أقرأ في الظهران
أقرأ في الظهران


09-22-2014 08:30 AM
أمير تاج السر

لقد أسعدني الحظ هذا العام، أن أكون ضيفا مشاركا، في احتفالية أقرأ الثقافية، التي تنظمها شركة أرامكو الكبرى، في الظهران، كل عام، وتستهدف تنمية موهبة القراءة لدى الشباب من الطلاب، بدءا بالمرحلة المتوسطة، وانتهاء بالجامعات. وكانت تلك الفعالية الفخمة المميزة، قد بدأ تطبيق فكرتها العام الماضي، في المنطقة الشرقية فقط، وحضرها القارئ الشهير، ألبرتو مانغويل، مؤلف كتب القراءة، وهي دروس جيدة، لكل من أراد أن يقرأ، ويتوغل في القراءة، وربما يكتب شيئا فيما بعد، واتسعت المسابقة هذا العام، لتشمل كل مناطق المملكة.
حقيقة، لقد سمعنا كثيرا عن فعاليات الكتابة، أي تلك الورش التي تضم كتابا، وبعض الراغبين في أن يصبحوا كتابا في المستقبل، ليعملوا جميعا تحت إدارة مشرفين من الكتاب القدامى المحترفين، يمسكون بأيدي كتاباتهم، يقودونها نحو النضوج، أو على الأقل يضيفون بعض النقاط الضرورية للموهوبين من المشاركين. وشاركت شخصيا في ورش كثيرة من هذا النوع، كان نتاجها جيدا بالفعل وثريا. الذي يود تعلم الكتابة بمحض إرادته، قطعا يتعلمها إن عثر على من يعلمه قوانينها.
تلك الورش كما قلت، سمعنا عنها وعملنا فيها، لكن فعاليات ورش للقراءة، هذا هو الجديد في الأمر، وقد فكرت كثيرا قبل أن أذهب لحضور تلك الفعاليات، فكرت في الكيفية التي سأشاهد فيها تلك المسابقة، ولم أتوصل لحل..هنا ليس ثمة مشاركة بقصة أو فصل من رواية، ولكن مشاركة بقراءة، ولا أدري كيف ستكون تلك القراءة، ولا كيفية تقييمها.
كان الأمر جيدا فعلا، ومبشرا وداعما لمعنويات الكتابة والكتاب، وكان هناك مئات من الطلاب قد شاركوا بقراءات لكتب كثيرة، وتلخيص ما قرأووه، وعرضه على لجان متخصصة، للتصفيات المبدئية، وجاء الذين تم اختيارهم بعد تلك التصفيات، ليشاركوا في الفعاليات الختامية التي ستختار منهم، قارئ العام. وقد لفت نظري عدد الفتيات اللائي وصلن للمرحلة النهائية، وقوة تأثيرهن وهن يقرأن أمام الناس، ومنهن من قرأن كتبا لم أكن أظن أنها ستقرأ بواسطة طالبات في مراحلهن المتوسطة أو الثانوية، في هذا الزمن الذي نردد دائما، أنه ليس زمن قراءة، وإنما زمن انغماس في أجهزة التكنولوجيا، ولكن يأتي دائما من يذكرنا بالزمن الجميل، أي زمن القراءة الأولى لجيلنا، حين لم يكن هناك شيء سوى القراءة، والشغف الكبير لاكتساب المعرفة، وقد وضحت ذلك في شهادتي للقراء، وكيف كنا نبلغ قمة النشوة حين نعثر على كتاب.
فعاليات شركة أرامكو، في برنامج أقرأ، وبهذا الأسلوب المبهر الذي رأيته، تجعلني أولا أشيد بما قدم، بذلك المجهود الكبير الذي بذله مسؤولون في شركة نفط، أرادوا تقديم يد لانتشال المعرفة الغريقة وإنعاشها. ولأن الشركة تستطيع الدعم، فقد كان البرنامج زاهيا كما أرادوا له. وقد شارك في هذا البرنامج فنانون تشكيليون، ومصممون للجرافيك، وإعلاميون، وكتاب وشعراء، وعدد كبير من أهل الفنون والذوق العام، وحتى المشاهد العادي في صالة العروض، يستطيع وبشيء من التخيل البسيط أن يعتبر نفسه مشاركا في إعداد ذلك الحدث الكبير.
شيء آخر وجدته، وهو المشاركة بقراءة روايات صعبة، وكتب فلسفية، وبعضها ربما يبدو أكبر سنا من سن من يقرأه، لكن فعلا، موهبة القراءة لدى أولئك المشاركين، جعلت من تلك الكتب الصعبة، مادة سهلة، وهناك من ذكر أن الكتاب الذي قرأه، قد غير حياته تماما، وهذا قمة تلقي المعرفة، أن تغير شيئا من حياة من تلقاها، و لا تكون مجرد معرفة دخلت الذهن وخرجت منه بلا ضجيج. وقد علمت أن تلك الكتب كانت من اختيار المشاركين أنفسهم، ولم تكن ثمة قيود قد فرضت لاختيارها، وتوجد بعض تلك الكتب وقد شارك بها أكثر من قارئ، مثل كتاب: رأيت رام الله، للشاعر مريد البرغوثي.
أعتقد أيضا، إن من العوامل التي ساهمت في نجاح تلك الفعالية، الحماس الكبير من الجمهور الذي حضرها، وقد كانت خيمة العروض ممتلئة تماما، ولعلها المرة الأولى التي أشاهد فيها فعالية ثقافية، تجر كل هذا الحشد، والمرة الأولى التي أقرأ فيها شهادة عن تجربتي، يستمع لها كل أولئك الناس.
والآن ومن حقنا بعد نجاح برنامج أقرأ في موسمه الأول والثاني، أن نتساءل: لماذا لا يكون هذا البرنامج، عاما تحتضنه كل البلاد العربية، كل حسب إمكانياتها، وتقدم فيه الجوائز للقراء المميزين؟
لماذا لا نرصف للشباب طرقا معبدة يسيرون فيها نحو القراءة، بدلا من تلك الطرق التي رصفتها التكنولوجيا لما هو عكس القراءة؟،
أنا متأكد، إن أي مبادرات مثل هذه، ستجد من يدعمها من الذين كانوا قراء فيما مضى، وتسلحوا وخاضوا الحياة وانتصروا في جوانب كثيرة منها. وحسب علمي توجد مجموعات متعددة لقراءة الكتب ومناقشتها في كل بلد، لكنها تظل في النهاية، مجموعات صغيرة، ويمكن اعتبارها أنوية لأحداث كبيرة مثل حدث: أقرأ.
الأمر في غاية البساطة، ولا أعتقد أن تطبيقه صعبا. مجرد مبادرة من هنا وهناك وننتظم في برنامج قراءة، في كل بلد فيه شباب، يستحقون أن نشجعهم على القراءة، ونكرمهم، وهو يكرمون الكتب.

كاتب من السودان
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 771


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة