الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
إشكالية الموت والحياة .. قراءة في سفر ألف دال (1 / 7)
إشكالية الموت والحياة .. قراءة في سفر ألف دال (1 / 7)
إشكالية الموت والحياة .. قراءة في سفر ألف دال (1 / 7)


09-02-2014 10:34 AM
المدارات الشاجية الحزينة للموت تنفتح في ديوان 'العهد الآتي' لأمل دنقل وتتقاطع وتتشابك مع مدارات الحياة للتأكيد على رفض الموت والتمرد عليه.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. مصطفى بيومي عبدالسلام

سقط الموت وانفرط القلب كالمسبحة!

قصيدة "سفر ألف دال" للشاعر أمل دنقل هي إحدى قصائد ديوان "العهد الآتي" (1975)، الذي تنبنى تشكلاته الشعرية على ما يمكن أن نطلق عليه المحاكاة النصية لنصوص العهد القديم والعهد الجديد، بحثاً عن مملكة أخرى ليست من هذا العالم، وزمن آخر نقيض يغاير زمن العهد القديم والجديد معاً.

إن أول ما يلفت النظر، ويستدعي الانتباه أيضاً، هو أن أمل دنقل يُصَدِّر ديوانه بمقولتين من العهد القديم والجديد هما:

- قال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر (العهد القديم، تك 22: 3).

- مملكتي من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود (العهد الجديد، يو 36: 18).

هل يعني هذا أن أمل دنقل يكتب على غرار العهد القديم والعهد الجديد بحثاً عن العهد الآتي؟ ربما يكون ذلك صحيحاً من الناحية الشكلية، لكن ما تشير إليه المقولتان يلح على فكرة المعرفة التي يتمتع بها الإنسان، والتي تمكنه أن يعرف جيداً أن العالم ليس عالمه، وأنه بحاجة إلى صياغة مملكة أخرى يسودها العدل والحرية والتقدم، وتقوده المعرفة إلى عملية البحث عن العهد الآتي أو كتابته، "فالشاعر يطمح إلى أن يكتب لنا إنجيل العصر الحديث الذي يقف مع العهدين القديم والجديد، بل ينزع إلى الحلول بديلاً عنهما، والمحور الاستبدالي الكامن من وراء النسق الشكلي للديوان كله يتمثل في أن متلقيه لا يسعه إلى أن يستأنف فهمه ابتداء من الصفر، فهو يستلزم أسفاراً ومزامير سابقة، ثم سابقة، ثم يطرح نموذجاً جديداً يحاكيها وينقضها" على حد تعبير الناقد د. صلاح فضل.

وعلى الرغم من أن عنوان الديوان بالإضافة إلى عناوين القصائد مثل: الأسفار والمزامير والرسوم والأوراق تحيل للوهلة الأولى على عملية تشييد للعهد الآتي أو الإنجيل الجديد الخاص بالعصر الحديث، فإن القارئ لهذا الديوان، ربما لن يتمكن من أن يقرأ شيئاً عن العهد الآتي أو المملكة الأخرى التي لا تنتمي إلى هذا العالم، وما يمكن أن يراه القارئ، حقاً، هو تلك المدارات الشاجية الحزينة للموت، يقول أمل في سفر الخروج:

سقط الموت وانفرط القلب كالمسبحة!

والدم انساب فوق الوشاح!

المنازل أضرحة

والزنازن أضرحة

والمدى أضرحة.

لكن تلك المدارات الشاجية الحزينة للموت في ديوان "العهد الآتي" لا تنغلق على نفسها وتتمركز حول نقطة واحدة في فعل يؤكد الاستكانة والاستسلام والشعور بالعدم، كما نلمح ذلك في ديوانه الأخير "أوراق الغرفة 8" (1983)، يقول أمل في قصيدة "لعبة النهاية":

أمس: فاجأته بجوار سريري

ممسكاً - بيد – كوب ماء

ويد – بحبوب الدواء

فتناولتها ... !

كان مبتسماً

وأنا كنت مستسلما

لمصيري!!

ويقول أيضاً في "بكائية لصقر قريش":

سنة تمضي، وأخرى سوف تأتي

فمتى يقبل موتي ..

قبل أن أصبح ـ مثل الصقر ـ

صقراً مستباحاً!؟




إن تلك المدارات الشاجية الحزينة للموت تنفتح في ديوان العهد الآتي وتتقاطع وتتشابك مع مدارات الحياة للتأكيد على رفض الموت والتمرد عليه، هذا التقاطع والتشابك والالتباس يشير، أولاً، إلى أن ثمة إشكالية للموت والحياة في هذا الديوان، ويشير، ثانياً، إلى أن إنجيل العصر الحديث (العهد الآتي) يستوعب ويشيد هذا الإشكال.

وإذا كنا في هذا الدراسة نحاول أن نشخص إشكالية الموت والحياة في قصيدة "سفر ألف دال"، التي سوف نثبت نصها كاملاً في الفقرة اللاحقة من هذه الدراسة، فإنه ينبغي علينا قبل كل شيء أن نوضح أمرين، يتعلق أولهما بمصطلح "الإشكالية" المستخدم في هذه الدراسة، ويتعلق ثانيهما بنوع القراءة التي نقوم بها.

فيما يخص مصطلح "الإشكالية"، فهو من المصطلحات التي يشيع استخدامها بصورة تلفت الانتباه في الفكر العربي المعاصر، وربما أحياناً بصورة ترادف مصطلح "المشكل" في الفكر العربي القديم؛ وجذرها اللغوي يحمل جانباً دلالياً من معناها الاصطلاحي، يقال: أشكل عليه الأمر بمعنى التبس عليه واختلط، وأمور أشكال: ملتبسة، والأشكلة: اللبس. ومصطلح الإشكالية يختلف عن مصطلح "المشكل" في الثقافة العربية الذي هو: اسم فاعل من الإشكال، والداخل في أشكاله وأمثاله، وهو – أيضاً – الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعنى لدقته في نفسه لا بعارض فكان خفاؤه.

والإشكالية ترجمة لمصطلح Problematic الذي شاع استخدامه في الفكر الفلسفي ونظرية الأدب والنقد في الغرب منذ السبعينيات أو قبل ذلك بقليل، خصوصاً عندما أعطاه تعريفه الدقيق الفيلسوف لويز ألتوسير في كتابه "من أجل ماركس" (1965). والإشكالية تعني: "وحدة مجموع الفكر الذي لا تستطيع عناصره المنفصلة أن تكون معزولة منها، وتحدد الإشكالية مـا يمكن وما لا يمكن أيضاً أن يكون موضع تفكير داخلها".

إن مصطلح الإشكالية يشير إلى مجموع المشاكل أو التساؤلات المرتبطة في شبكة علائقية واحدة، ولا تقبل هذه المشاكل أو التساؤلات الحل منفردة، ولكن تستجيب إلى حل عام يشملها جميعاً.

إن إشكالية الموت والحياة في قصيدة "سفر ألف دال"، طبقاً لما أشرت إليه أعلاه عن مصطلح الإشكالية، تعني أن ثمة مجموعة من التساؤلات أو المشاكل التي تخص الموت والحياة، ولا يمكن أن نعزل تساؤلات الموت عن تساؤلات الحياة، فهذه التساؤلات تشكل، فيما أظن، وحدة الإشكالية في نص "سفر ألف دال"، أو بعبارة "جابر عصفور" تشكل: "معاني الموت في الحياة والحياة في الموت".

أما نوع القراءة التي نقوم بها لتشخيص إشكالية الموت والحياة في "سفر ألف دال"، فإننا نعمد إلى نوع من التأويل يطلق عليه فلاسفة الهرمنيوطيقا "التأويل التشخيصي"، وهو نوع من التأويل يعالج النص بوصفه العرض لشيء ما ليس نصياً، شيء ما أعمق افتراضاً يصبح المصدر الحقيقي/الفعلي للتفسير.

أي أن ما نقوم به هو قراءة نص "سفر ألف دال" بوصفه عرضاً لإشكالية الموت والحياة. إن هذا النوع من التأويل يهمل الخصائص النوعية للموضوع المؤول، أي أن موضوع التأويل يصبح علامة أو علامات لشيء ما آخر.

وربما يكون هذا النوع من التأويل فعلاً هرمنيوطيقياً غير مرض عند من يعتنون بالخصائص النوعية للنصوص، ولكنه قد يكون على قدر كبير من الأهمية إذا نظرنا إلى النصوص بوصفها ممارسات ثقافية دالة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1323


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة