الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
شيرين أبو النجا: جيل المثقفين الجدد يرفض سلطة الأب بتنوعها
شيرين أبو النجا: جيل المثقفين الجدد يرفض سلطة الأب بتنوعها
شيرين أبو النجا: جيل المثقفين الجدد يرفض سلطة الأب بتنوعها


09-16-2014 10:54 AM

زهرة مرعي
بيروت ـ «القدس العربي» من : «المثقف الانتقالي من الاستبداد إلى التمرد» كتاب جديد صدر عن دار روافد – القاهرة للدكتورة شيرين أبو النجا. مؤلف يبحث في عمق أزمة الثقافة والمثقف العربي بين خيار الحرية المطلقة، وخيار الانتماء للدولة وبالتالي لمنافعها. خصصت أبو النجا مؤلفها للمرحلة التي تلت 25 يناير 2011 في مصر، وأفردت صفحاته لتقديم صور عن أدوار المثقف المصري. وتوقفت بعمق عند حكاية المثقف والسلطة. في مؤلفها وجدت الكاتبة فيما أطلق عليه «الربيع العربي» صراعاً بين سلطة الأب والابن برؤاه الجديدة الرافضة لآليات القمع.
الدكتورة شيرين أبو النجا ناقدة وأستاذة اللغة الإنكليزية في جامعة القاهرة، صدرت لها عدة كتب بينها «مفهوم الوطن في فكر الكاتبة العربية». ورواية واحدة «خيانة القاهرة» صدرت في 2009. خلال زيارة لها إلى بيروت كان معها هذا الحوار:
■ لنبدأ بالسؤال المكرر: هل المثقف منتِج للمعرفة أم مجرد قادر على استهلاكها؟
■ سؤال أبدي. في الأصل يجب أن يكون المثقف منتج للمعرفة، لكن في العالم العربي وفي هذه اللحظة علينا أن نعيد هذا السؤال وأن نجيب عنه بدون أي خجل. نستهلك المعرفة، وليس معيباً أن نعترف بذلك. هناك من دفعنا دفعاً للإستهلاك. في المنطقة العربية نحن نمر بظروف أكاد لا أصدق أحياناً أننا مازلنا نعيش ونتنفس. الموارد المادية للمثقف منعدمة. يمكنه أن يحصل على الكثير من الأموال إذا انصاع وقدم بصياغات أنيقة ما تريد أن تسمعه جهة معينة. في الأصل هو مثقف منعدم الموارد. كم مثقف تسمعين عن موته لأنه لا يملك المال للعلاج من أمراض الكبد، الكلى أو السرطان؟ ليس للمثقف حرية التعبير ولن ندّعي غير ذلك. لن أتحدث هنا عن الموانع الدينية، فكذلك هناك الموانع الثقافية وأهمها الموانع السياسية. قالها ادوار سعيد من قبل في أحد أهم مقالاته، بأنه تمّ تدجين المثقف والمشتغلين بالنقد. بمعنى أن الناقد قبل شعار لنقرأ نحن ولندعهم يحكمون. وفي لحظة ما يشعر المثقف أنه يواجه الحائط، وما يجب أن ينتجه لن تقبله البيئة الحاضنة. وتكون النهاية إما اغتراباً، إما نفياً، أو تهميشاً ونبذاً. هناك أشكال متعددة من العقاب التي تنتظر المثقف، ولا تسمى عقاباً، وهو تواطؤ من كافة اطراف المجتمع وبين علاقات القوة. ومع لحظة ما سمي خطأ الربيع العربي ـ وهي تسمية أميركية بحتة ـ وأسميه الثورات العربية، تغير هذا الوضع بالنسبة للمثقف وسيتغير، ولكن نحتاج إلى الكثير من الوقت.
■ في تعريف المثقف العربي هل هو ملتزم بقضايا جماعة بشرية أم هو تكنوقراط يبيع خيراته لأي كان؟
■ سؤال من رحم السؤال السابق. في منطقتنا العربية انفجار سكاني مهول، ولدينا تنوع كبير. لهذا عندما أتكلم عن المثقف فليس هناك مثقف واحد. المثقف متعدد. هناك الملتزم باحتياجات جماعته ولديه قناعة سواء كانت أيديولوجيا أو غيرها، وهنا نتكلم عن المثقف العضوي الذي تحدث عنه غرامشي. وهذا لم يعد ملائماً كفاية للحظة التي نمر بها. وهناك مثقف وطني يضع العدالة نصب عينيه. وبالطبع هناك مجموعة تقدم انتاجها لمن يدفع وهم ما أسميتهم «تكـــنوقراط يبيعون خيراتهم لمن يدفع». وهكذا يظهر المثقف الأنـيق، المتعلِم القارئ. وهو ما يسمى بالمصرية «يضع السم في العسل». كل هذا موجود، ونحن في زمن العولمة.
■ من ينال منافع السلطة أية سلطة هل هو مثقف فعلي؟ هل يحفظ حريته؟
■ هذا ليس مضموناً. لدينا العديد من الأدبيات عن علاقة المثقف بالسلطة. في الأغلب لا. ففي لحظة الصدام وهي موجودة دائماً يجب الاختيار. وفي لحظة الاختيار، وبما أن هذا المثقف ربط خطابه بخطاب السلطة وبفرادتها، وساهم بنشر القناعة بإستراتيجيتها وآلياتها، ففي لحظة الصدام لا بد من الانحياز للسلطة التي تكبدت مصاريفه لزمن.
■ المثقف الفعلي هو من يدعو للتغير على كافة الأصعدة. في حال حصل هذا التغيير هل عليه الاحتفاظ بمسافة بينه وبين السلطة الجديدة بهدف تصويب مسارها؟
■ هذا إذا حصل التغيير الفعلي. حتى اللحظة السلطات تتوالد كما عروس الماتريوشكا وإلى الأبد، فما حصل في مصر هو وهم إلى حد ما. نعم السلطة تغيرت بعد 11 فبراير 2011، وفي اللحظة التالية للتغير اعتقدنا بقدرة على فرض شروطنا، لكن هذا وهم. فقط ازيح رأس السلطة وبقي النظام بالأفكار والمفردات نفسها، وكذلك بنفس الخطاب والآليات. ما حصل في مصر، واعتقد في تونس والمغرب أن جيلاً جديداً ـ بغض النظر إن كان شباباً أم لاـ تشكل وعيه الثقافي والسياسي في الشارع. الهم الأساسي لهذا الجيل هو رفض سلطة الأب. فمع إزاحة مبارك وزين العابدين وثورة شباب المغرب ضد ما يسمى المخزن، كنا مع مفردات وخطاب جديدين. كذلك كان الحال مع الكتابة ووسائل التعبير على صعيد التجديد. إذاً هي أفكار وأهداف جديدة ولا مهادنة. هذا الجيل همش المؤسسة وبدأ يبني عالمه الجديد بعيداً عنها. لهذا الجيل أماكنه ومقاهيه ومعارضه والسينما والموسيقى الخاصة به. تركوا المؤسسة لأهلها كي يشيخوا فيها. هذا هو عالم الجيل ومن يرغب بالالتحاق به يلقى الترحيب.
■ ماذا عن الحاجات الحياتية للمثقف؟ وهو من الأسئلة الأبدية.
■ فقدان المؤسسات الحاضنة هو من مشكلات المثقف. هذا الواقع يجبر الأكاديميين العرب للبحث عن منح في الغرب، أو ما يطلق عليه تعريف زيارة بحثية. في الحقيقة الأكاديمي العربي ليس هو من يختار، بل هم من يختار هذا الأكاديمي أو ذاك، ونتوهم أن الخيار لنا. نحن لا نملك مؤسسات بحثية تمويلية تتيح حرية اختيار البحث. بل هي مؤسسات تفرض أبحاثها، وهذا يعيدنا إلى السؤال الثاني الذي طرح في هذا الحوار. ليس في الجامعات حرية أبحاث، بل هناك خطوطاً حمراء. وكل فنان لديه خطة لمشروع عليه الرجوع إلى المؤسسة بحيث يكون المشروع ملائماً لشروطها. وعندها يرى هذا الفنان نفسه في بحث عن تمويل من المراكز الثقافية الأجنبية. وهكذا تتحكم الفلوس بالفنان.
■ حددت خيارات المثقف بأربعة اثنتان انتجتهما العولمة يضافان إلى خيار حضن الدولة أو العمل بفردية ضمن طليعة الشارع. أليس هناك من مؤسسات مستقلة؟
■ عندها سيتعرض المثقف لهجوم. هو هجوم على منظمات المجتمع المدني على سبيل المثال. وإن لم يُعجب هذا المثقف السلطة سيُسأل: من أين تمويلك؟ وطالما هذا المثقف يلتزم الخطوط المرسومة يبقى بسلام. هذا ما دفع بالجيل الجديد للفظ هذه الإختيارات، وتالياً القيام ببناء عالمه الجديد بمغامرة وتجريب وابداع.
■ وماذا عن المثقف المنشغل بالتخصص الضيق بعيداً عن الانشغال العام؟
■ هي في الحقيقة رفاهية لم تعد بإمكان المثقف العربي. قد يُدرِّس المثقف تخصصه من ضمن عمله الأكاديمي، إنما فكرة الاقتصار على التخصص رفاهية لم نعد نملكها، لأنها رفاهية برجوازية، والشأن العام واسع جداً جداً. ومن حق المثقف أن يتناول الشأن السياسي. عودة ثانية لأدوار سعيد فهو يسأل: أليس للناقد الأدبي القادر على قراءة نص بعمق قدرة تطبيق آليات القراءة عينها على وثيقة تاريخية؟ أو وثيقة سياسية؟ أو صورة فوتوغرافية؟ أليس لهذا المثقف أن يخلق لنفسه مساحات جديدة للتعبير بعيداً عن المساحات التي تحتكرها السلطة؟ مشكلة المثقف العربي أنه يريد مزاحمة السلطة في مكانها لينال الشرعية. في حين أن المطلوب فتح مساحة جديدة. ما قام به الجيل الجديد أنه ترك للسلطة كل شيء ليبدأ من مكان جديد، وهكذا تحولت السلطة للجري خلفه.
■ هل توافقين على صعوبة أن يكون المثقف مستقلاً؟
■ صعب جداً. هناك ثمن يجب دفعه في النهاية. قال ذلك ادوار سعيد في كتابه «صور المثقف» بأنه على المثقف أن يكون هامشياً لكي يكون له الحق في نقد السلطة. قيل هذا الكلام في الثمانينات، في حين نحن الآن أمام بحر متلاطم من الغيتوهات، القوميات، العصبيات، العشائريات والمذهبيات. تواجهنا مشكلة ضخمة.
■ كناقدة أسألك كيف انعكست تطورات الثورات العربية في الرواية والأدب؟
■ حصل تسرع شديد جداً بعد السقوط الشكلي للأنظمة. كان الجميع يحاول اثبات وجوده في تلك اللحظة، وحاول أن يثَبّت اللحظة. تسرّع كذلك بعض النقاد وأطلقوا على ما يكتب أدب الثورة. في لبنان حتى الآن يتناول الكتاب الحرب الأهلية بالتحليل. المسافة الطويلة ضرورية بين حدث كبير والكتابة عنه. ما كتب في مصر عن المشهد المصري هو بشكل يوميات، أما الخصوصية فلم تصدر. لم يمتلك الكاتب أدواته الخاصة جداً في رؤيته للمشهد فثمة لحظة عشناها جميعنا، وبعد ذلك تفرقت السبل وجرت الكثير من المياه في النهر. ربما أكثر جنس أدبي كتب عن الثورة وكان مواكباً لها هو الشعر، وخاصة شعر العامية. وكذلك الأمر مع الأغنية. أما بشأن الرواية والقصة الانتظار مطلوب. ظهرت بين الناس وسائل تعبير جديدة كمثل الكوميكس، الراب العربي. وهي أضيفت إلى الرسم والصورة الفوتوغرافية. كذلك فكرة الصوت مع المشهد البصري تقدمت قليلاً على الكتابة. ما حصل في الكتابة أنها أنتجت تفكيراً مغايراً. من بدأوا الكتابة متأثرين فعلاً بما حدث في الثورة، جميعهم يضرب في سلطة الأب، أياً كان هذا الأب سواء كان الدين، اللغة، أو المجتمع. وهذا ظاهر في كتابات ناشئة، ودون استخدام كلمة الثورة. وهو ما أراه التأثير الصحيح للثورة في الكتابة. في حين أن بدايات الثورة وما ترافق معها من كتابات يسمى تسجيل مشاهد.
■ لم يكن للمثقف المصري صوته المعروف حيال مجازر الصهاينة على شعب غزة مؤخراً. هل نأى المثقف المصري بنفسه عن الهم القومي؟
■ في الحقيقة رفض المثقف المصري ما حصل في غزة، لكن صوته لم يخرج للعلن. في مقاربة ما حصل في غزة كنا أمام أمرين. هناك دول سعت لسحب الملف الفلسطيني من يد مصر. والأمر الثاني هو معبر رفح الذي شهد غضباً من الجميع لعدم فتحه على مصراعيه. فالمعبر مفتوح وفق رقابة شديدة. في الوطن العربي تيار قومي قوي صُدم من عدم فتح المعبر، وشخصياً عانيت من هذا الأمر بشكل مباشر كمصرية، وبأن هذا المعبر يجب أن يُفتح. لن ندخل في تفاصيل الموقف الرسمي المصري من المعبر وأسبابه. وفيما شغل المعبر الصحف العربية، كان المثقفون المصريون يصدرون البيانات وهي موجودة على الانترنت، ومن ضمنها بيان العشرين الشهير الذي تم توجيهه للجامعة العربية. قوافل المساعدات التي ذهبت إلى غزة هي بتنظيم من المثقفين الذين يطغى عليهم الجيل الجديد، ولم يسلط عليها الضوء. فصدمة اقفال المعبر كانت هي الأساس. لم تكن هناك مظاهرات في مصر ضد مجازر الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني، لكن هذا لا يعني اطلاقاً أن الناس تخلت عن غزة. هي لحظة تجمع بين الإحساس بالعجز والإحساس بالقهر. دون أن ننسى حجم المشاكل الموجودة في كل بلد عربي. أحياناً لا أصدق أننا لا نزال نعيش ونتنفس ونحتسي القهوة، نكتب ونقرأ ونسمع الموسيقى. أما صورة الهدم والقتل الدائمة على الشاشات وكأنها تطبيع مع العنف. قرأنا عن القرون الوسطى وفصل الأجساد عن الرؤوس، ولم نكن نتخيل أن ذلك سيعود من جديد مع كل الحضارة والتكنولوجيا التي نحن عليها. والأسوأ أن التكنولوجيا هي التي نقلت الصورة. العنف جزء من يومياتنا. وتبقى غزة وفلسطين برمتها في القلب.

القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1049


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة