الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
إشكالية الموت والحياة .. قراءة في سفر ألف دال (7 / 7)
إشكالية الموت والحياة .. قراءة في سفر ألف دال (7 / 7)
إشكالية الموت والحياة .. قراءة في سفر ألف دال (7 / 7)


09-09-2014 10:08 AM


'سفر ألف دال' ينغلق بالإصحاح العاشر، الذي يستعيد البعد الإشكالي بين دوائر الموت الملتبسة بالحياة التي برزت في الإصحاح الأول.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. مصطفى بيومي عبدالسلام

الشوارع في آخر الليل . . آه .. خيوطٌ من العنكبوتْ

إذا كان عالم المدينة الفعلي هو عالم الغربة والسكوت والاستكانة والموت والليل، فإن عالم المدينة الحلم أو الوطن الحلم يتجلى في الإصحاح التاسع، الذي يطرح عالماً يملأه النشاط والحركة والديمومة والاتصال.

ربما يكون هذا العالم الحلم هو المسئول الأول عن معاناة "ألف دال" ومأساته، حيرته وقلقه، وربما يكون الهم الوحيد في العالم الفعلي:

دائماً أنتِ في المنتصفْ!

أنت بيني وبين كتابي ..

وبيني وبين فراشي

وبيني وبين هدوئي . .

وبيني وبين الكلام

ذكرياتُك سجني، وصوتِكَ يجْلُدني

ودمي قطرةٌ – بين عينيكِ – ليست تجفْ!

فامنحيني السلام!

امنحيني السلام!

يجسد عالم المدينة الحلم أو الوطن الحلم في علاقة "ألف دال" بالمحبوبة، وتستعيد الذاكرة هذا العالم الجميل بكل تفصيلاته ودقائقه، فالدال "أرى" يحيلنا على دال "الرؤيا" ومن ثم على دال "الحلم". إنه الخروج من عتمة المدينة/ الواقع، والابتعاد عن مدارات الموت الشاجية، إنها الحياة في تبدل أشكالها: "أرى وجهك المتبدل"، ومحاولة اقتناص وجوهها المتنوعة.

إن هذا العالم الحلم، المملكة الجديدة، ما أن يتحقق في الواقع الفعلي سوف يمنح الشاعر حالة من الشعور بالسلام بدلاً من الشعور بالغربة والوحدة. لكن هذا العالم الحلم هو حاضر فقط على مستوى الوعي به، لكنه غائب على مستوى الواقع الفعلي، إنه لن يؤدي بـ "ألف دال" إلى حال من السلام والمصالحة، ولكنه يقوده من جديد إلى آفاق الموت الرمادية التي تتلبس بالحلم، وتثير من جديد الإشكال بين الموت والحلم أو الحلم بالحياة.

ينغلق " سفر ألف دال" بالإصحاح العاشر، الذي يستعيد البعد الإشكالي بين دوائر الموت الملتبسة بالحياة التي برزت في الإصحاح الأول، وكان النهاية هي عينها البداية، فليس ثمة بداية ولا نهاية، وتنعكس النهاية وتقص البداية. فحركة الزمن دائرية، ولا يمكن أن تسير في خط متصاعد ينقلنا من نقطة إلى أخرى أو من تطور إلى تطور آخر، ولا يتبقى في تلك الحركة الدائرية للزمن سوى البعد الإشكالي/ الالتباسي بين دوائر الحياة التي تفضي إلى دوائر الموت حتماً، حيث الأفق الرمادي في البداية يعلن عن التوتر القائم بين نقائضه: العدم والوجود، الموت والحياة، وحيث الشوارع في النهاية تتحول إلى أرامل وخيوط من العنكبوت، وأفاع تنام على راحة القمر الأبدي الصموت، وحيث البيوت تتحول إلى قبور، والمصابيح تصبح مسمومة الضوء يقبع بداخلها الموت:

الشوارعُ في آخر الليل . . آه

أراملُ متشحاتٌ يُنَهِنهْنَ في عتبات القبور – البيوت

قطرةً . . قطرةً تتساقط أدمُعُهنَّ مصابيح َ ذابلة

تتشبث في وجنة الليل ثم . . . تموت!

.... .... ....

الشوارع في آخر الليل . . آه

خيوطٌ من العنكبوتْ

والمصابيحُ – تلك الفراشاتُ – عالقةٌ في مخالبها

تتلوى . . فتعصرها، ثم تَنْحلُّ شيئًا. فشيئًا

فتمتصُّ من دمها قطرةً . . . قطرةً،

فالمصابيح قوتْ!

.... .... ....

الشوارع في آخر الليل . . آه

أفاعٍ تنام على راحة القمر الأبدىِّ الصمُوتْ

لَمَعَانُ الجلود المفضَّضة المستطيلة يغدو مصابيحَ

مسمومة الضوِء يغفو بداخلها الموتُ،

حتى إذا غرب القمرُ: انطفأتُ

وغَلى في شرايينها السُّم

تنزفُه قطرةً . . قطرة، في السكون المميتْ!

إن الدال "آخر" يحيلنا على فكرة النهاية، والدال "الليل" يحيلنا على فكرة الظلمة والعتمة، وتتضافر الفكرتان معاً للتأكيد على مدارات الموت الشاجية التي انتشرت في كل مكان، وكأن دال "المصابيح" الذي يمكن أن يعزى إليه تبديد الظلمة وانتشاريتها لم يعد يمتلك هذه القدرة، بل تحول إلى الذبول وقوة الموت والسم، ودال "الشوارع" الذي يمكن أن يكون حركة الحياة وديمومتها قد تحول إلى أرامل وقبور وخراب مطبق وعنكبوت وأفاعي تنشر الموت في كل مكان.

لم تعد الحياة قادرة على الوقوف أمام سطوة الموت وانتشاريته، ولم يعد بإمكانها أن تمنح الأمل والحلم والتقدم؛ إنها تمنح الحزن والخراب والضوء المسموم بالإضافة إلى الوحدة والغربة وفقدان الحب، إن ارتحال "ألف دال" أفضى إلى تلك النتيجة المفزعة:

وأنا كنتُ بين الشوارع وحدي

وبين المصابيح وحدي!

أتصبّب بالحزن بين قميصي وجلدي

قطرةً .. قطرةً، كان حبي يموت

وأنا خارجٌ من فراديسه ..

دون وَرْقْةِ توتْ!!

إن إلحاح نص "سفر ألف دال" على تلك المدارات الشاجية للموت الملتبسة بمدارات الحياة هو إلحاح ينطوي، من غير شك، على أمل أو رغبة ضمنية للتخلص من الحيرة القائمة في ذلك النص، إنه كشف يطمح إلى فض هذا البعد الإشكالي بين دوائر الموت ودوائر الحياة. هذا الأمل وتلك الرغبة الضمنية تصدم القارئ، وتلفت انتباهه إلى مقاومة هذه الحيرة أو التخلص منها، لكي يعيد تشييد الحياة التي تسودها قيم الحب والاتصال والحرية والعدل والتقدم. إنها الحياة تلك الزهرة اللؤلؤة.

ربما يكون هذا العالم الحلم هو المسئول الأول عن معاناة "ألف دال" ومأساته، حيرته وقلقه، وربما يكون الهم الوحيد في العالم الفعلي:

دائماً أنتِ في المنتصفْ!

أنت بيني وبين كتابي ..

وبيني وبين فراشي

وبيني وبين هدوئي . .

وبيني وبين الكلام

ذكرياتُك سجني، وصوتِكَ يجْلُدني

ودمي قطرةٌ – بين عينيكِ – ليست تجفْ!

فامنحيني السلام!

امنحيني السلام!

يتجسد عالم المدينة الحلم أو الوطن الحلم في علاقة "ألف دال" بالمحبوبة، وتستعيد الذاكرة هذا العالم الجميل بكل تفصيلاته ودقائقه، فالدال "أرى" يحيلنا على دال "الرؤيا" ومن ثم على دال "الحلم". إنه الخروج من عتمة المدينة/ الواقع، والابتعاد عن مدارات الموت الشاجية، إنها الحياة في تبدل أشكالها: "أرى وجهك المتبدل"، ومحاولة اقتناص وجوهها المتنوعة.

إن هذا العالم الحلم، المملكة الجديدة، ما أن يتحقق في الواقع الفعلي سوف يمنح الشاعر حالة من الشعور بالسلام بدلاً من الشعور بالغربة والوحدة. لكن هذا العالم الحلم هو حاضر فقط على مستوى الوعي به، لكنه غائب على مستوى الواقع الفعلي، إنه لن يؤدي بـ "ألف دال" إلى حال من السلام والمصالحة، ولكنه يقوده من جديد إلى آفاق الموت الرمادية التي تتلبس بالحلم، وتثير من جديد الإشكال بين الموت والحلم أو الحلم بالحياة.

ينغلق " سفر ألف دال" بالإصحاح العاشر، الذي يستعيد البعد الإشكالي بين دوائر الموت الملتبسة بالحياة التي برزت في الإصحاح الأول، وكان النهاية هي عينها البداية، فليس ثمة بداية ولا نهاية، وتنعكس النهاية وتقص البداية. فحركة الزمن دائرية، ولا يمكن أن تسير في خط متصاعد ينقلنا من نقطة إلى أخرى أو من تطور إلى تطور آخر، ولا يتبقى في تلك الحركة الدائرية للزمن سوى البعد الإشكالي/ الالتباسي بين دوائر الحياة التي تفضي إلى دوائر الموت حتماً، حيث الأفق الرمادي في البداية يعلن عن التوتر القائم بين نقائضه: العدم والوجود، الموت والحياة، وحيث الشوارع في النهاية تتحول إلى أرامل وخيوط من العنكبوت، وأفاع تنام على راحة القمر الأبدي الصموت، وحيث البيوت تتحول إلى قبور، والمصابيح تصبح مسمومة الضوء يقبع بداخلها الموت:

الشوارعُ في آخر الليل . . آه

أراملُ متشحاتٌ يُنَهِنهْنَ في عتبات القبور – البيوت

قطرةً . . قطرةً تتساقط أدمُعُهنَّ مصابيح َ ذابلة

تتشبث في وجنة الليل ثم . . . تموت!

.... .... ....

الشوارع في آخر الليل . . آه

خيوطٌ من العنكبوتْ

والمصابيحُ – تلك الفراشاتُ – عالقةٌ في مخالبها

تتلوى . . فتعصرها، ثم تَنْحلُّ شيئًا. فشيئًا

فتمتصُّ من دمها قطرةً . . . قطرةً،

فالمصابيح قوتْ!

.... .... ....

الشوارع في آخر الليل . . آه

أفاعٍ تنام على راحة القمر الأبدىِّ الصمُوتْ

لَمَعَانُ الجلود المفضَّضة المستطيلة يغدو مصابيحَ

مسمومة الضوِء يغفو بداخلها الموتُ،

حتى إذا غرب القمرُ: انطفأتُ

وغَلى في شرايينها السُّم

تنزفُه قطرةً . . قطرة، في السكون المميتْ!

إن الدال "آخر" يحيلنا على فكرة النهاية، والدال "الليل" يحيلنا على فكرة الظلمة والعتمة، وتتضافر الفكرتان معاً للتأكيد على مدارات الموت الشاجية التي انتشرت في كل مكان، وكأن دال "المصابيح" الذي يمكن أن يعزى إليه تبديد الظلمة وانتشاريتها لم يعد يمتلك هذه القدرة، بل تحول إلى الذبول وقوة الموت والسم، ودال "الشوارع" الذي يمكن أن يكون حركة الحياة وديمومتها قد تحول إلى أرامل وقبور وخراب مطبق وعنكبوت وأفاعي تنشر الموت في كل مكان.

لم تعد الحياة قادرة على الوقوف أمام سطوة الموت وانتشاريته، ولم يعد بإمكانها أن تمنح الأمل والحلم والتقدم؛ إنها تمنح الحزن والخراب والضوء المسموم بالإضافة إلى الوحدة والغربة وفقدان الحب، إن ارتحال "ألف دال" أفضى إلى تلك النتيجة المفزعة:

وأنا كنتُ بين الشوارع وحدي

وبين المصابيح وحدي!

أتصبّب بالحزن بين قميصي وجلدي

قطرةً .. قطرةً، كان حبي يموت

وأنا خارجٌ من فراديسه ..

دون وَرْقْةِ توتْ!!

إن إلحاح نص "سفر ألف دال" على تلك المدارات الشاجية للموت الملتبسة بمدارات الحياة هو إلحاح ينطوي، من غير شك، على أمل أو رغبة ضمنية للتخلص من الحيرة القائمة في ذلك النص، إنه كشف يطمح إلى فض هذا البعد الإشكالي بين دوائر الموت ودوائر الحياة. هذا الأمل وتلك الرغبة الضمنية تصدم القارئ، وتلفت انتباهه إلى مقاومة هذه الحيرة أو التخلص منها، لكي يعيد تشييد الحياة التي تسودها قيم الحب والاتصال والحرية والعدل والتقدم. إنها الحياة تلك الزهرة اللؤلؤة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 968


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة