل، والتي تمثلت في هيمنة القرار السياسي وذلك بتعيين القضاة على أساس الانتماء الحزبي، وإحالة الأكفاء منهم للصالح العام لأسباب سياسية، وتغول السلطتين التنفيذية والتشريعية وتدخلهما في شؤون القضاء وطغيان واستبداد النظام الإسلاموي وترسيخ صورته في ذهن المجتمع بصفته الحاكم بأمر العناية الإلهية وغياب المفاهيم المتصلة بالقضاء واستقلاليته وتغييب دور الشعب كمرجعية أساسية لاسناد السلطة للحكام عبر آلية الانتخابات الحرة والنزيهة.
ترى الجبهة السودانية للتغيير، إن استقلال السلطة القضائية لا يتحقق إلا بتوافر ثلاثة عناصرتتمثل في:ـ 1ـ إحترام مبدأ سيادة القانون الذي يكفل مبدأ الفصل بين السلطات واستقلالها، مما يمكن السلطة القضائية من الرقابة على السلطة التشريعية من حيث عدم مخالفة التشريعات الصادرة عنها للدستور، وإبطال أي قرار إداري مخالف للقانون تصدره السلطة التنفيذية.
2ـ إعادة تشكيل القضاء وفقا للمعايير الدولية، التي أقرت تقسيم مؤسسة القضاء من ناحية تكوينها إلى قضاة ـ طواقم إدارية ـ منشآت ومباني. ويمكن تفصيلها كالتالي:ـ
أـ يتم اختيار القضاة بالانتخاب العام كما في سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية، بالرغم ما يشوب عملية انتخاب القضاة من عيوب. إلا أن معظم دول العالم لا تلجأ إليها والسودان أحد هذه الدول. والقصد من إيرادها هنا هو إمكانية الأخذ بها كطريقة لانتخاب قضاة المحكمة الدستورية بواسطة الانتخاب الشعبي لتجنب التأثير عليهم باعتبارهم حماة الدستور، وأن يتم انتخاب رئيس القضاء من قبل القضاء أنفسهم من ضمن المرشحين للمنصب من قضاة المحكمة العليا.
ب ـ يتم تعيين القضاة بواسطة السلطة التنفيذية التي تشترط توافر شروط معينة في من يراد تعيينه قاضيا فلا يترك الأمر لمطلق تقدير السلطة التنفيذية. ويجب توافر شروطا معينة لضمان قضاء سليم يؤدي وظيفته الطبيعية من أجل تحقيق العدالة منها: وضع شروط موضوعية في من يتولى مهنة القضاء. كفالة حماية القاضي من السلطة التنفيذية والتشريعية. الارتقاء بمستوى الحالة المالية للقضاة الأمر الذي يكفل لهم حياة كريمة بالاضافة للشروط الذاتية الأخرى كشرط السن والكفاية العلمية والصفات المحمودة وشرط سبق العمل بالقانون واللياقة البدنية.
ج ـ ضمانات القضاة ضد السلطة: عدم قابلية القضاة للعزل إلا بالكيفية المبينة في القانون. وعدم التأثير على عمل القاضي من الهيئات الإدارية والمتصلة بعمله مثل علاقته بوزير العدل باعتباره ممثلا للسلطة التنفيذية. وهذا يتطلب إعادة رقابة القضاء على أعمال وزراة العدل باعتبارها المستشار القانوني للسلطة التنفيذية وإحدى وزاراتها والتي تتبع لها النيابة العامة وهي الجهة التي خولها القانون بتحريك الدعاوى الجنائية بكل مراحلها دون أن يكون للقضاء رقابة على قراراتها إلا في حدود ما تقوم النيابة بإحالته إليها الأمر الذي فتح الباب واسعا للتنفيذيين للفساد ونهب المال العام. وعلاقته برئيس المحكمة باعتبارها علاقة إشراف إداري. وعلاقته بالتفتيش الإداري على أعمال القضاة باعتبارها إدارة تابعة لوزارة العدل إلا أنها تتمتع باستقلالية في أداء مهامها لاستنادها إلى أسس وقواعد قضائية موضوعية يجب أن تظل هذه العلاقة كما حددها القانون. كما يجب توحيد القضاء لأن هنالك أكثر من جهة قضائية في السودان بجانب القضاء الطبيعي، كالقضاء العسكري الذي أصبح من صلاحياته في عهد الانقاذ محاكمة المدنيين إذا تعلقت أفعالهم بأي فرد ينتمي للقوات المسلحة، ومحاكم الشرطة ومحاكم الأمن والمحاكم المتخصصة وما يشوبها من تضارب المصالح. كل هذه المحاكم تعمل خارج رقابة السلطة القضائية والمطلوب توحيد القضاء وإخضاع هذه المحاكم لسلطة قضائية واحدة في البلاد، ولا يعني هذا إلغاء المحاكم العسكرية بل يجب أن يترأسها قضاة مدنيون تنتدبهم السلطة القضائية ولا مانع من أن يكون من ضمن هيئة المحكمة عسكريون.
د ـ لابد من توفير طواقم إدارية كافية أو ما يعرف بقلم المحكمة، توفير رجال الضبط القضائي أو ما يعرف بالشرطة القضائية لحفظ أمن القضاة والمتقاضيين. تعيين العدد الكافي من موظفي التبليغات. أو ما يعرف بالمحضرين.
ه ـ منشآت ومباني المحاكم: يجب أن يدل شكل المبنى على أنه محكمة بحيث يكون معروف لكافة المواطنين بالاضافة إلى ذلك يجب توفير غرفة لكل قاض حتى يؤدي عمله بهدوء، وقاعة لكل دائرة قضائية مع وجود غرفة ملحقة بها للمداولة، مكاتب كافية لموظفي قلم المحكمة مع تخصيص غرفة لرئيسها، توفير غرفة للمحامين لتمكنهم من التحدث مع موكليهم.
3ـ إزالة الموانع التي تقف أمام المواطنين في اللجوء إلى القضاء وتتمثل في: إلتزام الدولة بإنشاء المحاكم الكافية لتسهل على المواطنين تكبد مشاق الوصول إليها. سرعة رفع الحصانة لمن يتمتع بها من المتهمين. سرعة الفصل في الدعاوى. معقولية الرسوم القضائية. ضمان مبدأ الدفاع.
إن الدمار الذي أصاب السلطة القضائية في عهد نظام الجبهة الإسلامية القومية، والذي تمثل في تبعيتها المطلقة للجهازين التشريعي والتنفيذي وتدخلهما السافر في توجيه قراراته وأحكامه، الأمر الذي شل قدرة السلطة القضائية في التصدي لجرائم الفساد بمختلف أشكالها مما يتطلب الكثير من الجهد في إعادة بنائها وفق أسس محترمة تستند على تجارب الدول التي تحترم مواطنيها حتى تقوم بدورها الدستوري في حماية حقوق الإنسان السوداني الذي عانى الظلم كثيرا في نفسه وماله واستقراره.* للمزيد أرجع لبرنامج السياسات البديلة. ورقة إعادة هيكلة السلطة القضائية.*
http://sudanrevolts.wix.com/sfc1

إعادة بناء وهيكلة المؤسسة العسكرية
تأسس الجيش السوداني في العام 1925، على أساس جهوي وعشائري وكان يتكون من عدة فرق منها: العرب الشرقية والعرب الغربية والهجانة والاستوائية، وعرف بقوة دفاع السودان، خاض كثير من المعارك خارج تراب الوطن، واكتسب خبرة قتالية تراكمية نسبة لهذه الحروب الخارجية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من جهوية تكوينه إلا أن صبغة القومية كانت الصفة التي تميزه إلى أن اندلعت الحرب في الجنوب فتحولت عقيدته من القومية في حماية الوطن إلى حماية الأنظمة السياسية، فجسدت حرب الجنوب مثالا حيا لهذه العقيدة في قمع شعبه وأداة قتل باطشة لأي تحرك تقوم به الأقاليم ذات الظروف المشابهة مستقبلا.
وما أن اسدل الستار على حرب الجنوب بموجب اتفاقية سلام نيفاشا حتى تم توجيهه إلى قمع مواطنيه في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، حانثا عن قسمه في أداء واجباته الدستورية عن حماية حدود الوطن من العدو الخارجي، وحماية المواطنين إذا ما تعرضوا لأي مخاطر تهدد أمنهم واستقرارهم، فأصبحت قياداته تنتمي لاثنيات بعينها تم منحها امتيازات تعتبر بمثابة رشى سياسية للمحافظة على الأنظمة القائمة والدفاع عنها وبالتالي المحافظة على وضعهم وامتيازاتهم الشخصية. بل القيام أصالة ووكالة بإعادة تدوير طواحين الهواء السياسية التي جعلت من السودان وشعبه فئران تجارب لمختلف الأيديولوجيات والمعتقدات.
دخل الجيش عن طريق بعض الطامحين من منسوبيه منذ فجر الاستقلال إلى مضمار الصراع السياسي لخدمة أجندة الأحزاب السياسية التي كانت تقف من وراء المؤدلجين من قادة المؤسسة العسكرية ودفعهم نحو الاستيلاء على السلطة في ظل التنافس الحزبي الذي لا يراعي مصلحة البلاد. بل مصلحة الأنظمة الحزبية التي تمسك بزمام السلطة المركزية، فاستخدمت بعض قاداته استخداما خاطئا بعيدا عن دورهم الوطني الذي يؤمن به كل من انتسب إلى هذه المؤسسة، فأصبحوا أداتها التي تبطش بها في مواجهة وقمع أي مطالب تتعلق بالمشاركة في صنع القرار السياسي لإدارة الدولة. حتى بلغت المؤسسة العسكرية قمة تدهورها المهني في عهد نظام الجبهة الإسلامية القومية عندما بدأ بتصفية الجيش من كوادره الوطنية المؤهلة وإحلال محلهم أهل الثقة والولاء، ونتيجة لغياب المهنية والانضباط العسكري انهار الجيش تماما وصار مليشيا حزبية تأتمر بأوامر قادة الجبهة الإسلامية القومية.
والمثال الصارخ لهذا الانهيار الذي حل بالمؤسسة العسكرية هو إنشاء مليشيا الجنجويد التي عُرفت مؤخرا بـ "قوات الدعم السريع" ومنحها تسليحا متفوقا وصلاحيات واسعة تفوق تلك التي يملكها الجيش، وتم إطلاق يدها في تحد سافر لكل القيم الأخلاقية والإنسانية لتقتل وتغتصب وتنهب وتروع المدنيين باعتبارهم الظهير الشعبي الداعم للحركات المسلحة التي تقاتل نظام الجبهة الإسلامية القومية، ومنح أفرادها الرتب العسكرية التي تحصنهم من الخضوع لأي مسألة ومحاسبة قانونية.
إن الجدل الذي تريد به السلطة تغبيش وعي الرأي العام المحلي والدولي حول تبعية وبالتالي شرعية هذه المليشيا المأجورة بموجب عقود المقاولة التي موضوعها استباحة حرمة النفس والعرض والمال لا يعدو أن يكون مجرد مغالطة عرجاء لا تصمد أمام نصوص الدستور الانتقالي لسنة 2005م، الذي عرف القوات المسلحة تعريفا نافيا لكل جهالة، وحدد مهام واختصاصات جهاز الأمن الوطني والمخابرات، الأمرالذي يجعل منها مليشيا غير شرعية يجب حلها وتصفيتها وتقديم قادتها ومؤسسيها وداعميها والمروجين لها إلى المحاكمات.
وحتى يحفظ التاريخ للعسكريين الذي دافعوا عن الديمقراطية والتزموا المهنية في أداء واجباتهم العسكرية تقتضي قواعد الانصاف إلا ننظر إلى المؤسسة العسكرية كمنظومة واحدة ذات مصالح اقتصادية وتطلعات مشتركة. لقد أثبتت التجربة التاريخية أن بعض كبار الجنرالات والضباط قد انحازوا إلى الحكومات المركزية مدنية كانت أم عسكرية في حروباتها المتعددة ضد الهامش الجغرافي منطلقين من مصالحهم الضيقة والمكاسب التي حققوها من علاوات الحرب والصفقات التي نالوها من تجارة السلاح وبما أغتنموه من الاتجار بالأخشاب وجلود الحيوانات وسن الفيل وغيرها من ضروب التجارة. إلا أن الغالبية العظمى من صغار الضباط الذين ينتمون إلى القطاعات الشعبية يتفاعلون ويتضامنون مع قضاياهم وتطلعاتهم كما أثبتت تجربتي أكتوبر 1964، وأبريل 1985.
وحتى نجنب بلادنا ويلات تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي لابد من إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، وإعادة صياغة عقيدتها العسكرية على قاعدة الانتماء للوطن، وتحديد مهامها واختصاصاتها بعيدًا عن التجاذبات الحزبية والصراعات السياسية، بحيث تخضع فقط للتسلسل القيادي المؤسسي الذي يحكمه الانضباط العسكري لخدمة الوطن ومواطنيه وفقا للدستور.إضافة إلى ذلك تري الجبهة السودانية للتغيير التالي من خطوات:
1ـ لابد من وضع الأسس الدستورية والقانونية لبناء المؤسسة العسكرية وطنيا ومهنيا.
2ـ وضع أسس صارمة لتحييد المؤسسة العسكرية عن الحياة الحزبية والسياسية وتجنب استيعاب أفراد الحركات المسلحة ذات الطابع السياسي فيه كما حدث في أنانيا الأولي وأبوجا.
3ـ وضع أسس واضحة لعقيدة عسكرية وطنية قومية.
4ـ إعادة كل المقصيين والمبعدين قسرا بما تسمح به قوانين المؤسسة العسكرية مع التعويض العادل بناء على شروط التعاقد والخدمة العسكرية.
5ـ وضع الأسس التي تضمن حياة كريمة لأفراد المؤسسة العسكرية.
6ـ العمل على إعادة التوازن بين احتياجات الرتب الرفيعة والرتب الدنيا على مستوى المعيشه.
7ـ إعادة النظر في القوانين العسكرية بما فيها قانون التعاقد وقانون الخدمة العسكرية.
8ـ إعادة النظر في المؤسسات الخدمية والاقتصادية التي تتبع للمؤسسة العسكرية.
9ـ وضع أسس لضمان إبعاد الجيش من المدن ومناطق سكن المدنيين.
10ـ لابد من مراعاة تمثيل كل أبناء وبنات الشعب السوداني لضمان قومية المؤسسة العسكرية.
11ـ على المؤسسة العسكرية أن تساهم في بناء الوطن عن طريق وحداتها المتخصصة كالأشغال العسكرية والسلاح الطبي وغيرها من الوحدات المنتجة.
12ـ يجب أن تكون كل الأسلحة القتالية بيد المؤسسة العسكرية. وأن يتم تصفية المليشيات وتجريدها من أسلحتها وإعادة تأهيلهم ليسهموا في بناء الوطن.
13ـ يجب أن توضع الدراسات الكفيلة بتعداد قوة أفراد المؤسسة العسكرية حسب حاجة الدولة إليها منعا لترهلها مما يؤدي إلى إرهاق الخزينة العامة.
14ـ إعادة تأهيل المقاتلين بدنيا ونفسيا للتخلص من آثار ما يعرف "بصدمة الحرب" لكي يسهموا في إعادة إعمار البلاد.

إعادة بناء وتشكيل جهاز الأمن والمخابرات الوطني
كل دول العالم على مختلف أنظمة حكمها لا يمكنها الاستغناء عن إنشاء وتكوين الأجهزة الأمنية سواء على صعيد الأمن الداخلي الذي يُعنى بالأمور الأمنية الداخلية التي تخص أمن الوطن والمواطن أو الأمن الخارجي الذي يختص بالمهام الأمنية الخارجية لضمان تحقيق الأمن والاستقرار لهذه الدول. وفي سبيل تمكين الأجهزة الأمنية من أداء مهامها أحاطت الدول الديقراطية الراشدة مهام الأمن واختصاصاته بسياج دستوري وقانوني يضمن المعايير المهنية المؤسسية التي تكفل بقائه خارج تأثير العمل السياسي، وبناء قدراته المهنية لتحقيق وضمان الاستقرار والأمن لمواطنيها، وحصرت مهامه واختصاصاته على جمع المعلومات وتحليلها واحالتها إلى جهات الاختصاص، ولا يحق لأفراد الأمن القيام بعمليات القبض أو الاعتقال أو التعرض لأي مواطن في بدنه أو ماله أو التدخل في أي عمل يكون من اختصاص الجهات الأمنية الأخرى، وتركت له ممارسة جميع مهامه واختصاصاته بما لا يتعارض مع مباديء حقوق الإنسان وحرياته المكفولة للمواطنين في صلب الدستور والقانون.
وبالمقابل نجد أن الدول الشمولية والديكتاتورية قد صنعت من أجهزة الأمن دولة داخل الدولة ومنحتها من الصلاحيات الدستورية والقانونية ما جعلت منها الحاكم الفعلي في تسيير شؤون الدولة. كما هو الحال في عهد نظام الجبهة الإسلامية القومية الذي أطلق يد جهاز الأمن الوطني ومكنه من كل المؤسسات الاقتصادية والسياسية والقضائية والمدنية، ولمزيد من القبضة الأمنية أنشأ جهاز الأمن والمخابرات في عام 2004، من خلال توحيد جهازي الأمن الوطني الذي كان مكلفا بالأمن الداخلي والمخابرات السودانية الذي كان مكلفا بالأمن الخارجي في جهاز واحد تحت مسمى جهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي قاد الدولة السودانية إلى حافة الإنهيار في كل المجالات بما له من سلطات مطلقة. .
لهذا ترى الجبهة السودانية للتغيير، وفقا لبرنامجها الذي يقوم على إعادة بناء أجهزة الدولة السودانية ومؤسساتها على أسس جديدة تضع أمن واستقرار الدولة السودانية على هرم أولوياتها. وقبل كل ذلك لابد من مساءلة ومحاسبة كل من ارتكب جرما بحق المواطنين والوطن من خلال محاكمة عادلة حتى يرى ذوو الضحايا أن العدالة قد اقتصت لهم حقوقهم، ويطمئن الذين هم في مهب الانتهاكات بأن عهد الافلات من العقاب قد ولى. يلي ذلك إعادة بناء وتشكيل الأجهزة الأمنية طبقا لشكل الدولة الجديدة على قاعدة التوازن للمكون المجتمعي من خلال وضع الأسس المهنية لاعادة بناء جهاز الأمن والمخابرات الوطني وتعزيز دوره كجهاز أمني مدني يعنى بجمع المعلومات وتحليلها ومن ثم تقديمها لجهات الاختصاص. وهذا لا يتم بمعزل عن إعادة إصلاح المنظومة الأمنية برمتها، وذلك بانهاء أي حالة ازدواجية أو تداخل في المهام والاختصاصات الأمنية مع غيرها من المؤسسات الأمنية. ووضع حد لظاهرة تعدد الأجهزة الأمنية المتنافسة فيما بينها، وذلك عن طريق وضع آليات فعالة للرقابة التشريعية والقضائية والمدنية على جهاز الأمن كما يجب حظر تدخل الأجهزة الأمنية في الحياة الحزبية والسياسية، بالاضافة فرض المساءلة والشفافية فيما يتعلق بأداء الجهاز الأمني.
يجب تصفية كل الأجسام والإدارات الشرطية التي أنشأتها السلطة لحمايتها كالشرطة الشعبية وشرطة النظام العام والشرطة الظاعنة وأبو طيرة وغيرها من المسميات لما تسببه هذه الأجسام من حالات الإنفلات الأمني والتعدي على حقوق وحريات المواطنين، وأن تكون وزارة الداخلية هي وحدها المسؤولة عن حفظ الأمن الداخلي ويتطلب ذلك المراجعة الشاملة لكل الأجسام الشرطية وفق منهج علمي صارم يستصحب تجارب الدول ذات الحكم الديمقراطي الرشيد. وهذا الإجراء يستتبع إصلاح وزارة الداخلية والأجهزة الشرطية بما يتفق مع كونها هيئة مدنية لازالة التداخل والازدواج في المهام والاختصاصات مع جهاز الأمن، وتحديث الأجهزة المعنية بتطبيق وتنفيذ القانون وتخليصها من العناصر التي يظهر فسادها مع تأهيل أفرادها الذين يعانون من الأمية القانونية ليستوفوا معايير النزاهة والكفاءة المهنية في مكافحة الجريمة لتحقيق الاستقرار الأمني واحترام حقوق الإنسان لمواكبة دولة الحكم الرشيد.
على أن يتبع جهاز الأمن بشقيه الداخلي والخارجي لمجلس السيادة أو المجلس الذي يماثله تحت إشراف رئيس القضاء أو قانوني ذو منصب رفيع حتى يتمكن من رصد سلوك الوزراء أنفسهم ويتمكن من العمل الخارجي دون تسرب الأسرار ما بين الداخلي والخارجي، وهذا الأخير يتطلب كفاءات مختلفة حسب المنطقة التي يغطيها، وهذا لا يمنع التنسيق ما بين العمل الخارجي والداخلي. ولتوفير الضمانة من أجل مراقبة وحيادية هذا الجهاز الهام والحساس نقترح أن يرتبط جهاز الأمن بسلطة قضائية تشرف عليه ضمانة لصيانة الحريات والحقوق.
وتتمثل المقترحات التي تتقدم بها الجبهة السودانية للتغيير في إعادة بناء جهاز الأمن والمخابرات الوطني والمؤسسة العسكرية في الآتي:ـ
1ـ إلغاء قانون الأمن والمخابرات الوطني والاستعاضة عنه بقانون يحدد صلاحيات ومهام رجل الأمن.
2ـ وضع أسس حديثة لبناء جهاز أمن وطني وتحديد أهدافه ومهامه.
3ـ مراجعة المؤسسات الاقتصادية والمالية التي تتبع لجهاز الأمن والمخابرات الوطني وتمكين أجهزة الدولة الرقابية والمحاسبية من القيام بمهمتها لارجاع هذه المؤسسات إلى أصلها.
4ـ وضع الأسس الكفيلة لانهاء جهوية جهاز الأمن والمخابرات وتحويله إلى مؤسسة وطنية مهنية.
5ـ وضع الأسس الكفيلة بتحييد جهاز الأمن الجديد عن الحياة الحزبية والسياسية.
6ـ وضع الأسس التربوية لتنمية الروح الوطنية لأفراد جهاز الأمن للدولة الجديدة القادمة.
7ـ توسيع وتمكين عمل المرأة في الأجهزة الأمنية.
لمزيد من التفاصيل. أنظر برنامج السياسات البديلة* الورقة الأمنية*
http://sudanrevolts.wix.com/sfc1

العقد الاجتماعي
السياسات الإقصائية في السودان منذ الاستقلال، قادت إلى تأصيل التطهير الثقافي وتدمير الاقتصاد الوطني، وأدى ذلك إلى الفشل في إدارة البلاد، والفشل في تماسك وحدتها. وبما أن منهج إدارة الدولة السودانية قد قام على المزاج العاطفي الإقصائي الذي أدى إلى الفشل الكلي للدولة، وفي ذات الوقت أصبح التشظي صفة ملازمة لكل الأحزاب والتنظيمات السياسية السودانية دون استثناء، الحاكمة منها والمعارضة، فحالة السودان هذه تقودنا للقول بأن البلاد تعيش في أزمة ضمير. بالتالي نمى إلى قناعتنا أنه لا يوجد حل سوى أن تقف جميع الأجيال الحالية وقفة متأنية وصادقة لإعادة تشكيل الدولة السودانية بأسس مجمع عليها من كل مواطنيها. لأن ما نحتاج إليه اليوم قبل أن نتحدث عن الحرية والديمقراطية والتنمية، هو العمل على وضع دستور يرضي عنه كل أبناء السودان على إختلاف أعراقهم ودياناتهم وأقاليمهم. علماً أن الديمقراطية لا يمكن ممارستها على أسس سليمة دون وجود مؤسسات دستورية وسياسية تمارس الديمقراطية من خلالها، وفي ذات الوقت لا يمكن للتنمية أن تتحقق إلا في ظل ظروف أمنية مستتبة واستقرار سياسي مستدام. مثل هذا الدستور لا بد أن يقام على تعاقد اجتماعي لعنصر التجمع البشري السوداني (جميع الشعوب السودانية).
فالصراع السياسي القائم اليوم في السودان، هو صراع حول كيفية وضع دستور دائم للبلاد. ولن يتم وضع حدا لهذا الصراع ما لم يتول أمره كل مكونات المجتمعات السودانية صاحبة السيادة الوطنية، لتمارس حقها بمطلق الحرية في تعاقد اجتماعي يُتفّق عليه حول ملامح الدستور الأساسية، فالحل إذاً يكمن في العقد الاجتماعي. لأن الدستور هو القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة. ففي الأساس تكمن مهام العقد الاجتماعي في أن تضع المبادئ الأساسية للدستور. فوثيقة ماقنا كارتا لسنة 1215 في إنجلترا، أي وثيقة الشرعة الكبرى أو ما يسمى بالميثاق العظيم للحريات، تعتبر من أهم الوثائق القانونية في تاريخ الديمقراطية، إذ كانت لها نفوذ على نطاق واسع في العملية التاريخية التي أدت إلى سيادة القانون الدستوري اليوم في العالم المتحضر المستقر.
فالحروبات أياً كانت أنواعها - كحالة السودان اليوم - تقضي تماماً على حق البقاء الإنساني، مما يجعل مجموعات غفيرة من البشر أن تهرب منها إلى أماكن أخرى طلباً للمأوى من أجل سلامة أرواحهم من شرور الحروب. إذاً حق البقاء – الحياة -هو أساس الحقوق البشرية، إذ تأتي قبل الحقوق المدنية، كحق التنقل والتملك وحق المساواة في القيمة البشرية. من هذا المنطلق فإن حاجة المجتمع المدني إلى السلطة الحاكمة أو الدولة، هي الحاجة للمحافظة على الحياة والحرية والملكية، وهي حقوق مهددة بالتعدي. فبموجب التعاقد تتحول المجتمعات التي في حالة علاقات العداء والصراع فيما بينها، إلى مجتمعات المجتمع المدني المتحضر وذلك بتوفير حق أي فرد وأي جماعة للبقاء، وهذا هو التوجه نحو التربية الوطنية الحقة التي تقود إلى حب الوطن. إذاً تأتي الحياة الاجتماعية المستقرة لا من ضرورة لصيقة بطبيعة الإنسان وإنما من عقد إرادي يُبرم بين أفراد الجماعة، وبمجرد إبرام هذا العقد يصبح ذلك أساس الدولة، وأساس سلطة الدولة أي السيادة، ومن ثمّ أساس الحريات الفردية والجماعية. الجدير بالذكر أن البرلمانات الثلاث في السودان، في الفترة ما بعد الاستقلال كانت أصلاً جمعيات تأسيسية الغرض منها هو صناعة الدستور الدائم للبلاد، لكنها فشلت في القيام بمهامها. إن مفهوم العقد الاجتماعي، الذي يعني في معناه العام، إبرام اتفاق بين الناس الذين جمعتهم رقعة جغرافية محددة، بموجبه يتحدون ويكونون هيئة معنوية تسمى دولة، يصبحون رعاياها ومواطنون فيها، يتساوون في الحقوق والواجبات، هو ما يحتاج إليه السودانيون اليوم قبل الحديث عن من يحكم أو عن التنمية.
في عصرنا هذا، ليس بالضرورة أن يطبق مفهوم العقد الاجتماعي باتباع نفس الخطوات التي تمت في أوروبا في القرون الماضية. الذي يهم، الآن هو أن تجتمع كل شعوب السودان المختلفة ليمثلوا أقاليمهم، في مؤتمر جامع وبإرادتهم الحرة ليعبروا عن مصالحهم، ففي ذلك يجمعون على إجابة سؤال محوري، وهو كيف لهم أن يعيشوا في هذه الرقعة الجغرافية في أمن وسلام دائمين؟ أو بصورة أخرى، ما هي الشروط التي تجعلهم يعيشون مع بعض في دولة واحدة؟ هذا يتم عندما يقوم المجتمعون بإبعاد كل المسائل التي تفرق بين الناس من أية عملية دستورية، سواءً كانت تلك المسائل قائمة على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو اللون أو الإقليم أو القبيلة أو الخلفية الثقافية. إذاً عملية العقد الاجتماعي، هي اللبنة الأساسية لوضع دستور دائم للبلاد، أو قل هي الدستور بعينه. ولا يتم التوافق في إبعاد المسائل التي تفرقهم إلا عندما يرسخ في قناعة المجتمعين أن وضع السودان الحالي حتماً سيقود إلى مستقبل مظلم للغاية، لا أحد يستطيع أن يتنبأ بنتائجه. وبالتالي يتوصل المجتمعون بأن صنع الدستور الدائم الذي ينبع من عملية التعاقد الاجتماعي هو الذي يحقق بناء وطن يدين له جميع أبنائه بالمحبة والولاء والإنتماء، إذ أنه من شأن ذلك أن يضع السودان في أعتاب طريق التنمية والرفاهية لجميع مواطنيه.

ولمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع لبرنامج السياسات البديلة.
http://sudanrevolts.wix.com/sfc1

الوحدة
وحدة الثقافة أو الدين أو العرق أو الإقليم لا تمنع من نشوب الصراعات والنزاعات، الأمر الذي يدعو للنظر إلي واقع السودان من زوايا التعدد والاختلاف للوصول إلي القوانين التي تنظم العلاقات في مستوى تعددها واختلافها، وهذا هو جوهر الوحدة وفق مفهوم الجبهة السودانية للتغيير شريطة أن تتوفر مقوماتها، وأهمها الاعتراف وقبول واقع التباين العرقي والديني والثقافي ونمط الحياة وسبل كسب العيش في كل شبر من الوطن الكبير، وأن تكون المواطنة هي المقياس الوحيد للحقوق والواجبات، وأن يتم الإعتراف واحترام ودعم كل موروثات هذه الشعوب لتحقيق شعار الوحدة في إطار التنوع. من هذا المنطلق، يجب النظر إلى الوحدة الوطنية من منظور التعدد الثقافي والتنوع الإثني كهوية وطنية، وبهذا المفهوم تبقى الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة شرطاًن أساسياًن لبقاء وديمومة دولة الوحدة.
المعالجات من وجه نظر الجبهة السودانية للتغيير، تكمن في الآتي:
أولا: العقد الاجتماعي، ويعني في تبسط شديد قبول الشعوب السودانية عن إرادة حرة أن تعيش فيما بينها على هذه الرقعة من الأرض التي تسمى السودان.
ثانيا: أن تشترك هذه الشعوب في كتابة دستورها وأن تُستفى عليه لاجازته.
ثالثا: مراجعة وتصحيح الأخطاء التي لازمت صياغة تاريخ الشعوب السودانية. وإعادة الاعتبار للمكون الأفريقي للشخصية السودانية.
رابعا: التركيز على وحدة المصالح المشتركة. ان لا ترتبط فقط بالموارد الطبيعية وان ترتبط بالموارد البشرية في عدالة توزيع تلك الموارد.
رابعا: الاعتذار الواضح والصريح عن كل الفظائع والموبقات التي تم ارتكابها بحق هذه الشعوب مع التعويض العادل. والمقصود بالاعتذار على النخب التي تعاقبت على حكم الدولة السودانية أن تقول به صراحة.
خامسا: الشروع في بناء المشاريع القومية التي تستنهض الهمم وتخاطب قومية الجميع. عبر استثمار المورد البشري.
سادسا: التعامل الصارم مع العنصرية بكافة أشكالها والحديث العلني عنها لفضحها والتعامل الجاد في انهاءها. عبر وضع نصوص واضحة لسن قوانين صارمة تجرم ممارستها فعلا أو قولا تصريحا أو تلميحا.

الهوية الوطنية
الواقع المعاش أن الناس لا تستطيع أن تتعايش فوق رقعة جغرافية واحدة، فيها يتبادلون المنافع وينظمون شئون حياتهم الكثيرة، دون أن تكون تلك المعاملات قائمة على رؤية العيش المشترك – أي الإعتراف بالهوية الوطنية الموحدة، يشارك في تأسيسها كل المجتمعات داخل تلك الرقعة، وذلك بهدف البقاء والمعاش والأمن والرفاهية. لكن إشكالية الهوية القومية في السودان، هي إقحام ما يعرف بـالمد الحضاري العربي الإسلامي، الذي من أهدافه بالطبع إعادة إنتاج الإنسان السوداني داخل الهوية الإسلاموعربية. هذا التوجه يعمل على إسقاط التمايز العرقي وإنكار الخصائص والموروثات الثقافية والروحية، وهذا بالطبع يعكس نظرة الوصاية والإستعلاء العرقي والثقافي والديني، وما يترتب على ذلك من إجهاض للحقوق السياسية. الشاهد في الأمر، أن في عصرنا هذا ترتبط هوية الشخص بكيانه السياسي، أي بحدود الدولة السياسية التي يعيش داخلها بغض النظر عن عرقه أو لغته أو دينه. الجميع متفقون على أن السودان بلد متعدد الأعراق، والديانات، والثقافات، واللغات. وهذا واقع لا يمكن إلغاؤه أو تجاهله. لذلك عندما تُبعد كل المسائل الخلافية بحيث لا تتدخل في إدارة شئون الدولة دستورياً، ويبقى القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع السودانيين هو البقعة الجغرافية أي السودان، حينئذ تصبح الهوية القومية للسودانيين التي لا خلاف فيها هي السودانوية.

النظام الفيدرالي لإدارة الدولة السودانية
لقد تم تشويه ممارسة الحكم الإقليمي والفيدرالي في السودان مثلما تم للديمقراطية، ووفقاً لمفهوم الجبهة السودانية للتغيير، فإن النظام اللامركزي، هو اتحاد بين أقاليم السودان المختلفة يقوم على رغبة طوعية من القاعدة، فيما يخص توزيع السلطات الإدارية والتوزيع العادل لثروات البلاد بين المركز والأقاليم. تعدد القوميات، وكبر حجم البلاد، والتخلص من المركزية الصارمة كلها أسباب موضوعية تستدعي قيام نظام لا مركزي يبتعد عن الترهل الإداري لجهاز الدولة ويحافظ على الوحدة وتنمية الموارد واستدامة السلام.
ونظام الحكم اللامركزي، هو النظام الذي يتم فيه توزيع سلطات الدولة في مجالات التشريع والتنفيذ بين المركز والولايات/الأقاليم بالدستور. الجدير بالذكر أن السلطة القضائية في حالات الحكم اللامركزي، هي في الأساس سلطة اتحادية مستقلة، لأن من شأنها حل ما ينشأ من نزاعات بين الولايات أو بين الولايات والاتحاد، فهي بذلك لها صفتين هامتين هما الإستقلالية والمركزية الموحدة. من صفات نظام الحكم اللامركزي أن يحفظ للولايات هويتها السياسية والإدارية. رغم تقسيم السلطات التشريعية والتنفيذية بين الاتحاد والولايات إلا أنه توجد أيضاً في بعض الأحيان سلطات مشتركة بين الاتحاد والولايات. تتولى السلطة الاتحادية أمر التشريع والتنفيذ للمسائل القومية ذات الصفة السيادية التي من شأنها أن توحد كل أجزاء القطر الواحد.
إبتداءً، توجد في السودان دواعي رئيسية أدت إلى المناداة بالنظام الفيدرالي، تمثلت في مقدمتها الظرف التاريخي لقيام الدولة السودانية. ومن جانب آخر، السودان بلد متعدد الثقافات والأديان والأعراق واللغات. الأمر الذي يوضح بجلاء تام صعوبة إن لم نقل إستحالة إدارة هذا التعدد مركزياً. أمر ثالث، وهو فشل النظام المركزي منذ نشأة الدولة السودانية. أمر رابع، التشويه التي صاحبت تجربة الحكم المحلي في فترة النميري، وتجربة النظام الذي يسمى بالفيدرالي الحالي، وكلاهما أُنشاءا بالقانون وليس بالدستور. وبالتالي فإن المعايير العالمية للنظام الفيدرالي لا تنطبق على التجربتين السودانيتين.
نخلص من هنا أن النظام الفيدرالي يقوم على رغبة طوعية من القاعدة فيما يخص توزيع السلطات الإدارية والمالية، ويؤسس ذلك بالدستور. ليست هناك تجربة محددة يمكن تطبيقها بنفس المستوى على كل الدول، فكل دولة لها تجربتها الخاصة التي تلائم بيئتها. لكن هناك اجماع عام على قاعدة رئيسية توضح المقومات التي يجب أن تتوفر لإنجاح النظام الفيدرالي، منها: (أ) يجب أن تنشأ الدولة الفيدرالية في السودان بموجب دستور. (ب) الديمقراطية اللبرالية. (ج) السلطة القضائية المستقلة. (د) الحريات الأساسية للإنسان والإعلام الحر. (ه) الفيدرالية المالية والتي يمكن تعريفها: هي إحدى فروع الاقتصاد العام التي تعتني بتوزيع مال الدولة على مستويين أساسيين، رأسي وأفقي. وعلى هذا الأساس فإن مفهوم الفيدرالية المالية هي علاقات التوزيع الرأسي والأفقي لمال الدولة على مستويات الحكم المختلفة. فالتوزيع الرأسي يهدف إلى تحويل الأموال من المستوى الأعلى – الاتحاد – للمستوى الذي يليه – الولاية – وذلك لتلبية متطلبات السلطات الممنوحة للولايات. أما الهدف من التوزيع الأفقي، والذي يتم بين الولايات فهو لتحقيق العدالة في التنمية الغير متوازنة بين الأقاليم المختلفة.
ويمكن أن تطبق سياسات الفيدرالية المالية هذه حتى في النظم المركزية طالما هناك تفويض من المركز للوحدات الدنيا لتنفيذ سلطات محددة. لكن الشاهد في الأمر أن طرق التطبيق تختلف من دولة لأخرى وذلك لإختلاف النظم السياسية نفسها. لهذا يمكن أن نخلص بأن الفيدرالية المالية هي مكملة للفيدرالية الإدارية. ففي بعض الدول نجد أن مالية الدولة كلها تجمع في خزينة واحدة، ثم توزع بعد ذلك على نسبتين، التوزيع الأول يتم رأسياً بين المركز والولايات والنسبة المقررة للولايات توزع أفقياً بين الولايات في بعضها. التوزيع العادل للسلطات الدستورية بين المركز والأقاليم، تصحبه إلتزامات مالية يجب الوفاء بها لانجاز هذه المهام. مثال الجيش والامن يتم الصرف عليهما من مالية المركز في حين الخدمات الصحية المحلية تقوم الولايات بالصرف عليها. إذاً في هذه الحالة لا بد من وجود قانون يضع معايير منصفة لتوزيع مال الدولة للوفاء بالإلتزامات المقررة لكل سلطة. المبدأ العام للفيدرالية الإدارية والفيدرالية المالية، هما في جوهرهما مبدأ واحدا ألا وهو التوزيع العادل للسلطات الإدارية والمالية بين المركز والولايات. لكن هناك بعض المسائل تخص الفيدرالية المالية يجب توضيحها هنا.
(1) في الفيدرالية المالية تنشأ هيئة مستقلة دستورياً، تقوم بجمع مال الدولة كله في خزينة واحدة وهي المسئولة عن توزيع ذلك المال، بهذا يمكن أن توصف هذه الهيئة بأنها الجهة الوحيدة التي تمارس السيادة على مالية الدولة. (2) يتم تأسيس معايير قانونية بعلم كل أجهزة الدولة لتوزيع المال، هذه المعايير تضع في الإعتبار إحتياجات المركز وإحتياجات االولايات للمال المطلوب لفترة زمنية محددة. من أهم بنود المعايير، يلاحظ درجة التنمية الاقتصادية في ولاية ما، حجم مساحة الولاية، عدد سكان الولاية، درجة مساهمة الولاية في الدخل القومي،.. إلخ. هذه المعايير تتغير من وقت لآخر، ومعها تتغير النسب المقررة بين المركز واالولايات، بل من أهم التعديلات في النسب المقررة، هي تلك التي بين الولايات عندما يتم تحصيل نسبة معتبرة في تطوير الولايات الأقل نمواً.
فلسفة النظام الفيدرالي هذه، لها فوائد جمة من ضمنها، تقليل فرص الثورات الإقليمية أو ثورات الأقليات ضد المركز، لأن جميع السكان يشعرون بأنهم مشاركون في إدارة بلدهم وهم بالتالي شركاء في إخفاقات ونجاحات الدولة. أن مشاركة القواعد في السلطة تعزز من فرص التنمية الشاملة للبلد. كما أن من ضروريات تطبيق الفيدرالية الحقيقية، ليس فقط أن عالم اليوم يتجه عموماً إلى تبني النظام اللامركزي في أشكاله المختلفة، بل لأن في تطبيقه يكمن ممارسة الحريات والديمقراطية وبسط السلام والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى برنامج السياسات البديلة.
http://sudanrevolts.wix.com/sfc1

إعادة بناء وإصلاح جهاز الخدمة العامة
إن المرفق الإداري التنفيذي أو الخدمة العامة أضحت في عهد نظام حكومة الجبهة الإسلامية القومية مؤسسة حزبية صرفة لاعتبارات أعلنها وجاهر بها قادة النظام الإنقاذي تحت راية التمكين، ونتيجة لهذا النهج التمكيني أقصي عن الخدمة العامة عدد كبير من الموظفين والعاملين في أجهزة الخدمة المدنية بما في ذلك القضاة وضباط الجيش والشرطة غير المنتمين لتنظيم الجبهة الإسلامية القومية. بلغ عدد الموظفين والعاملين في المرافق المختلفة الذين إحيلوا للاستيداع بدواعي الصالح العام في الفترة ما بين يوليو 1989، وحتى سبتمبر 1993، (76,640). ستة وسبعين ألفا وستمائة وأربعين موظفا عموميا. وحل مكانهم أهل الثقة والولاء الحزبي على حساب الكفاءة والمقدرات العلمية الأمر الذي أدى إلى تدهور الخدمة المدنية وانهيارها.
ترى الجبهة السودانية للتغيير بأن إعادة بناء وإصلاح الخدمة المدنية لا يمر إلا من بوابة المراجعة الشاملة لكل الوحدات الإدارية والخدمية التي تشكل في مجموعها جهاز الخدمة المدنية العامة لإعادة هيكلتها وفقا لل


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1230


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة