الأخبار
أخبار إقليمية
أطباء السودان الحفاة.. قصة نجاح بهرت العالم
أطباء السودان الحفاة.. قصة نجاح بهرت العالم
أطباء السودان الحفاة.. قصة نجاح بهرت العالم


08-21-2014 04:08 AM
تصرفات الساسة عبر الخمسين عاما الماضية نالت من هذه الوحدة و لم تحرص عليها و لم تفلح جميع الحكومات في ادارة التنوع
انسانية أي كاتب او فيلسوف تقاس بموقفه من المرأة فإننا نجد الدكتور حسن بلة يخصص الفصل الثاني من كتابه للحديث عن عظمة النساء
النساء اكثر التزاماً بأخلاقيات المهنة و انهن اقرب للعمل من اجل الآخرين احتسابا و ليس اكتساباً

عرض/ عبد الله الحاج القطيني

لا شك ان دكتور حسن بلة الامين قد كسب الرهان تماما حين راهن علي كتابه الفريد ( أطباء السودان الحفاء قصة نجاح بهرت العالم ) بقوله : ( إني علي ثقةٍ أن القارئ المثقف بغض النظر عن خلفيته و تخصصه ربما يجد ما يشده في الكتاب ) .

و يمضي في رهانه في فقرة أخري قائلا : ( من شاء أن يقرأ الكتاب تراثاً طبياً غير عادي فله ذلك , و من شاء ان يقرأه لإعادة اكتشاف مفاهيم فسيجد بين ثناياه ما يمكن ان يعاد اكتشافه , و من اراد ان يقرأه اساسا لبناء تنموي حضاري فله ذلك , و من شاء ان يقرأه توثيقا و تحقيقا لكونه مشروعا و ليس برنامجا فله ذلك , ومن اراد ان يقرأه لكل ذلك فله ذلك . ان ما كتبته بدأً لاستنهض به من يؤمنون بقابلية السودان للتطور ) .

و بالفعل – و رغم أنني لا أصف نفسي بالقارئ المثقف إلا أنني قد وجدت في الكتاب ما شدني إليه فقرأته بفصوله العشرين و صفحاته البالغة مائتين ثمانية و خمسون بنفس واحد و وجدت انني بالفعل قد جاءني زمن متعت فيه نفسي بالدهشة علي حد التعبير المدهش للشاعر العظيم عمر الطيب الدوش و وجدتني اوافقه في كل وصف لكتابه بانه اساس لبناء تنموي حضاري و انه بالفعل استنهاض لهمم من يؤمنون بقابلية السودان للتطور و ازيد عليه بانه يصلح اساسا لما نسميه نحن الشيوعيين (برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية )في مجال الصحة و لطالما أشرنا الي ان الممرضين و المعلمين هم رسل الحزب في الريف , و قد أشار الكاتب نفسه الي ان الصحة ” قضية اجتماعية سياسية بالدرجة الأولي و ليس قضية تقنيات طبية او تقديم تقنيات لمعالجات حديثة ” .

و انطلاقا من تقريره بان الصحة قضية اجتماعية سياسية نجده في اكثر من فقرة خلال كتابه القيم يشير الي ما جرته عشوائيات السياسية من مطبات دخلت فيه بلادنا و كان من الممكن تجنبها بقليل من الحكمة . فلدي حديثه عن المرحوم علي بدري او يوسف بدري و تردده عليهم و استفادته منهم يقول :” و كنت احدث نفسي منذ ذلك العهد ان لو كان هؤلاء الرجال الحكماء هم مرجعية الحكم و القرارات المهمة في السودان لما ادخلنا هؤلاء الجهلاء المسلطون و هو التعبير الذي استخدمه طيب الذكر ” عبد الله الطيب ” ضمن خطاب ارسله للكاتب في لندن لوصف الحكم العسكري الثاني – لقد أدخلنا الجهلاء المسلطون في دوائر الصراع العربي القذر الكدرة و ادخلنا الجهلاء المسطّلون في دوائر الصراع الأفريقي القذر الكدرة – فلاحظ عزيزي القارئ المقابلة بين المسلّطين و المسطٍّلين .

و يعود الكاتب مرة اخري الي إدانة اولئك الساسة و تفريطهم في وحدة السودان فيقول : ” ان تصرفات الساسة عبر الخمسين عاما الماضية نالت من هذه الوحدة و لم تؤكدها و لم تحرص عليها و لم تفلح جميع الحكومات التي تعاقبت علي السودان – بدرجات متفاوتة – في ادارة التنوع و جعله ضمانا لوحدة ارضه و شعبه ” , و في فقرة اخري يتأسف بقوله :” و لكن مما يؤسف له فان السودان خصوصا في الأزمان المتأخرة هان علي اهله و ولات امره فصار بلداً طارداً غير مستقرٍ ” .

مؤسسة قابلة القرية:

في هذا الكتاب الذي نحن بصدده يسلط الدكتور حسن بلة الامين الاضواء علي (مؤسسة قابلة القرية) في السودان حيث انشئت المدرسة الاولي لتدريب القابلات بمدينة أمدرمان في نوفمبر 192 م0 , و سبق ذلك افتتاح (مدرسة المساعدين الطبيين )عام 1918 م و اضيف أنا من عندي انه في نفس ذلك العام 1918 تم تأسيس نادي الخرجين بأمدرمان و اذا كان المستر سامسونج رئيس النادي قد قال لدي افتتاحه (بأن هذا النادي سوف يلعب دوراً مهماً في تأريخ السودان). فإننا نستطيع ان نقول بالفم المليان و القلم الواثق ان مدرسة القابلات بأمدرمان قد لعبت دوراً مهماً في تأريخ السودان اللاحق و ان لم تفعل هذه المدرسة أي شيء سوي انقاذ حياة النساء و المواليد لكفاها , حيث كانت النساء قبل ذلك يعانين من الولادات المتعسرة و كانت عملية الولادة مرتبطة بالمضاعفات و الوفاة و كانت الولادة عملية مرعبة بسبب الختان و الممارسات غير الصحية و غير النظيفة للقابلات التقليديات غير المدربات ” دايات الحبل ” مما جعل جميع حالات الولادة غير طبيعية و غير مأمونة .

و يقول المؤلف أنه لم يكتب هذا الكتاب لسد فجوة في أدبيات تدريب القابلات و لكن لاكتشافه ان برنامج تدريب القابلات بالسودان لم يكن برنامجاً عادياً اذ احتضن و منذ إنشائه قبل لأكثر من تسعين عاما اغلب ان لم يكن كل المفاهيم السائدة اليوم و التي توصف ” بالحديثة ” الرعاية الصحية الاولية .

فقد أهدي المؤلف كتابه الي ” ارواح نساء عظيمات صدقن النية فعملن فابدعن فاحيين الانفس . المس وولف و شقيقتها جيرترود , الرائدتين المؤسستين الست جندية محمد صالح المعلمة الاولي و الست بتول محمد عيسي الرائدة التي لم تكذب اهلها و ظلت تعطي حتي آخر أيامها و إلي الأحياء من الرجال و النساء اصحاب الرؤية الثاقبة و الحس الوطني العظيم الذين يسعون لتعزيز صحة الإنسان في السودان و اسعاده .

و اذا كانت انسانية أي كاتب او فيلسوف تقاس بموقفه من المرأة فإننا نجد الدكتور حسن بلة يخصص الفصل الثاني من كتابه للحديث عن عظمة النساء و يستدل علي ذلك بقول طبيبة الاطفال البريطانية الشهيرة ” سيسلي وليامز ” عن عمل النساء في المهن الطبية ” ان النساء يمتلكن حضور البديهة و الصبر و الانضباط و تكامل الشخصية و يظهر كل ذلك في مقدرتهن الفائقة علي الاستماع و التبسيط . الرجال لا يطيقون التكرار و يجدونه مملا و لكن النساء يدركن أهمية القيام بالعمل الذي يحتاج لتكرار و يجدن فيه رضاً و راحةً نفسيةً و مثل هذا العمل لا يمكن إلاستغناء عنه في رعاية الصغار و الضعفاء ” .

و يصف الدكتور حسن بلة النساء بأنَهن اكثر التزاماً بأخلاقيات المهنة و انهن اقرب للعمل من اجل الآخرين احتسابا و ليس اكتساباً و اكثر التزاماً لمجتمعاتهن فهن يفضلن البقاء بقراهن و حول اهلهن و بذلك يلبين شرطاً هاماً من نجاح الخدمة الصحية ألا هي الديمومة و الرعاية المتصلة .

و لقد تمثلت هذه الصفات : صفات الصبر و الانضباط و تكامل الشخصية و القدرة علي الاستماع و التبسيط و الالتزام بأخلاقيات المهنة و العمل من اجل الاخرين إحتساباً و ليس اكتساباً اكثر ما تمثلت في اولئك النسوة اللائي أهدي لهن كتابه : مس وولف و شقيقتها جيرترود , الرائدتين المؤسستين الست جندية محمد صالح المعلمة الاولي و الست بتول محمد عيسي , بالإضافة الي م بشائر عباس و احسان عبد الوهاب , و ست السرة و ست عزة و ست الدون و يمكننا ان نضيف اليهم من عطبرة حليمة ماضي و أمونة ماضي و حليمة عزت و ستنا عثمان و آمنة نوري و عائشة احمد و من دامت لها الدنيا التي اسست مهنة الدايات في اليمن .

البداية من لا شئ:

فمس وولف وصلت الي السودان في نوفمبر 1920م تحمل معها دمياء تستخدمها في التدريب و كانت قبل ذلك رئيسة تمريض في الفيوم بمصر , اتت هذه المرأة لتبدأ من لا شيء – مدرسة أمدرمان لتدريب القابلات – و قد اقامت في بيت من بيوت الطين و كانت وسيلتها للتنقل حمارا مستأجرا او المشي علي رجليها , لم تطلب سكناً فاخراً او سيارةً و لو طلبت لما استنكر ذلك عليها لان رصفاءها من الانجليز و هم علي مقربة منها كانوا يتمتعون بكل هذه الامتيازات, هكذا يكون نكران الذات و هكذا تكون القيادة الحقيقية تتنزل الي واقع الناس و لا تتعالي عليهم . و برغم معرفتها ببعض الكلمات باللغة العربية بالطريقة المصرية الا انه كان عليها ان تتعلم الدارجة السودانية لكي تلقي قبولا فاستطاعت ان تتمكن منها في وقت وجيز . و يذكر المؤلف انه عند زيارته لها بإنجلترا بعد اكثر من ستين عاما من تقاعدها عن العمل في السودان اندهش حين سمع منها مقولة سودانية خالصة حين انكسر احد اواني القهوة حين اعداداها حيث قالت : ينكسر الشر ” و يعلق دكتور حسن بلة قائلا ” ان تمكنها لما يمكن ان يسمي قاموس النساء في السودان في ذلك الوقت اكسبها احترام النساء و محبتهن “. الي جانب مس وولف كانت هنالك جندية محمد صالح و التي اعتقد انها اسم علي مسمي فهي بالفعل جندية و يصفها المؤلف بانها الاكثر تميزاً و أنها الرائدة الأولي العظيمة لمهنة التوليد في السودان و كانت احدي متدربات الفصل الثاني في العام 1921 و تصفها مس وولف بانها ” الارملة الشابة الجميلة الذكية ” و تتحدث عن شخصيتها الفذة المتكاملة و تفانيها في اداء الواجب مما ترك انطباعا جميلا لكل من تعرف عليها , لقد ساعدت كثيراً في نشر مهنتي التوليد و التمريض .

حين أصيبت جندية بسرطان الثدي و تدهورت صحتها كتبت مس وولف ضمن تقريرها السنوي عام 1925 ” ان ذهاب الست جندية الذي اقترب سيكون اقصي ضربة للمدرسة انها امرأة ذات شخصية عظيمة و سيكون من الصعب ايجاد البديل لها ” .

حين توفيت جندية عام 1936 كتبت مس وولف بعاطفة جياشة :” في ذات يوم اتمني ان توضع لوحة برونزية في مدرسة الدايات في ذكري الست جندية صالح الباشداية الاولي في السودان لوفائها و تفانيها و شجاعتها . لقد توفيت جندية عندما كنت في اجازة مرضية في انجلترا و اخبرتني اختي جيرترود التي رأتها انها و هي ميتة اشبه بالمحارب المجاهد و لعل ذلك افضل ما يمكن ان يكتب علي شاهد قبرها ” . عند عودة مس وولف قامت هي و اختها بوضع شاهد علي قبر جندية كتب عليه : ” تذكار من سعادة السيدات وولف :- هذا قبر الست جندية صالح يسن , داية متخرجة من مدرسة الدايات مدة خدمتها من 1921 الي 1935 توفيت يوم 19 / 11 / 1936″ . و قد قام المؤلف بتصوير شاهد قبرها بمقابر احمد شرفي بأمدرمان . و في لمسة انسانية قامت الاخوات وولف بدفع اجرة البيت الصغير الذي كانت تسكنه جندية و قد قام الدكتور ديفيد مورلي بعمل اللوحة البرونزية التي تمنت مس وولف في مدرسة الدايات بأمدرمان وفاء لذكري الست جندية صالح .

كل ما استرسلت في القراءة في هذا المؤلف القيم عن نماذج النساء اللائي بدأن العمل في تأسيس مدرسة القابلات في أمدرمان تجدني اتذكر النساء الايجابيات الراغبات و القابلات للتطور ضمن روايات الطيب صالح حسنة بت محمود و حواء بت العريبي , و فاطمة بت جبر الدار و نعمة بت محمود التي كان محور حياتها حسب وصف الراوي الشعور بالمسئولية و القيام بتضحية ما , و التي كانت تتمني ان لو اسموها رحمة بدل نعمة .

امرأة غير عادية:

فبالإضافة الي جندية صالح نطالع سيرة بتول محمد عيسي التي جاءت من رفاعة و لم تترك عملها الا عندما ارتاحت الي الرفيق الأعلى و لم تجن من حطام الدنيا شيئا بل انها علي يقين بان ما قامت به في خدمة الغير كان صدقة جارية فغرست بذلك كل هذا التفاني في كل المتدربات اذ كانت لهن المثل الأعلى الذي يعتزي به , و قد كتبت مس وولف قائلة : ” كانت بتول الداية السودانية الرائدة في تعلم ركوب الدراجة و هي مرتدية ثوبها رغم المعارضة الشديدة لذلك . لقد كانت رغبتها و اصرارها هي المثال الذي مهد الطريق امام الدايات الاخريات لركوب الدراجة , انها بحق امرأة غير عادية في توجهها و نظرتها للحياة ” .

لم يؤثر العمر علي ادائها فقد كانت تعمل بلا انقطاع كالنحلة داخل المدرسة و هي فوق الثمانين , لم تتقاعد و لم تخلع مريلتها و ساعتها اعلي ذراعها الايسر حتي قبيل وفاتها انها صاحبة اطول و اروع سجل في عمل التوليد في السودان و في خدمة الناس .

و قد ذكر المؤلف انه حين قَدم محاضرة عن الصحة الريفية لأطباء و طبيبات الدراسات العليا بكلية الطب جامعة الملك فيصل بالسعودية و اتي علي ذكر بتول محمد عيسي و ما كانت تقوم به من ادوار ما كان من احدي الطبيبات الا ان وقفت و قالت : ” هل بالإمكان ان نرتب زيارة للسودان لنقابل ست بتول و نري ما تفعل ؟ ” و ظلت هذه الطبيبة و زميلاتها و زملائها يلاحقونه لترتيب الزيارة التي لم تتم . و في محاضرة اخري قدمها المؤلف في مستشفى آخر قاطعه جراح سوداني قائلا باللغة الانجليزية ما ترجمته :” لقد جعلتني أشعر كما لم أشعر من قبل بالفخر كوني سودانياً ” .

لله در أؤلئك النساء الشامخات اللائي أسًسن مدرسة كان من أهدافها حسب ما هو مشار إليه في تقاريرها السنوية (تحقيق وجود قابلة او اكثر نظيفة و متنورة و حسنة التدريب في كل قرية من قري السودان ).و كانت القاعدة التي عمل بها مؤسسو البرنامج ” فكِّر كبيراً و ابدأ صغيراً و لكن تحرك الآن ” . لقد كان هدفهم الاكبر هو تغطية كل السودان بهذه الخدمة الحيوية الاساسية ثم بدأوا ” صغيرا بمدرسة واحدة هي مدرسة الدايات في أمدرمان في العام 1921 و تدرجوا في فتح مدارس الدايات في الاقاليم , و الذي يطّلع علي تاريخ أفتتاح المدارس يدرك معني التدرج في التطوير. و هنا لا يفوت المؤلف أن يقارن ذلك بالتوسع السريع و العشوائي في المؤسسات التعليمية و التدريبية في أيامنا هذه و ما ترتب عليه من تدني مستوي الخريجين من هذه المؤسسات و يقول المؤلف : ” علينا ان نتعلم من هذا الدرس العظيم في النجاح عند تخطيط و تنفيذ أي برامج تعليمية او تنموية في بلادنا. أن تجئ ضمن خطة مدروسة من أصحاب الرأي و الاختصاص لا من السياسيين الذين تهمهم المشاريع التفاخرية و الانطلاق من ثورة الي ثورة في التعليم يعني فتح عشرات الجامعات مرة واحدة دون ان تكون هناك البني التحتية او الأساتذة المؤهلون. فتتحول المدارس الثانوية الي جامعات و المباني المستأجرة الي مؤسسات تعليمية ” و اللبيب بالطبع بالإشارة يفهم او بالبلدي كدا ” اسمعي يا جارة نقر الحجارة “.

لقد كانت الفقرة أعلاه من هذه المساهمة ضمن الفصل السادس عشر الذي جاء بعنوان ” قابلة القرية : كيف تحقق النجاح الذي بهر العالم ؟ “

و بحسب المؤلف فالمتأمل في مسيرة مؤسسة القابلات منذ نشأتها يدرك ان (المحافظة علي الجذور الثقافية للمجتمع) في التدريب كانت من أسباب نجاح القابلة في عملها , كان لدي المؤسِسات قناعة بان الصدام مع الثقافة المحلية بغض النظر عن سلبياتها سيكون عامل هدم و كانت السياسية المتّبعة الاعتراف بواقع المجتمع و احترام عاداته و تقاليده اياً كانت . و ان كانت هناك سلبيات فالأسلوب الناجح هو التدرج في التعامل معها . و لذلك قضت مس وولف وقتاً قبل بدء برنامج التدريب تتعلم اللغة المحلية و تكتشف العادات و التقاليد لكي لا تقع في صدام معها , فعلي سبيل المثال تشجع القابلة و تسمح بالنساء كبيرات السن بدعم النفساء معنوياً و نفسياً و تشجيعها .حيث كان من المألوف أن يزدحم بيت المرأة النفساء بهؤلاء النسوة يتابعن الأم في حالة المخاض خطوة بخطوة و طلقة بطلقة و عندئذ تقول كبراهن للبقية :” لندعو لفلانة و نبدأ بالصلاة علي النبي و من ثم يبدأ الجميع في تكرار الاهزوجة الشهيرة :

يا حلال الحاملا

من غلاما جاهلا

البضيقا و يمهلا

جبريل ناجا ربو و جا

و حلالا الما بدور جزا

يا حلّال حلّها

و يا بلّال بلها

العقّد الامور الأمور هو بحلها

و بالطبع كان في ذلك رفع عظيم لمعنويات المرأة في المخاض و شعور بالأمان و الاطمئنان و ان الامور ستسير علي ما يرام حتي النهاية السعيدة المرجوة و صرخة المولود للحياة . و كانت القابلة تعلّم الأم الطريقة الصحيحة لاستحمام الطفل و تشارك الأسرة في رحلة الذهاب الي النهر في المناطق النيلية لغسل وجه و ارجل الوليد تيمنا بماء النيل المبارك .

و لم يكن من السهل إستمالة الحوامل لعيادة رعاية الحُمّل عندما بدأت هذه العيادة و هنا تجلّت عبقرية مس وولف و من بعدها من الباشدايات السودانيات حين فكروا في استخدام مثل او تشبيه يسهل فهم النساء لأهمية متابعة الحمل فوجدن ضالتهن في الحَلّة فكان منطقهن مع النساء :” أذا كان لديك حلة علي النار هل كنتِ لتتركين الطعام ليحرق و يتلف أم أنك تكشفين الحَلة من وقت لآخر لتري حالة الطبخ ؟”. لقد كان هذا المثال مقنعاً و منطقياً للنساء فجئن لمتابعة الحمل في العيادة التي اقيمت في مدرسة الدايات و من يومها صار كشف الحَلّة مصطلحاً معروفاً للرعاية أثناء الحمل حتي في المستشفيات . بعد تبني مفهوم كشف الحَلّة جاءت النساء الحوامل بأعداد كبيرة في السنة الاولي1930 م. و منذ ذلك الوقت صار كشف الحَلّة شيئاً محبوباً لدي النساء .

و واصلت الدايات إبتكار الوسائل للتواصل مع النساء و سوف نواصل البلاغة في الايجاز و الواقعية في النصيحة و علاقة كل ذلك برعاية المرأة اثناء الحمل في نصائح الداية للمرأة الحامل :-

” الداية لازم تفّهم المرأة الحامل بالمَثَل فتخاطبها قائلة : لما دايرة تبني بيت يا قطية جديدة بتجيبي بنّا شاطر و لا بنّا غشيم ؟. لازم أساس البيت يتخته سمح و الشِعبة متينة في شان تسند العرِش و ان كان العرِش ما سمِح المطر بتخسّر البيت . المرة الحامل لازم تشبه البنّا الشاطر في شان هي لازم تخُت أساس الجني سمِح لحدي العرش ان كان دايره صحتها و صحة الجنا تكون شديدة . الإهمال و الكسل في جية الحامل للكشف و لما هي ما بتسمع و لا بيستعمل نصايح الداية ممكن يسبب ضعف يا مرض للام و للجني في البطن , و حتي إن كان الجني يتولد حي و يعيش ممكن طول عمرو صحتو ما تكون شديدة بسبب الأم ما ختت أساس سمح ” .

و نتيجة لهذه الجهود الجبارة كان من الثمار المبكرة في مؤسسة القابلات ان تمت التغطية العالية بخدمة التوليد و وصولها الي الغالبية العظمي في القري و الاحياء. فمنذ اواخر الاربعينيات من القرن المنصرم تمت تغطية اكثر من 60% من السكان بهذه الخدمة الضرورية و انحسرت وفيات الامهات بسبب الحمل و الولادة و وانحسرت وفيات الاطفال خصوصا من مرض التيتانوس و اجتازت المؤسسة اختبار الزمن .

بقي ان تعرف ان الباشدايات السودانيات المشرفات علي هذه المدرسة كنّ أميّات لا يعرفن القراءة و الكتابة و هذا ما يؤكّد قابلية السوداني للتطّور الأمر الذي نوّه له المؤلف منذ بداية الكتاب .

تراجع للخلف:

الفصل التاسع عشر من الكتاب خصصه الكاتب للواقع المُر لمؤسسة القابلات اليوم حيث تحسّر علي مصير مدرسة القابلات بعد أن أصابها ما أصابها من تآكل حيث اهملت مدارس القابلات و لم تنشأ مدارس جديدة بل وصل الحال الي اغلاق بعض المدارس بمبرر ضعف الميزانيات لإجراء اعمال الصيانة و غيره و اهمل التدريب و الاشراف و تناقص عدد القابلات في القري و الأرياف و المناطق النائية و نتج عن ذلك ارتفاع غير مسبوق في وفيات الامهات حيث بلغ عدد وفيات الامهات بسبب الحمل و الولادة و فترة النفاس في عام 2009م ذروته و تراجع السودان للخلف ليحتل الصدارة في معدلات وفيات الامهات عالميا حيث وصل المعدل حسب الأرقام الموثوقة بين 500 الي 2000 حالة وفاة في كل 100 الف حالة ولادة فهذا أعلي معدل لوفيات الامهات في العالم .

و بالطبع فالحال من بعضو لأن العقلية الطفيلية الشريرة التي دمّرت مدرسة الدايات لتفتح الباب للمستشفيات الخاصة مستشفيات خمسة نجوم عالية التكاليف هي نفس العقلية الطفيلية الشريرة التي دمرت السكة حديد و مشروع الجزيرة و معهد بخت الرضا و مدرسة جبيت الصناعية و تواضع امامهم تأثير الثور في دكان الصيني لأن ذلك الثور المسكين اكتفي بان كسّر الصيني بحيث يمكنك ان تعالجه بصباع امير او خلافه و لكن الثور الذي سلطته الطفيلية علي الصيني لم يكتف بان يكسِّر الصيني و لكنه بعد ان كسّره انسحك فيه و طحنه طحناً محوّلاً إياه إلي دقيق و هباء لا يمكن معالجته فقط تتعوض فيه صاحب العوض , و بالفعل هم مجموعة أوباش جاءوا من الغابة لتوهم و ليتها كانت غابة طبيعية و لكنها غابة طبقية جمعت اسوأ ما في المملكتين : الأنانية و الحقد الطبقي .

الميدان


تعليقات 10 | إهداء 0 | زيارات 8720

التعليقات
#1086249 [صبري فخري]
0.00/5 (0 صوت)

08-22-2014 01:21 PM
ان الفتى من يقول هأنذا وليس الفتى من يقول كان أبي
أكاد ان أجزم بأن السودان لم يعرف الرجال منذ ان قام فيهم شيخ الكذابين المهدي وصدقه الناس والعلماء رغم كذبه بأنه المهدي المنتظر و توالى علينا الكذابون منهم من ادعى بنسبه ﻵل البيت كالمراغنة والكذاب الترابي الذي جاء يبشرنا بالمشروع الحضاري مستعينا بالجنرال الذي كانت تطارده هذه الصفة وهو طالب في الكلية الحربية. .. وللأسف أكد أحد اصحابي بأن الكذب ليس حصريا في الزعماء انما تعدى الى عامة الشعب حتى أن كشك كان يستعيذ من عاريات مصر ودجاجلة نيجيريا وكذابين السودان ... قديمنا كحاضرنا مخجل تماما ... كم عدد علماء اللغة العربية الذي رباهم عبد الله الطيب .. كم عدد علماء طب الاعصاب الذي رباهم داؤد مصطفى ... كم عدد اخصائي جراحة التجميل الذين خرجهم عبد العال و ياجي وعبد الله الحاج موسى ... انجاز ب. بليل هو منع امتحانات الزمالة في الخرطوم .والاسماء لا حصر لها .. حملوا معاول الهدم .. ولا يجنى من الشوك العنب .. الامم لا تبنى بالكذب .. انما بالصدق والامانة و عزيمة الرجال قالها المبعوث الامريكي قريشن عندما رأى بأم عينية كيف تزور الانقاذ الانتخابات في 2011 .... 0123652351

[صبري فخري]

#1086147 [المر]
0.00/5 (0 صوت)

08-22-2014 08:41 AM
استميح الكاتب عذراً واهدي الكتاب للوزير السمسار جلد التمساح مامون حميد

[المر]

#1085991 [ودالباشا]
0.00/5 (0 صوت)

08-21-2014 11:19 PM
شيئاً لايصدقه العقل ما اعظم الاجداد وقد وضعوا الاساس المتين ينتابنا الفخر بهم والحزن والالم بما فعلته الانظمة التى اضاعت بل دمرت هذه الارث انه الالم الحقيقى لكل سودانى دون استثناء ثم اتوا الكيزان لسحقواكل ما تبقى تحت ارجلهم ثم تجاوزا دمار وطن الى تلاشيه من الوجود وهذه النهاية الحنومه اذا لم تحصل معجزة او يفيق الشعب من سباته.

نرجو ان تدلونا بكيفية ايجاد نسخ هذا الكتاب القييم كما ارجو ان تفيدونا البروف الكبيرحسن بلة هل هو شقيق بروف عبدالمنعم الذى كان مقيم بأبوظبى وكان له باع فى الدعوة الاسلامية مع كبار علماء الدين امثال الشيخ الجليل احمد ديدات

[ودالباشا]

#1085950 [ود الركابي]
0.00/5 (0 صوت)

08-21-2014 09:44 PM
بلد عظيم حاكمنه اقزام ..

[ود الركابي]

#1085581 [عبد الرحمن محمد الحسن]
4.00/5 (1 صوت)

08-21-2014 02:34 PM
شكرا للكاتب وللمؤلف وللراكوبة، نحن في حاجة فعلا لمعرفة مثل هذه الوقائع التاريخية التي تثبت أننا بمكن أن نتطور وأن نفيد شعبنا، فهذه نماذج نسائية خيرة ينبغي أن نعمل على اعادة انتاجها بصورة عصرية تعيد لنا أمجادنا وتضعنا في الموقع الملائم لنا،، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإفساح المجال أمام العلماء وجعلهم في مقدمة برامج التطوير والتحديث.. ومبدئيا يمكن تسمية جامعات أو كليات بأسماء أولئك النسوة الرائدات، لكن ذلك يفترض وجود ثورة في المفاهيم تتحقق ضمن الثورة الشاملة بإذن الله..

[عبد الرحمن محمد الحسن]

#1085365 [عدو المنافقين والظالمين واللصوص]
5.00/5 (2 صوت)

08-21-2014 11:48 AM
لقد اضعنا ارثا غنيا ومسارا سالكا لدروب التطور والنهوض بسبب ملاحم حزبية وسياسية تتشابك اشواكها بفرع الدناءة والطفيلية الكريهة... لقد اضاع السياسيون كل ذلك وسط تناطحهم ونبيحهم لنيل اغراضهم الدنيئة غير ابهين بمستقبل الوطن...القاسم المشترك بينهم هو ملئ خزنهم بالاموال وملئ جيفهم بموائد الطعام... بينما تجتهد وولف وجندية وبتول لرسم الفرحة داخل كل بيت سودانى!!!!

[عدو المنافقين والظالمين واللصوص]

#1085266 [سيف الدين خواجة]
4.50/5 (3 صوت)

08-21-2014 10:25 AM
عام 1991وحده وفي يوم واحد توفت اكثر من 11امراة بسببواحد هو الاهمال والتننس في غرفة العمليات وفي مدني 7 نساء في يوم واحد وحين احتج الجراح ببوسودان ابوسن بان غرفة العمليات لاتحتاج اكثر من 500دولار لصانتها وتعيقمها تم حبسه وتقديمة للمحاكمه حتي تم تشريده للسعودية

[سيف الدين خواجة]

#1085166 [الدنقلاوي]
5.00/5 (1 صوت)

08-21-2014 08:22 AM
شكراً لك استاذ عبدالله على هذا العرض الأمين والمحب لهذا العمل الذي جعلنا وفي لحظة نادرة جداً نشعر بالفخر كوننا سودانيين .. وشكراً للكاتب د. حسن بلة فكاتبه هذا أوضح بجلاء أن المسألة "الرعاية الأولية" ليست فلوس وإمكانيات " فكوبا وحتى جارتنا شبيهتنا إريتريا بهما منظومات للرعاية الصحية الأولية المتطورة جداً مقارنة حتى بالغرب" الأمر أمر تخطيط وإخلاص وتفان وحب للمهنة وللناس وهي قيم كدنا ننساها في سودان الإنقاذ.

[الدنقلاوي]

#1085145 [شاهد اثبات]
4.88/5 (6 صوت)

08-21-2014 07:14 AM
سياحة ممتعة في كتاب شوقتنا لقراءته وذكريات القابلة حليمة ماضي في عطبرة
فعلا كتب مثل هذه تؤرخ لموت المرافق الخدميةوالانتاجية التي تركها الانجليز قد تسهم في وعي الكثيرين
عن التريخ الطبي للسودان وكلية الطب
المؤسف حتي هذه اللحظة لايوجد موقع سوداني مانع جامع يعرض ما يكتبه السودانيين ويطبعونه وينشرونه في الخارج اتمنى ان يصمم احد البارعين موقع باسم-المكتبة السودانية- يعرض فيها كل الكتب السودانية نسخ الكترونية بي دي اف او نسخ ورقية ترسل بي البريد حسب الطلب وانا متاكد هذا المشروع ناجح 100% وسيتواصل معه الكتاب والشعراء الذى لا يتبعهم الغاوين وكل المبدعين السودانيين والاكاديمين ايضا

[شاهد اثبات]

#1085137 [ahmed]
3.00/5 (2 صوت)

08-21-2014 05:43 AM
الرجاء إخطارنا عن كيفية الحصول علي نسخة من هذا الكتاب في دول المهجر أو وضعه علي صفحات الراكوبة بالإتفاق مع الكاتب ولكم الشكر

[ahmed]

ردود على ahmed
Saudi Arabia [حارن بن حارن] 08-21-2014 10:53 AM
عنوان الكاتب
المملكة العربية السعودية (المنطقة الشرقية)الدمام جامعة الملك فيصل كلية الطب البروفيسور حسن بله محمد الامين++ لا اعلم رقم التلفون أو الايميل لكن يمكنك ان تراسل كلية الطب لمعرفة كامل العنوان . مع تحياتى



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة