الأخبار
أخبار إقليمية
في سيرة المُساعدية والسواقين: كَان أَمْسيتْ بَقول يا الخَنْجَرْ وكان أَصْبَحْ مردوم بالحديد ومجَنزَرْ
في سيرة المُساعدية والسواقين: كَان أَمْسيتْ بَقول يا الخَنْجَرْ وكان أَصْبَحْ مردوم بالحديد ومجَنزَرْ
في سيرة المُساعدية والسواقين: كَان أَمْسيتْ بَقول يا الخَنْجَرْ وكان أَصْبَحْ مردوم بالحديد ومجَنزَرْ


09-19-2014 12:37 AM
الخرطوم - يوسف حمد

كانت تتملكني رغبةٌ كبيرة أن أكونَ (مساعدي) في واحدٍ من اللواري (الأوستين) التي كانتْ تملأ الرانجوك بالضجيج المحبب. فقد كانت الرانجوك مليئةٌ بمساعدية اللواري الملهِمين. وكنتُ مثلاً معجب برشاقة (صديق حربي) حين كان مساعدياً في لوري (أب شلخ)، وكذلك رزانة (عبد الغني إبراهيم) وشفقة (ود السراج) وهدوء (قسم الله قسم السيد) الشهير بـ (أسمراني) وتعجبني صرامة (الأمين صالح) ولا مُبالاة (شمس المعارف أحمد حربي)، هؤلاء هم المساعدية الذين تفتحتْ عليهم أعيننا حين كانوا يرفلون فرحين بملابسهم المتسخة المصبوغة بالشحوم والزيت الراجع، وكانوا مؤثرين للغاية في رؤيتنا للعالم، ونحن لم نزل صبيان. كنا نراهم كائنات مختلفة، ونعدهم قادة رأي نافذين في مجتمعنا الصغير. وأشد ما كان يلفتُ الانتباه إلى سلوكهم الحرفي كمساعدية، هو تبنيهم لأخلاقيات مهنية صارمة. مثلاً، لا بد أن يكون المساعدي هو آخر من يركب على اللوري بعد أن تدور عجلاته إيذاناً بالرحيل، ويكون أوّل من ينزل عند التوقف، قافزاً بحركة بهلوانية رائعة كما لو أنه في سيرك استعراضي.

شفتنة بالغة

وبطريقة الصعود والنزول، نحدد نحن شفتنة المساعدي من عدمها، وكان المساعدي يستنكف أن يركب داخل صندوق اللوري مع العامة من الركاب، ويرى في ذلك احتقاراً لمكانته المرموقة، لذلك يركب في أعلى نقطه من السيخ وهو مطلق اليدين، أو في الصناديق، ويشيح بوجهه إلى مقدمة اللوري، لا يبالي بخطورة الهواء الذي يواجهه أثناء سير اللوري، ودائماً يبدو المساعدي كما لو أنه خارج الجاذبية، إذ لا يمكن أن يسقط من اللوري على الأرض مهما كانت وضعية ركوبه ووعورة الطريق.

يوم الغسيل

إلى جانب ذلك، يحرص المساعدي على تغيير مكانه أثناء سير اللوري، كأن يغادر الصناديق إلى المؤخرة، ماراً بحافة الصندوق وجميع كتلة جسمه للخارج. وكذلك، ضمن أخلاقيات المهنة الصارمة، هو أن يحرس المساعدي اللوري، كما يحرس الكلب حمار صاحبه الضيف، ولا يغادر المساعدي حمى اللوري قط، ولا يقبل أن يكون لوريه متسخاً، وعادة ما يحتفظ بقطع من القماش بالية، يستخدمها في نظافة اللوري، إضافة إلى تعيين يوم محدد لغسل اللوري في الترعة، وفي الغالب يكون هذا اليوم محبباً للمساعدي، لأنه يتيح له إمكانية استعراض مهاراته في السواقة، جيئة من الترعة وذهاباً إليها دون مرافقة السواق، وأذكر أن مساعدياً اسمه (كليكس) كان ضحية لهذا الاستعراض حين صدم مخزن ود الجميل باللوري، وهو عائد من الترعة، وقد وجد (كليكيس) تعنيفا شديد اللهجة على تهوره ذاك، ويبدو لي أنه لم يمكث بعد التعنيف طويلا، لعله طُرِد أو جُرح كبرياؤه كمساعدي، ولم نره بعد ذلك.

إن شاء الله في (التنده)

بالطبع كانت التراتبية المعمول بها في عالم اللواري تجعل المساعدي في مرتبة أدنى من السواق، وعادة ما يدين له بالطاعة العمياء، بل لا يمكن أن يركب المساعدي مع السواق في التندة مطلقاً إمعانا في الاحترام، ومع ذلك كان المساعدي يرى نفسه أعلى مرتبة من سواق البابور، بل أن أصغر المساعدية، سناً وخبرة، كان يستنكف أن يكون سواقاً في بابور، ويسمونه تهكماً (عادم فوق). وكان الجميع يسخر من اللواري التي تجوب منطقتنا وهي تبيع الفحم، إذ كان لوري الفحم ينعت بأرذل الأوصاف التي يمكن أن تطلق على لوري. لكن، وفي كل الأحوال، فإن الجميع كانوا يساهمون برصيد وافر في الاقتصاد المعيشي للناس، بل كان لهم القدح المعلى في تلقيح ذاكرتنا الثقافية، إذ كانوا يتنقلون كنحلات بين ثقافات محلية ثرية، وقد وصلنا بفضل المساعدية والسواقين دوبيت الهمباتي (تيراب) وهو من الهمباتة المعروفين، وقد ذاع صِيْتُه في تلك السنوات باشعار جميلة:

"كَان أَمْسيتْ بَقول يا الخَنْجَرْ وكان أَصْبَحْ مردوم بالحديد ومجَنزَرْ/ المنام زنزانة والمرور في العنبرْ/ والحرس دينكاوي مسك أم كماين وصَنْقَّرْ/ مقطوعة النصيب المِن البنات مَسلوبَة/ هانونا النجوس فرقونا من بَكرة جِهينة أم رُوبة/ أنقروا البيَّ يا أهل السِبحة واللاَّلوبَة/ وحَلحِلوا قيدي مِن سِجن التَعايشة النُوبَة".

ارفعوا القبعات

لاحقاً، جاء جيل جديد من المساعدية أمثال (السماني صالح) و(قمر أحمد مالك) و(عبد الله إبراهيم، شقيق عبد الغني إبراهيم) و(عبد الله ود البشير الحمدي) و(كليكيس، وهو مساعدي وافد من خارج الرانجوك) و(محمد زين الإمام)، وغيرهم من المساعدية الذين تنازلوا كثيراً عن أخلاقيات المهنة الصارمة، وكان تنازلهم هذا تبعاً للحالة العامة التي تراجعت فيها الأشياء. وربما يقول قائل إن اضمحلال مكانة المساعدي كانت جزءاً من اضمحلال عالم اللواري برمته، وبالطبع سيكون هذا القائل محقاً.

حين تصلوا بالقراءة إلى هنا أرجو أن توجهوا احترامكم لهذا الفريق الحرفي الرائع من السواقين والمساعدية!!

اليوم التالي


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1424

التعليقات
#1109620 [المغترب]
0.00/5 (0 صوت)

09-19-2014 06:51 PM
سرد رائع وممتع 00وعشنا معاك هذه الزكريات الجميله00جزاك الله خيرا

[المغترب]

#1109513 [welli]
0.00/5 (0 صوت)

09-19-2014 03:32 PM
شكرا للسرد الممتع ,علي ما اظن اسم الرانجوك يرجع لي قريه ريفي المناقل والله اعلم,

[welli]

#1109505 [ميرغنى جمعة]
0.00/5 (0 صوت)

09-19-2014 03:14 PM
وين سبرة مساعد الحلة

[ميرغنى جمعة]

#1109493 [حمدالنيل]
0.00/5 (0 صوت)

09-19-2014 02:49 PM
احييك على هذا السرد الجميل واللغة الرصينة والوصف الدقيق لمهنة لهذه المهنة ولديك ملكة ابداعية في السرد الادبي باسلوب بلاغي بسيط ورفيع مع دقة الملاحظة والذاكرة المتقدة التي تميز الادباء. واعجبني استخدامك الرائع لكلمة "يستنكف" التي جاءت في موضعها تماماً ولا اروع منها.. واصل الكتابة.. إنك مشروع أديب كبير قادم..
لك التحية ولصديقي وزميل دراستي محمد احمد فضل السيد القادم من تلك الاصقاع النائية في الجزيرة المروية، وكم مرة سألته ما معني كلمة الرانجوك، وكنت المح فيها مثل تلك البلاغة اللاقتة في بعض احاديثنا البسيطة. أين هو الان لو تعرفه.

[حمدالنيل]

#1109457 [ود الدكيم]
0.00/5 (0 صوت)

09-19-2014 01:34 PM
منتهى الشجاعة أن تعبر عن أحلام طفولتك بعد أصبحت رجلاً لك صيت.

[ود الدكيم]

#1109390 [ماجد]
0.00/5 (0 صوت)

09-19-2014 12:09 PM
مقال جميل جدا .. اعادنا للزمن الجميل

[ماجد]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة