الأخبار
أخبار إقليمية
كشف أحوال الصحافة تحت ظلال الإسلاميين وكسوب "الكيزان"
كشف أحوال الصحافة تحت ظلال الإسلاميين وكسوب "الكيزان"



09-09-2014 03:09 AM
عادل كلر

(*) إهداء واجب:

إلى زملاء وزميلات المهنة الذين/ اللواتي شردتهم/ن لعنة الإنقاذ شتاتاً سودانياً في جهات المعمورة الأربع، لصداكم/ن في قلبي بريق لا يموت، ويوماً ما في القريب سننثر نعناع الخطى –كما كان- في شوارع الخرطوم..

(1): ضرامٌ ودود ونيرانٌ صديقة:
كثيراً ما يحلو لنا نحن معشر المحررين الصحفيين في إطار المناقشات والمناكفات "الخشنة"، والمعارك المستمرة، والتي لا تخلو من الطرافة، حول هموم المهنة والأجواء "البوليسية، بل الأمنية!" التي أصبحت تسيِّجها بصورة غير مسبوقة، تبادل الإتهامات مع بعضنا البعض، ضمن الإستقطاب الذي يأخذ طابعه نحو "الحدَّة" بصورة متصاعدة، وذلك بين معسكر أول يسوَّر ما أُصطلح على تسميته بالصحفيين "الكيزان" وأعتذر أول ذي بدء، عن إيراد كلمة "الكيزان" إذ أنني فشلت تماماً فيما وسعت حيلتي في العثور على صحفي "مؤتمر وطني" فكل من تحاصره بالنقاش الودود [والمؤدب] في صحف ومجالس الخرطوم هذه من معشر "أخواننا" هؤلاء ينكر صلته بالمؤتمر الوطني، غير أن بعضاً منهم وللحق يفضِّل تعريفه بالصحفي (الإسلامي)، وتقف على ضفاف المعسكر الآخر مجموعة من الصحفيين المستقلين وذوي الخلفيات الفكرية "السياسية"، في آن واحد، ضمن المنظومة الصحفية "المهنية" السودانية التي إنتظمت بلادنا لا تزال عبر ما ينيف عن القرن زماناً، تاريخاً وتقاليد وخبرة سودانية أصيلة ومنفتحة في ذات الوقت على تجارب العالم النظيرة، والتي لا تزال تنافح عن الحريات المهنية وحقوق صحفييها، وبذات الوقت تدافع عن حق المجتمع على الصحافة في تقديم الخدمة الصحفية لـ(المجتمع السوداني) في المقام الأول، إعلاماً وإخباراً ومناقشةً عامة وترتيب أولويات وتثقيفاً وتعليماً وترفيهاً (كمان!) وفق الضوابط والأخلاقيات التي تفرضها الممارسة المهنية، في الوضع الديمقراطي، وبحس المسئولية الواجب على المؤسسة الصحفية كرافعة أساسية لا يستقيم أمر بناء الديمقراطية وإدارة التعدد، دونها على الإطلاق.

وأظن غير آثم، بأن هذه المناكفات والمعارك أمر "حيوي" وذو فائدة عظمى كونه يعكس جوهر "الصراع" الصريح بين إتجاهين لا ثالث لهما: حرية المهنة وصيانة الممارسة الصحفية، أو وضعها تحت إبط السلطة تفعل بها ما تشاء، وعلَّ هذا المقال كان يراد به التعليق على ما يسمى بـ(مؤتمر الإعلام الثاني) بيد أنه تأخَّر لأسباب شتى، غير أن ما شجعني على إعادة المضي قدماً في كتابته المسرحية الهزلية الدائرة الآن المعرَّفة بـ(إنتخابات الصحفيين) والتي أعلن خلالها عن قائمة "يتيمة"! والتي هي بصريح العبارة "قائمة المؤتمر الوطني" بعد أن حسم أمر خلافاته الداخلية في الجبهة الصحفية الداخلية (زجراً لا شورى)، وتوكل على الحي الذي لا يموت ودفع بها "بلا حياء" لإدارة دفة الإتحاد للخمس سنوات القادمة، وأعتقد جازماً، بل أكيداً أن المشروع الإعلامي للمؤسسة السياسية والفكرية "الإسلامية" التي ينتمي إليها السيد رئيس الاتحاد العام للصحفيين السودانيين السابق أو القادم(!) ومن دار في أفلاكها من زملاء مهنتنا الأفاضل، ليس مؤهلاً لصيانة أمر الإعلام والصحافة على نحو يكفل الحقوق والحريات لأبناء المهنة، وليس مؤتمناً في سياق الممارسة "وبالتجربة" على المجتمع أو رسالية المهنة، في السودان الذي تبقى بعد 2011م.

ومع ذلك وللحق أيضاً، فإن إتهامات [مناكفات] زملائنا الصحفيين "الإسلاميين" المشار إليها في صدر المقال، لا تعدم الوجاهة، بل تتخطى في مدى ما تنتاش سهامها، الحقل الصحفي والممارسة المهنية إلى قضايا إدارة المجتمع المدني وتمويل المنظمات غير الحكومية (وهو باب لابد من خوض رماله المتحركات، ولو بعد حين، طوعاً أو كرهاً!). فضلاً عن ذلك، لا بد لنا من التوقف في جوانب فكرية وثقافية مهمة تتعلق بما يتوسمونه من "صحافة إسلامية" عبر مراحل تاريخية مختلفة، وكشف أحوال شتى ما تتوهمه من كُسوب، في مفاصل المشروع الإعلامي "الإسلامي" الأساسية وقبلاً للحركة الإسلامية بإعتبارها جزءاً لا ينفصل من تاريخ التطور التاريخي والإجتماعي في بلادنا، وذلك لوضع (الخلاف) في سياقه المهني والفكري والسياسي، على ذات نهج الآية الكريمة "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" (سورة الإسراء، الآية 13)، أو على أمل أن تلزم "كل شاة عرقوبها" كما يرد بالمثل (السوداني) الدارج. وغني عن القول، أن كم "المراجعات" و"الإنتقادات" التي بذلت من قبل دهاقنة الحركة الإسلامية (ناهيك عن خصومها) ومنذ بدايات مشروعات دولتهم في النصف الأول للتسعينيات وصاعداً، وصولاً إلى اللحظة الراهنة ليست بالقدر اليسير والذي يمكن تجاوزه، والتي إنتظمت جوانباً متعددة من مشروع دولتهم الذي بان واضحاً للعيان تحت ضوء الشمس، وتحت إمتحان "السلطة" الذي فشلت فيه الحركة الإسلامية، وبإمتياز! الأمر الذي يكشف عن خطل كبير إعتور التنظير والممارسة، وجملة أعطاب هائلة سكنت جسد الفكرة والمشروع، طويلاً وعميقاً، وستلازمه إلى حين إعلان الوفاة، ولو بعد حين.

(2): إمتحان مظاهرات سبتمبر 2013م والرصاصة غير الرحيمة!
مثلت التغطية الصحفية لمظاهرات سبتمبر 2013م إمتحاناً عسيراً لنظام الخرطوم في مجابهة الإحتجاجات الشعبية التي إنتظمت عدداً من مدن البلاد، وعلى ذات النحو واجهت الصحافة السودانية إمتحاناً مؤلماً أصابها في أعز ما تملك: المصداقية والأمانة المهنية، على يد الإعلاميين الإسلاميين ومن ساير نهجهم في إطار تغطية تلك الأحداث، حيث إستهلت الأحداث بإلإجتماع الشهير (25 سبتمبر 2013) الذي دعي إليه قادة المؤسسات الصحفية والإعلامية من قبل إدارة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات [ذلك اللقاء الذي زيَّنه حضور العبيد صالح] لبحث كيفية معالجة الأحداث "صحفياً" وإعلامياً، من خلال تسخير الصحف السودانية لما يسمى بـ(إعلام إدارة الأزمة)، ذلك اللقاء الذي كشف أن أسهل ما يمكن أن تقوم به السلطات هو مصادرة أو منع طباعة أي مطبوعة صحفية، والتي وردت على لسان أحد الضباط المشاركين في ذلك الإجتماع هكذا "أيَّ زول حارقاهو مهنيتو خليهو يكون عارف إنو نحن أسهل حاجة عندنا إننا نوقف أي جريدة"، كما أن الشروط التي طُرحت في ذلك الإجتماع لا يمكن وصفها بأقل من كلمة (مستحيلة!) حيث فَرَضَتْ على جميع الصحف إعتماد الرواية الرسمية "بيان المكتب الإعلامي للشرطة" أو الأخبار التي يتم توزيعها من قبل "زوار ليل" الصحافة، لتغطية الأحداث، حيث لم يكن هنالك مجال للحديث المهني عن "روايات شهود" العيان، أو "رواية المراسل الميداني" من واقع التغطية الصحفية المباشرة للأحداث، أو مقابلة الرواية الرسمية برواية وإفادات ذوي القتلى (الشهداء) بالصورة التي لا تستقيم "مهنية" الخبر والقصة الصحفية دونها في معاني "التوازن" و"المصداقية" وقبلاً "الأخلاق"! وللإنصاف فقد سجلت تلك الظروف القاسية موقفاً تاريخياً مشرفاً لعميد الصحافة السودانية الأستاذ محجوب محمد صالح –متعه الله بالصحة والعافية- حيث آثر تعليق إصدار صحيفته (الأيام) تحت تلك الشروط إنتصاراً للموقف (المبدئي) و(المهني) و(الأخلاقي) المبني على مبادئ وقيم وأعراف وتقاليد المهنة الصحفية، وتبعه في ذلك الموقف عدد مقدر من زملائنا الصحفيين والصحفيات (الأفراد)، فيما تواترت مواقف أخرى لا تقل مبدئية وأخلاقية عطفاً على موقف "المحجوب" محمد صالح، بإمتناع صحيفتي (الجريدة) و(القرار) عن الصدور، وصودرت صحف (المجهر السياسي) و(الوطن) في 27 سبتمبر 2013، بجانب صحيفة (السوداني) على مدى يومين متتالين، فيما قدم بعض صحفيو (الصحافة) إستقالات عن العمل، وتم إغلاق مكتب قناة (العربية) بالخرطوم، علاوة على الموقف الشجاع للصحفي "بهرام عبد المنعم" الذي جرح كبرياء النظام وعرى مصداقيته على مسمع ومرأى العالم، فيما تواترت إستدعاءات أمنية متكررة لمراسلي الوكالات والقنوات الفضائية. وصولاً لإعلان الإضراب الشهير في الخميس 26 سبتمبر 2013م، على يد صحفيي "شبكة الصحفيين السودانيين"، والذي أعلنت في ديباجته المذيلة بتوقيع (لجنة إضراب الصحفيين) أن "الصمت لم يعد ممكناً في ظل المنعطف غير المسبوق الذي تمر به البلاد في أعقاب التظاهرات الجماهيرية التي إندلعت وإنتظمت كافة مدن البلاد، والتي صاحبتها إجراءات حكومية أمنية تهدف للتعتيم الإعلامي على أخبار القتل والوحشية التي تواجه بها أجهزة الأمن التظاهرات، والرقابة وموجهات النشر التي فرضها الأمن على رؤوساء التحرير والصحف والتي تخرق قواعد الأخلاق والسلوك الصحفي القويم، وتناقض أبجديات المهنية الصحافية وتهز مصداقيتها"، واشارت ديباجة الإضراب إلى إستحالة تحقيق أدنى متطلبات المهنية، من مصداقية وأمانة في ظل تلك الظروف مؤكدةً أن أغلب الصحف مملوكة للنظام، وعليه فشرفاء الصحفيين براءٌ من المواد والأخبار الصحفية والتغطيات التي ستصدرها بجبروت السلطات الأمنية"، (بيان للرأي العام العالمي والإقليمي والمحلي من شبكة الصحفيين السودانيين بتاريخ 25 سبتمبر 2014). وبالمقابل نجد أن عدداً غير يسير الصحف في تلك الفترة خرجت بمانشيتات من قبيل المانشيت الشهير لجريدة (الصحافة) في 27 سبتمبر 2013م: "تبت يد المخربين".

وعلى خلاف الخزي والعار الذي إلتصق بظهر كسب الإعلاميين "الإسلاميين" عقب تجربة مظاهرات سبتمبر الدموي تلك، نجد بأن تجربة المقاومة المهنية التي أدارت دفتها عضوية شبكة الصحفيين السودانيين وشبابها الأشاوس، قد أضافت رصيداً محترماً إلى أفاق الفكر المعارض على مستوى الشغل المهني في درس نقابي بالغ النصاعة، مستفيدة من تراكم الخبرات السابقة في مقارعة الشموليات، حيث يورد البروفيسور عبد الله علي ابراهيم في مقاله (في نقد الذهن المعارض) أن "الذهنية المعارضة لنميري باتخاذها وقائع تقويض النميري مناسبة للتأجيج السياسي المحض، ترتب عليه هالة من الحنين "النوستالجي" كعنصر غالب في الرومانسية السياسية لمعارضة نميري"، وعاب على ذلك النهج "أدارة ظهره لعناصر المقاومة الباطنية التي دافعت عن مؤسساتها بالظفر والناب مستعينة بذكاء كثير في الفعل ورد الفعل والتعبير وتفادي التعبير وفي-الافصاح والصمت"، (عبد الله على إبراهيم، عبير الأمكنة، دار النسق، الخرطوم 1988). ولعل دروس تجربة شباب شبكة الصحفيين التي أشهرت سلاح الإضراب في سبتمبر 2013، وحسمت أمرها في سبتمبر 2014 في بيانها الذي أعلنت فيه مقاطعة إنتخابات إتحاد الصحفيين وأعلنت عن بدء خطواتها لتكوين/ إستعادة (نقابة الصحفيين السودانيين)، قمينة بأن تحتذى بعد إخضاعها لطاولات الدرس والتحليل، بذهن منفتح من قبل كافة القوى الوطنية "المهنية والفئوية" التي تنشد التحول الديمقراطي المرجو، على براحات الوطن الحلم، الممكن والمستطاع.

وبالنسبة لجحافل الإعلاميين "الإسلاميين" سيظل السؤال مشرعاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أين كان مجلس الصحافة والمطبوعات وأين كان الإتحاد المهني للصحفيين السودانيين "إتحاد تيتاوي" ومنظمات المجتمع المدني "الإسلاميين" ورهط صحفييها وإعلامييها الأفاضل والفضليات في سبتمبر الدموي ذاك؟ وأين كانت أخلاقياتهم و"مهنيتهم" وجهاز الأمن يفرض قاموس نشر "Book Style" على الصحف ويلزمها بإستخدامه في الأخبار المتعلقة برفع الدعم عن المحروقات وزيادات الأسعار، من قبيل إستخدام "مخربين" بدلاً من "متظاهرين"، و"إصلاحات إقتصادية" بدلاً عن "رفع الدعم عن المحروقات" وغيرها من ترهات.

هي طعنة نجلاء لا أظن أن الصحافة السودانية قد تبرأ من آلامها في القريب، بل وحتى حينما وصفت السلطة ممثلة في مراقيها العلى قتلى مظاهرات سبتمبر بـ"الشهداء" أو بعدما شكل البرلمان لجنة للتحقيق في مصرع (80) مواطناً، لم يتحرك الضمير المهني للإعلاميين "الإسلاميين" الذين ولغوا في دماء أبناء وبنات الشعب السوداني وتلاميذ المدارس (الشهداء)، قيد أنملة في إتجاه تصحيح الموقف ما لم نقل الإعتذار الصريح المعلن لذوي الشهداء القتلى، ومن فرط أسف و"خجل" أن يكون من بينهم الزميلة الصحفية إيمان عبد الباقي شقيقة الشهيدة (سارة)، ناهيك عن أقارب زملاء وزميلات آخرين، على أقل تقدير! إن إعتبرنا أن باقي الشهداء والشهيدات الأكارم قد أُردُوا في دولة آخرى.

(3): مؤتمري الحوار حول قضايا الإعلام 1990 و2014:
ثمة مفارقات مهمة للغاية تبرز للناظر في مشهد الحفاوة الرسمية و"الإسلامية" بفكرة مؤتمر الإعلام (الثاني)، والذي يحيل بضرورة الحال إلى (الأول) الذي إنعقد في العام 1990 ودولة إنقلاب الإنقاذ "حكومة الجبهة الإسلامية القومية" قد أكملت عامها الأول للتو، ضمن فكرة مؤتمرات الحوار الوطني التي تفتقت عبقرية عرَّاب النظام د. حسن الترابي عنها في جملة الحوار حول قضايا الجنوب، المرأة، الإعلام.. إلخ، في تلك السنوات الكالحة التي شهدت تعطيل الصحف، وحل النقابات التي كانت قائمة، إفراغ المؤسسات الحكومية من كوادرها بسيف الصالح العام، وتشريد الآلاف من المهنيين ومن بينهم الإعلاميين في جو إرهاب أمني غير مسبوق، ويد النظام والغة إلى "كوعها" في دماء المهنيين [الشهداء] أمثال د. علي فضل (تعذيباً في بيوت الأشباح) والطلاب بشير الطيب وسليم محمد أبو بكر والتاية أبو عاقلة وطارق محمد إبراهيم (إغتيالاً بالرصاص)، تلك الأجواء التي لم تنج منها حتى ذاكرة الأمة ممثلة في إرشيف الإذاعة السودانية التي تأسست في 1940م، والتي تمت محاكمة إرشيف تسجيلاتها الفنية والغنائية على طريقة "ما أُهِلَّ بِهِ لغَير الله" منعاً وحظراً لبث درر فنية "أغنيات" بذرائع دينية لا تمت للوجدان السليم بصلة.

تحت تلك الأجواء والظروف السياسية الحرجة جداً، إنعقد لواء مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا الإعلام، فأيَّ مخرجات ننتظر وأيّ إعلام هذا الذي تناقش قضاياه تحت أسنة الرماح وصليل السيوف و"الكلاشنكوف"! ومع ذلك نجد إعلامياً إسلامياً رفيعاً كـ د. محي الدين تيتاوي رئيس الإتحاد المهني للصحفيين السودانيين يكتب مسترجعاً ذكريات مؤتمر 1990م ومدافعاً عنها: (قبل ربع قرن من الزمان انعقد مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا الإعلام ضم في عضويته كل الخبرات الإعلامية في بلادنا.. لمناقشة كافة قضايا الإعلام المقروء والمسموع المرئي جرى خلاله حوار متخصص طويل بين الإعلاميين، وكان النقاش موضوعياً وجاءت مخرجات ذلك المؤتمر موضوعياً وعلمياً تواثق عليه جميع الذين شاركوا في ذلك المؤتمر الذي جاء ضمن مؤتمرات متخصصة، في الاقتصاد والسياسية والإدارة والدبلوماسية أبدع خلالها أهل السودان وصبوا عبر توصياتها كل مخزونات الخبرات الداخلية والتجارب الخارجية.. فمضى السودان في خطوات ثابتة نحو بلوغ الغايات، لولا التقاطعات والحصار والاستهداف الغربي الذي سعى حثيثاً لاختراق إرادة أهل السودان، وقد تسلم الرئيس مخرجات كل المؤتمرات تلك وقبلها وعمل بموجبها طيلة الفترة السابقة ابتداء من العام 1990 وحتى اليوم مع تعديلات طفيفة اقتضتها طبيعة الممارسة والتجربة). وللرجل الحق –كل الحق- في أن يرى الأشياء كما يريد هو لا وفقاً لطبيعتها المجردة، وقديماً قال الشاعر العربي "قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد/ وينكر الفم طعم الماء من سقم"، غير أن نظرة أخرى لما يظنّه هؤلاء الإسلاميين حول تجربة الإنقاذ في إهابها العسكري الأول ذو الطبيعة الأمنية "القابضة" في جانب الحريات الصحفية وحقوق الإنسان بصورة عامة، تجده متواتراً في ذات نهج د. تيتاوي الذي أوردنا، إذ نقرأ بين ثنايا مقدمة عرض الكاتب د. عادل عبد العزيز محمد (مدير شركة أنعام سابقاً) لكتاب "سجل حقوق الإنسان في السودان" لمؤلفه بول مارتن، ما يلي: "إن موضوع حقوق الإنسان يجد إهتماماً كبيراً في السودان خاصة بعد ثورة الإنقاذ والتي أعلنت إنحيازها للشريعة الإسلامية وأسست سياسات حقوق الإنسان على مبدأ التسامح والعدل وبناء على التعاليم والتقاليد الإسلامية. التي تعطي إحتراماً كبيراً لحرية الإنسان وحرية الحديث وحرية العبادة وحرية العمل. وعلى الرغم من أن الأغلبية في السودان من المسلمين الإ أن روح التسامح الديني في السودان واضحة للعيان" (مجلة دراسات إستراتيجية، العدد الثالث، مايو 1995، مركز الدراسات الإستراتيجية، الخرطوم).

ولنتأمل بين تاريخي المقتطفين السابقتين لتيتاوي وعادل، 1990 و1995، عمَّ يتحدث الرجلين والعالم وقتها قد بح صوت نداءاته وصرخاته من هول جرائم "بيوت الاشباح" والتشريد بالصالح العام و"مجازر" جبال النوبة وجنوب السودان، قتلاً وتنكيلاً بالمدنيين الأبرياء العزل، وحرباً دينية أزكم نتن فظائعها أنف العالم بأسره، لا منظمة التضامن المسيحي والبارونة كوكس وحدهما! فعن أي سودان كتب هؤلاء الافاضل؟

وللمفارقة نجد أن د. الترابي كان "يتوهط" ذلك المشهد بجدارة في 1990م على أيام المؤتمر (الأول)، وهو ما تكرر حالياً مع (الثاني) الذي إنعقد مشمولاً بعطف "فضيلته" وحزبه المؤتمر الشعبي (التوأم السيامي) للمؤتمر الوطني، في مشهد يؤكد بطلاقة أن ما جري في 1990 أو 2014 يندرج تحت مشروع دولة الإتجاه الإسلامي "مشروع حياة الترابي" الذي يحاول جاهداً [رغم ضغائنه على تلامذته "المفاصلين"] لملمة أشلاء مشروع دولته من وادي الموت، وبث الروح فيها مجدداً، وهو الأمر الذي يعضده قول الرجل وتأكيداته القاطعة رفض الدولة المدنية وعدم المساومة في المرجعية الاسلامية، ومصالحته مع مجموعة د. غازي صلاح الدين بقوله "إنهم أخوانكم في الدين فلا تصدوا أخوانكم التائبين" (صحيفة الأهرام اليوم، 30 إكتوبر 2013)، وليس إنتهاء بـ(الرجعة للبيت القديم) الحالية، والتي تنطرح فصولها الدرامية [البايخة] ماثلة للعيان.

وكما إنعقد المؤتمر الأول تحت ظلال السيوف كما أشرنا، نجد أن الثاني لم يخالفه قط في تنكب ذات الأجواء القمعية، وربما أسوأ! حيث إنعقد المؤتمر وثمة صحف موقوفة، وأخرى لم تزل تتعرض للمصادرة ومنع النشر التوزيع وصحفيون قيد الإعتقال والمسائلة الكيدية، ورساميل قياديي وتنفيذيي الحزب الحاكم و"توابعهم الرعدية" تحكم قبضتها على صناعة الصحافة وملكية المؤسسات، بجانب التضييق و"قيل محاولة إختراق" مكاتب القنوات والوكالات الأجنبية بالخرطوم [وهذا الجانب يحتاج لكتابة آخرى منفصلة!]، مع الإعلان الصريح للحكومة عن إنتوائها السيطرة على الإعلام، هكذا! ونكتفي هنا بأمر هذه البيئة الحاضنة والتي لا تتوافق مع مطلوبات أي حوار كان ناهيك أن يكون من أجل قضايا الإعلام نفسه.

(4): عن أي صحافة نتحدث..، ويتحدثون!؟
وندلف إلى جوهر مبدأ وجود إتحاد مهني للصحفيين يعمل على "تطوير وترقية المهنة"، بالقول دون تضارب مع ما أسلفنا بأنه فكرة محترمة ومقدرة، لكنه ليس أهماً من فكرة تحتاجها الصحافة السودانية الحالية أكثر من أي وقت مضى: النقابة! هذا إذا غضضنا الطرف عن حقيقة أن فكرة الإتحاد نفسها، والتي تنبع بفعل عملية "الإنتخاب" لا تستقيم أو تؤتي أكلها أو يتأتى لها الإنعقاد السليم إلا في أجواء معافاة قائمة على أساس ديمقراطي ومهني حقيقي وبشفافية عالية؛ وبحضور أهل المهنة (الحقيقيين) في السجل الإنتخابي، ووقوفهم كذلط على مستويي التنظيم والإشراف "من قولة تيت"، وهو الأمر الذي لا يتوافر تحت ظل الوضع السياسي القائم، أو في ظل معمار الإتحاد وسجله الإنتخابي الحالي، على الإطلاق.
إضافة لكون النظام السياسي "الإسلامي" القائم، هو أحد أبرز خضوم ومشكلات الصحافة على مستوى الصناعة والممارسة، إذ ينظر النظام إليها في مرحلة كحقل للنشاط الإستثماري في ظل إحتكار الإسلاميين و"مشايعيهم" للثروة في السودان، حقلٌ يشتغل وفق شرط مراكمة رأس المال والتربُّح السريع، ضارباً عرض الحائط برسالية الصحافة، والشواهد كثر. فضلاً عن خدمة مقاصد بعض قياديي النظام "الإسلاميين" وسياساتهم في الجهاز التنفيذي للدولة ومراتعهم الأخرى، صحةً كانت أم خارجية أو أندية الدوري الممتاز.
وعلى مستوى الممارسة، نجد بأن ضعفاً كبيراً –نقر ونعترف به- قد تسلل إلى مفاصل المهنة، بيد أنه سرى بصورة ممنهجة ومقصودة، حتم أنف كليات الإعلام ودورات التدريب "على شحِّها!" وحتم أنف تقاليد المهنة وأعرافها والأخلاقيات؛ وعلى سبيل المثال فقط، فلننظر إلى الباب الموسوم "شبكة كذا" و"هسمات الكذا" أو "أسرار كذا" بالصفحات الأخيرة لمعظم الصحف الذي خرج من رحم تجربة صحافة الجبهة الإسلامية القومية في الديمقراطية الثالثة (1985-1989)، والذي يتناول فيما يتناول "غمزاً ولمزاً" للأشخاص والذمم، أو تطبيلاً للمسئولين ووجهاء القوم "إياهم" بصورة يحسدهم عليها أبرع مهرجي البلاط في العصر الفيكتوري! في صور لا تستقيم وقويم السلوك المهني للصحافة، بل أن هذه الممارسة أصبح ضرباً مطلوباً ولازمة ثابتة لـ"ماكيتات" الصفحة الأخيرة للصحف، فأي درك وصلت إليه الممارسة الصحفية!؟

وتقتضي الأمانة بطبيعة الحال، الإشارة إلى باب (أضبط) الشهير بصحيفة (الميدان)، الذي يتناول مخالفات محددة أو يفضح ممارسات بعينها أو يحذِّر من كارثة ما قبل وقوعها، والذي قد يُفهم بأنه يمضي في ذات الإتجاه "الفضائحي"، غير أنه قد يرد قول بأن هذا الباب "غير مهني"، ولا تثريب! بيد أنه من الناحية الأخلاقية نجده محروساً بالنص الصارم لعبد الخالق محجوب: "علينا أن لا نتناول مواضيع الأشخاص إلا بمقدار ما تؤدي أعمالهم إلى عرقلة تطور بلادنا ولا نلجأ إلى المهاترة، أو الألفاظ النابية أو إلى معالجة قضاياهم في إبتذال وإسفاف. إننا نناضل في سبيل دعوة سامية ونعرف دور الأفراد في التاريخ ولهذا يجب ألا نعطيهم جانباً أكثر مما يستحقون في صحافتنا وأن نتعفف عن الخوف في المسائل الفاضحة مستمدين هذا من سمو مُثُلنا الشيوعية ومن أخلاق شعبنا"، (إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير، دار عزة للنشر والتوزيع، الخرطوم، 2004م).

وثمة موقف جدير بالذكر في هذا الجانب، وهو إعتراض مجلس الصحافة والمطبوعات على أيام الأمين العام للمجلس د. هاشم الجاز نحو العام 2006 على العمود الذي كان يحرره الصحفي والإعلامي المخضرم عبد الواحد لبيني بأخيرة صحيفة (الأضواء) بعنوان "وجه السياسة الضاحك" –على ما أذكر- الذي يورد طرائفاً سياسية فكهة، وإلزام الصحيفة التي كان يترأس تحريرها الصحفي القدير فيصل محمد صالح بكتابة إسم (لبيني) مرافقاً للعمود، ضبطاً للممارسة الصحفية، فتأمَّل الفارق يا رعاك الله في السنوات الثمان؟

أما بالنسبة لجوانب الممارسة التطبيقية الصحفية الأخرى، فيما يتصل بـ"عدم إثارة الكراهية" أو "كراهية الأجانب" فحدث ولا حرج! حيث نجد أن صحيفة واحدة كـ(الإنتباهة) التي خرجت من صلب "الإسلاميين" السودانيين وترائبهم، قد قامت بدور هائل، تحسدها عليه محطة الإذاعة والتلفزيون "راديو الكراهية" (RTLM) "ميل كولين" وجريدة كونغورا الروانديتين اللتان ساهمتا بصورة رئيسة في الإبادة الجماعية التي جرت برواندا، في بث خطاب الكراهية ضد مواطنيها بجنوب السودان الجغرافي [قبل إنفصال الجنوب] ولاحقاً ضد مواطنيها بإقليم جبال النوبة، تحت بصر الكافة، وثمة دور متصل يقوم به عدد غير يسير من الصفحات المختصة بأخبار الجريمة والصحافة الإجتماعية يتعلق بـ"كراهية الأجانب" و"التنميط السالب للنساء والفتيات" من خلال النشر المتكرر و"تلوين" عناوين الأخبار بصورة مقصودة تسيء إلى هاتين الفئتين من البشر، من شاكلة "أجنبي يسرق ركشة ويدهس طفلاً" "أجنبي يقوم بكذا" أو "القبض على طالبة جامعية في وضع فاضح بشقة"، وكأن الإنسان يقدم على إرتكاب الجرائم بناءاً على جنسيته، أو تحصيله الأكاديمي، وذلك بغرض "الإثارة" لتحقيق معدلات توزيع عالية وبالتالي ربحية أعلى، وتطول الأمثلة في أبواب النشر المختلفات.

وعلى صعيد آخر، "متصل أيضاً!" نجد أن خصوماً كُثر قد حمَّلوا صحافة الجبهة الإسلامية القومية مسئولية تقويض التجربة الديمقراطية الثالثة بممارساتهم غير الرشيدة، حيث وفرت لهم الأموال الهائلة التي إندفقت عليهم من شرق البحر الأحمر، عقب إنتفاضة مارس/ ابريل إمكانية تأسيس وإمتلاك صحف كثيرة صريحة كالراية وألوان، وأخريات "من الباطن" كما تفصح بلاغة السودانيين، أستخدمت جميعها في الكيد السياسي دون أدنى حس بالمسئولية، وهي ملاحظة أكثر ما تتضح في حال تتبع نوعية النشر المصاحب للعمليات العسكرية أو مع تصاعد أوار الحروبات الأهلية، والمخالفات "غير المهنية" المتكررة التي ترقى إلى مستوى الممارسة "المنهجية"، وخذ مثالاً وصف القائد الميداني (فضيل رحوم) بعد مصرعه بـ"فضيل الأعور"، أو نشر جثث القائد الميداني "كاربينو" بعد مقتله، وغيرها من مخالفات "مدونة السلوك الصحفي" التي تستحق إشهار "الكرت الأحمر" في وجه مقارفيها! غير أن أبلغ تشنيع نال هذه الصحافة، جاء على يد "أخاهم" د. المحبوب عبد السلام موجهاً نحو "درَّة التاج الإسلامي"! صحيفة (ألوان) أو سمِّها "مدرسة ألوان الصحفية" حيث أشار إلى أنها "لم تفلح في الانتقال من الإثارة إلى الرصانة وظلت تحمل سمات الإنقاذ الأولى عنيفة دعائية مؤدلجة"، (الحركة الإسلامية السودانية "دائرة الضوء.. خيوط الظلام"، دار مدارك، القاهرة، 2010).

(5): الإطار الحقوقي لصراع الصحافة مع "الإسلاميين"!
لا خلاف من الناحية النظرية، إستفادة التجربة الصحفية السودانية والعالمية على حد سواء من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في رؤيته الكونية الحقوقية، كمرجعية فقهية في جانب الحريات بصورة عامة، وفيما يلي الحريات الصحفية على وجه الخصوص، حيث تنص المادة (19) من الإعلان على (لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية). ولأغراض المقال أقرن المادة (19) بالمادة (21) من ذات الإعلان والتي تنص على (لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشئون العامة لبلده، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية). وذلك لكون الصحافة تمثل إحدى الوسائل التي يشارك بها الشخص في إدارة الشئون العامة لبلده، عبر مشاركته في المناقشة العامة لمختلف القضايا التي تهم المجتمع، هذه "الخدمة" التي تفرد لها الصحف صفحات ما يعرف بـ(الرأي)، (الحوار)، و(مقالات) وخلافه، وهي إحدى السبل التي لا غنى لأي مجتمع ديمقراطي [أو يتوسَّم الديمقراطية] عنها، بيد أنها لا تستقيم إلا في شرط إتاحة المجال متكافئاً بين الفرقاء، كلٌ ليدلي بدلوه، أو كما نسميه بلغة صاحبة الجلالة "الرأي والرأي الآخر"، وهي ممارسة صحفية أصيلة لا يهزمها سوى وجود رقيب منحاز لطرف من الأطراف، فما بالك بأن يكون هذا الرقيب "جهاز الأمن والمخابرات الوطني"!

ومن بين ثنايا هذا الجدال سابق الإشارة، إنبثق دور مجاور [خدمة] تقوم بها الصحافة تجاه مجتمعها تتمثل في "نظرية ترتيب الأجندة" Agenda Setting الخاصة بترتيب أولويات وقضايا المجتمع المعيَّن في السياق التاريخي المعيَّن بناءاً على تقدير "مهني" للصحيفة أو المؤسسة الإعلامية يتوخى المصلحة العامة للمجتمع، وهي نظرية معروفة لدارسي حقول الإعلام.
فهل يا ترى يتسع عطف المنابع الفكرية لزملائنا الصحفيين والناشطين "الإسلاميين" للنهل من حياض هذه المعاني والمواثيق الكونية، بما هو في صالح المهنة الصحفية وأداء رسالتها تجاه مجتمعها بالسودان، أم هنالك عوائق تعترض سبيلهم هذا؟

أولى هذه العقبات الكؤود التي تجابه جماعة الصحفيين "الإسلاميين" يتعلق بالجانب الفكري تجاه القيم الكونية، رغماً عن كون "حركة جماعات الإسلام السياسي" التي خرج زملاؤنا هؤلاء من أرحامها (والتمييز هنا حتمي لجماعات الإسلام السياسي عن جماعات الإسلامي الصوفي التي سكنت وتساكنت بربوع السودان الشاسعات ومع شعوبه المتعددة في لين ويسر)، وللمفارقة!، ربيبة فكر عالمي، مصري المنشأ "جماعة الأخوان المسلمين"، والتي فرَّخت الأخوان وجبهة الميثاق والجبهة الإسلامية القومية.. إلخ، بالسودان، وحزب النهضة بتونس وجبهة الإنقاذ الإسلامية بالجزائر وغيرها. حيث تنطلق هذه الحركات والجماعات تجاه القيم الكونية من خلال رؤية دينية تستند على تصور فكري منغلق تجاه ما هو كوني وآخر (أو غربي المنشأ بالضرورة)، حيث يشير أستاذ العلوم السياسية الفرنسي برتراند بادي إلى أن الثقافة الإسلامية "تستند إلى رؤية مختلفة. بما أن تحديد ذاتها بالنسبة للكوني يندرج في الوحي، فهي منفتحة على ثقافة الآخر لكنه إنفتاح من قِبَل إما دعوتها الدينية التي تقودها نحو التصدير أكثر من الإستيراد، وإما تعايشها المؤقت مع عالم آخر لا تعترف له على أيَّ حال بأنه حامل للكونية"، (الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي، ترجمة لطيف فرج، دار العالم الثالث، 1996).

وهو المأزق الذي يواجه جماعات الإسلام السياسي هذه حال تسنُّمها دست الحكم، كما شهدنا بالسودان في 1989 في سيناريو مواجهة العالم وتأسيس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي بالخرطوم ككيان "كوزومبوليتان" لتصدير مشروع الترابي "الإسلامي" [تُقرأ في الغرب: الإرهابي!]، وشهدت مصر مع د. محمد مرسي و"نظام المرشد" لاحقاً في الألفية الجديدة، ولربما ساعدت بعض جذور "الرشدية" والحصافة السياسية حزب النهضة بتونس من السيناريو المصري. ويكشف الحكم ظهر هذه الجماعات، بدءاً من "ورطة" إتخاذها الهوية "الإسلامية" طابعاً لها، وذلك على إعتبار أن عملية تخصيص هوية بعينها للمجتمع "قسرياً" في إطار عملية بناء الدولة، يعوق ويتعارض مع كون الولاء لـ(المواطنة)، ولا يشجع على أن تكون الدولة أصلاً ينتسب إليه في هذا الحال، الأمر الذي يُعلي من شأن العصبيات الجهوية وكافة تكوينات ما قبل الدولة كالقبلية التي رزئنا بإستشراء نزعاتها و(نزاعاتها المسلحة!) كما في السودان.

وعلى مستوى النخب، نجد أن التكتلات المهنية الفئوية (محامين، أطباء، صحفيين.. إلخ) تتشكل سريعاً في مواجهة هذه الدولة دفاعاً لمصالحها، إنطلاقاً نحو حركة إحتجاجية متصاعدة، ويدور هذا الصراع في سوح المهن الحديثة والتي يفترض تطويرها والحفاظ عليها وجود فضاء (علماني) مقابل فكرة "التسييس" أو "التمكين" و"الأسلمة" كالتي تمت على يد نظام الترابي بالسودان، أو "الأخونة" التي حاولها أتباع المرشد محمد بديع بمصر، والتي تكسرت على قلاع الطبقة الوسطى المصرية ودروع (كيدهـا) السياسي، ولا عجب! وتندفع العصبيات الجهوية والنزعات القبلية والتكتلات المهنية الفئوية نحو هذا الصدام، من واقع كونها ستضحي معزولة أو مهددة تحت ظل الدولة ذات اللون السياسي والهوية المحددة "قسراً" هذه، ولا خيار أمامها سوى المواجهة الصريحة أو الذكية، رهناً بمقتضى الحال. وهذه هي طبيعة ودوافع الصراع المستمر بين الصحفيين السودانيين "المهنيين" ونظام المؤتمر الوطني، في جذوره الأساسية.
وعلى مستوى التاريخ الحديث، تشير البروفيسور سوندرا هيل إلى أن الأسلمة لم تبدأ فقط مع نظام نميري بل كانت في الواقع "عملية تدريجية، أحياناً غير منظورة، في التعليم والفنون والإعلام والأنظمة الطبية والقانونية، والجيش، وأجهزة الدولة الأخرى للمجتمع السوداني بعد الاستقلال. فالأسلمة كانت قوة تضاهي العلمانية. ولكن في المرحلة الأخيرة من نظام نميري تسارعت وتيرة الأسلمة في الوقت الذي تم فيه تقويض مصداقية قوى العلمانية. ومع ذلك كانت عملية الأسلمة بعيدة عن الاكتمال عندما أسقطت الانتفاضة في ابريل 1985م نظام نميري. غير أن اختيار عضو في حزب الأمة وطائفة الأنصار (الصادق المهدي) ليكون رئيساً للوزراء بعد ذلك بقليل، أدى إلى تواصل عملية التسييس الإسلامي"، ("السياسة والنوع الاجتماعي (الجندر) في السودان: الإسلاموية، الاشتراكية، والدولة"، مركز سالمة لمصادر ودراسات المرأة، ترجمة: شمس الدين ضو البيت، الخرطوم، 2011). ولزعم سوندرا هيل شواهد عدة –من عندي- ليس أقلها "إستلاف" نظام الترابي/ البشير لفكرة (الدفاع الشعبي) من حكومة الصادق المهدي "الديمقراطية!" نفسها.

والمأزق الثاني، الذي يواجه زملائنا "الإسلاميين" هو تعارض مشروعهم "المنغلق" في أبعاده الإعلامية، مع الأسس التي أرستها تجربة الصحافة السودانية منذ بداياتها مطلع القرن العشرين، والتي إرتبطت بالسياسة والتنوير وأمهات القضايا الإجتماعية، وأسهمت في الحوار الوطني الذي كان دار، لا يزال، منذ مطلع العشرينيات حول قضايا الهوية وحقوق الأقاليم والقوميات في التنمية المتوازنة وخدمة الأمة السودانية ونشر التعليم والصراع ضد العقليات التي تسعى لهضم حقوق الشعب السوداني، والتفاعل "الإيجابي" مع قضايا وحقوق المرأة والإنتصار لمطالبها، وتعزيز حق تملُّك الصحف وتذليل شئون صناعتها لكافة فرقاء المشهد السوداني، واستقلالية وديمقراطية المنبر النقابي للصحفيين [وللحركة النقابية بشكل أعم]، (ورقة "التجاني الطيب.. رائد صحافة الوعي والتنوير"، مجلة سودانايل الإلكترونية، 3 مايو 2012م).

وهنا، نكتفي بهذا القدر من "وعثاء" صحافة الإسلاميين التى عاناها المجتمع السوداني، لا يزال. على أمل أن نعود لمناقشة وقنص بعض كسوب صحافة (الكيزان) في حقل الثقافة والفنون، والتي إرتبطت وللأسف بسؤال العرق والسحنات والألسن في سودان نهضت أركانه المجيدة على عبقري نسيجه المتعدد المتنوع..

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1338

التعليقات
#1101270 [Kkambalawi]
0.00/5 (0 صوت)

09-09-2014 07:03 PM
مقال رصين ودراسة متأنية لتاريخ وواقع الصحافة في ال ربع قرن الماضي. بعد ان جعل منها الميزان صحافة أبواق.

[Kkambalawi]

#1101098 [زهجان من الضبان]
0.00/5 (0 صوت)

09-09-2014 03:41 PM
آخر مرة قرأت فيها صحيفة سياسية كانت في ابريل 2010 و من الوقت داك بطني طمت من قراية الجرايد

[زهجان من الضبان]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة