الأخبار
منوعات سودانية
الكاتب السوداني عماد البليك في صالون"أثير" الثقافي : السرد الجديد يقوم على وعي للعالم
الكاتب السوداني عماد البليك في صالون"أثير" الثقافي : السرد الجديد يقوم على وعي للعالم
الكاتب السوداني عماد البليك في صالون


08-04-2014 12:59 AM
مسقط - عبدالرزّاق الربيعي

أكّد الكاتب السوداني عماد البليك إن للمكان دوره في تشكيل المخيلة الروائية والاقتراب من عوالم السرد والأدب والفنون بشكل عام، وقد مثّلت مدينة بربر التي ولد فيها الكاتب في شمال السودان مثلت منطقة تقاطع حضاري بين ثقافات قادمة من المشرق والمغرب العربي والأفريقي. تلك المدينة التي كانت مركزا للسودان الشمالي في العهد التركي (1821-1885) والذي انتهى بثورة الإمام المهدي الذي حرر السودان. فالأثر التركي قديم في السودان كما ورد لاحقا في رواية شاورما. وبهذا فبربر بها من كافة القوميات والعرقيات.

جاء ذلك خلال استضافة صالون"أثير "الثقافي له في أمسية أقامها الصالون مساء أمس-الثلاثاء- بمقر "السبلة للحلول الرقمية بالعذيبة ، بمناسبة صدور روايته الخامسة"شاورما" ،حضرها عدد من المهتمين، وأدارها الباحث ناصر أبوعون الذي تحدث عن السيرة الذاتية للبليك موضّحا إنه أحب الصحافة، وعمل فيها رغم خلفيته الهندسية، وهو كائن ليلي وإنه يعيش معركة في إبداعه بين القديم والحداثة لهذا وقع في إشكالات مع النقاد في بعض الأحيان من حيث تفهم مقاصد أعماله الروائية، بعضهم اتهمه بأنه لا يهتم بقضايا بلده ويذهب ليكتب عن بلدان أخرى، ورأى أبو عون أن البليك يتحرك في فضاء ومحيط الإنسانية وليس بهاجس المكان، وأن الرواية عنده تقوم على ما يشبه مجموعة قصص قصيرة مركبة بشكل متقن تنتهي بإغلاقات محكمة. و إن البليك يسائل الأشياء ويقدم وجهات نظرية فلسفية حولها، وهو لا يهدأ مفكرا في المعنى والمغزى وما وراء الوقائع. وأنه من خلال أعماله يكتب تاريخا آخر لبلده يتجاوز الرسمي والشعبي حيث يجعل عمله يعتمد في الغالب على خلفية تاريخية لكنه ليس التاريخ المفهوم والواضح الذي يعرفه الناس.

وتكلم أبوعون عن الاصدار الأخير للبليك ،رواية "شاورما" التي تعالج جدليات كثيرة في ثلاث حقب من تاريخ السودان الحديث، تنتهي بالعهد الراهن، وأن الأتراك يبرزون فيها عبر تاريخهم القديم كمستعمر للسودان ودورهم حديثا الذي يعيد البليك اختراعه في الرواية ذات الصبغة الإنسانية والتي تسعى لكسر الحواجز بين الشعوب والبشر، وأنها تصور تمزقات السودان وتحولات مجتمعه والنفس البشرية وغيرها من المعاني الممتدة.

وقال أبوعون "إذا كانت الصحافة مقبرة الأدب فقد أثبتت تجربة البليك العكس، حيث استطاع أن يستفيد من الصحافة في إبداعه في الدقة والالتزام والحرفية. واشار إلى أن البليك من الكتاب الذين لا يحبون الظهور في وسائل الإعلام ولا المنابر، فنادر ما تراه، حيث يعكف على مشروعه الإبداعي.

وتحدث البليك عن طفولته فكونه الولد الأكبر من بين تسعة أبناء، جعله يقع تحت سلطة العائلة والمجتمع ، إذ عليه أن يتمثل خطى والده، وكيف إنه عاش طفولة جميلة مع أبيه يعمل بالدكانة في سوق المدينة، وكيف اكتشف عالم الكتابة مبكرا حيث كتب الشعر أولا ومن ثم الرواية لاحقا. وكانت تلك المرحلة هي المنبع الإبداعي والمصدر الذي لا ينضب، حيث يعتقد أن الطفولة والصبا في التحامها مع المكان تشكل الجذور للشخصية الإبداعية فيما بعد ،ثم تكلم عن الشعر بوصفه يشكل الأساس لبناء المخيلة العربية، وإن السرد رغم توسعه أو ما يعرف بطوفان الرواية لا يخصم من حضور الشعر، وأن أي بداية للكاتب غالبا ما تكون هي الشعر، وقال إنه مايزال يكتب الشعر لكنه لا ينشره حيث يراه تجربة ذاتية. وذكر إن بعضا من التجارب الكتابية الروائية تكون شعرية أكثر من كونها سردية في البدايات، لكن الكاتب يتجاوز ذلك مع الوقت، وأن ذلك حدث معه في أول رواياته "الأنهار العكرة" التي وضح فيها الشعر بدرجة أكثر.

ولخّص تجربته السردية من التجريب إلى ما اسماه بالاكتشاف حيث تعرّف على روح السرد عنده، عبر أعماله الروائية الخمس، وكيف أنه أهتم بالشخصيات وبعضها واقعية مثل عدي صدام حسين الذي صنع منه رواية "دنيا عدي" التي كتبها بعد الحرب الأمريكية على العراق وصدرت في 2004، وحررت وثيقة فنية عن المشهد العراقي، وكيف أن بعض النقاد رفض تجربته في الكتابة خارج الحدود السودانية بظن أن الأدب ينطلق من المحلية، لكنه أكد أن الرؤية عنده تنطلق من إنسانية الأدب وتجريده من فكرة المكان التقليدية، فهو يؤمن بالعالم كمكان للمشترك الإنساني وفضاءات النصوص، وقد أوضح ذلك في روايته الرابعة "القط المقدس" التي تدور أحداثها في فرنسا، وتحكي عن ثورة الشباب في نهاية الستينات ونهاية عصر ديغول، وبطلها أيضا شخصية واقعية هي الفنان الفرنسي بالتوس الذي تخصص في رسم القطط، وقال إن روايته التي لم تنشر عن القذافي كتبها في 2007 بعنوان "رسام الآلهة" أيضا تستلهم شخصية واقعية ولكن بشروط فنية، حيث يظهر فيها القذافي منتصرا لفن الرسم في مقابل مجازات اللغة.

كما تعرّض البليك لذكر رواية "دماء في الخرطوم" ذلك العمل الثالث في المسيرة الإبداعية والذي صدر في 2008 وكيف اشتغل فيه بطريقة بوليسية على استدعاء وقراءة الواقع الاجتماعي السوداني. وبعض النقاد أيضا واجه الرواية بكونها فيلما مستلفا من المكسيك وليست رواية سودانية، لكنها وجدت قبولا معقولا لدى أوساط مثقفين وعامة القراء ومع صدور رواية "شاورما" في مومنت بلندن بطبعتين ورقية وإلكترونية، تغيرت الأشياء فخلال وقت وجيز منذ شهر على صدورها وجدت صدى طيبا وكتبت عنها عشرات المقالات والتغطيات وهذا جعل الكثير من القراء يسألون عن الأعمال السابقة.

وحول "شاورما " قال "هي سيرة كفاح إنساني في رحلة قام بها صبي فرارا من عائلته المفككة إلى أن تبنته أسرة تركية في الخرطوم ليصير بعدها من وجهاء المجتمع، غير إنها رحلة طويلة ومعقدة جدا ولم تكن سهلة، كما أنها تحاول أن تصور كيف يمكن للإنسان أن يصل من الحضيض إلى القمة اعتمادا على قدراته وثقته بذاته ومهاراته وكيف يتعلم من مدرسة الحياة"

ويرى البليك "إن السرد الجديد يقوم على وعي للعالم وقاعدة معرفية لابد منها، ليس الأمر مجرد أن تجلس وتكتب اعتمادا على الذاكرة والمخيلة إذ لابد من تجهيز كاف للكتابة بما في ذلك قراءات عن الواقع ومراجعة الوثائق وغيرها. لكن بمجرد أن تبدأ النص فإنه يقودك ربما أحيانا لغير ما قررت له. والأدب الجديد في الرواية واقعي لحد ما لكنها واقعية من نحو خاص كما أسماها الدكتور عبد الله إبراهيم "الفصاحة الجديدة" وهذا يعني النظر إلى محصلة سياق النص الروائي وليس الأسلوب فحسب أو التكنيك أو الشخوص وغيرها. فهي عملية تكاملية تشبه بناء فيلم سينمائي.

ووصف الذاكرة الثقافية السودانية بأنّها شعرية في الأساس، لكن السنوات الأخيرة ومنذ مطلع القرن الجديد شهدت انفجارا روائيا في السودان ،إذ كتبت عشرات الروايات التي عالجت مسائل مختلفة من الواقع السياسي والاجتماعي السوداني، كما إن الكتابة تحررت من أثقال المكان وعبء التقليد المباشر وكان ثمة أسئلة حول موقع الذات من العالم وماهية السودان، هل هو بلد يتشكل أم أكتمل حيث يرى الكاتب أن السودان يخوض فترة يشهد فيها مخاض ميلاد جديد، خاصة بعد انفصال الجنوب.

وأكّد وجود تأثير للصوفية في الشخصية السودانية، وفي بناء الوعي المجتمعي، ولهذا انعكاس في الأدب السوداني، وفي رواية "شاورما " توجد شخصية تماثل نبي الله الخضر الذي يظهر لبعض الناس فيهب لهم الخير بعد أن يعرضهم للاختبار. والصوفية السودانية هي مزيج بين الروحانية والتجسيد القائم على بعض الفنون الأفريقية التي يتم توظيف الجسد فيها كذلك استخدام أدوات كالطبل.

وحول تاريخ السودان قال "إنّ هذا التاريخ كان حاضرا في الأعمال الروائية لكنه ليس التاريخ المفهوم بالمعنى الدارج. بل هو التاريخ بمنظور فني. إذ يستلهم الكاتب كما يقول العديد من الموروثات والتراثيات ولكن بالشكل الذي يراه يخدم الغرض الإبداعي. هو لا يهتم بالشكل ولكن بالمضامين العميقة وإعادة إنتاج الحقب المختلفة كخلفية للأحداث"

ورأى إن الرواية يحكم على نجاحها القارئ، فهو الذي يقرر هل هذه الرواية جيدة أم لا، ويقف مع صف الرواية الواقعية لكنه ليس الواقع بمعناه التصويري المباشر وأنه منذ "دون كيشوت" إلى اليوم ثمة التباس وغموض حول ماهية الرواية بالضبط. ويشير إلى ميلان كونديرا والياباني هاروكي ماروكامي ويرى "إن الأدب الجديد تكتبه آسيا لاسيما شعوب الهند واليابان وهو أدب يماس الواقع الإنساني ويشخصه ويقترب من الأسئلة العميقة، وأن الرواية هي رحلة صعود أو انهيار أو حب حزين أو مغامرة وجودية تقريبا كما يحدث في الأفلام الهندية فأنت قد تعرف نهاية القصة من بدايتها لكنك أيضا سوف تتابعها فالمسألة ليست مجرد عقدة يتم حلها، وأن الرواية لحد كبير ترتبط بسياق الطبقة الوسطى في المجتمع أكثر. ويرى أن المدارس المختلفة كالواقعية السحرية أو الفنتازيا أو غيرها ليست ضرورية لتعريف النص، المهم هو العمل في حد ذاته ماذا سنفهم منه.

وحول الجوائز على مستوى العالم العربي و العالم أكّد إنها ليست دليلا على أن النصوص الفائزة هي الأفضل، فهي تخضع لمعايير فنية تحكمها اللجان وربما المزاج والشللية وكذلك عوامل سياسية وغيرها، لهذا فإن الإنصاف الحقيقي للكاتب يأتي من خلال القارئ والقدرة على الصمود أمام التاريخ وأن كتاب كثيرين لم يتم اكتشافهم إلا بعد مضي سنوات طويلة أو بعد موتهم، وأن الجائزة لا تكتشف أحدا بدرجة كبيرة. هناك روايات فازت بجوائز وكتاب كذلك، وفي النهاية لا أحد تذكرهم أبعد من اللحظة التي وقع فيها الحدث.

وقال "إن الكاتب السوداني يواجه واقعا صعبا يتطلبه أن يوازن بين أمور كثيرة ليكون بمقدوره أن يبدع أو يكتب ومن ثم ينشر، والنشر هذه قصة أخرى طويلة ومعقدة في ظل بحث الناشرين عن المال وقليل منهم يفكر في الإبداع الحقيقي. كذلك فإن الكاتب السوداني مشغول بالمعاش اليومي وهو أسير ضغوط وإرهاقات السياسة وأفعالها، وهو كذلك فيه شيء من الزهد باتجاه أن يُعرِّف نفسه للآخرين، وأحيانا يكون مثاليا بدرجة غير صحيحة"

ودارت نقاشات مع الحضور أثرت الجلسة التي هي الأولى للبليك في "مسقط"رغم إنه يقيم بالسلطنة منذ سنوات ، وذلك ليس انزواء عن الوسط الثقافي ، بل لأنه كما وصف "أبوعون" "كائن ليلي"يدخل مقرّ صحيفة"عمان" التي يعمل سكرتير تحريرها مساء، ليخرج منها بعد أن يدفع الصفحة الأولى للمطبعة وقبل صياح الديك .
atheer.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 550


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة