الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
'أعالي الخوف': شخصيات مهدّمة تتشبث باليقين المثقوب
'أعالي الخوف': شخصيات مهدّمة تتشبث باليقين المثقوب
'أعالي الخوف': شخصيات مهدّمة تتشبث باليقين المثقوب


10-04-2014 11:30 AM


هزاع البراري يطرح في روايته الجديدة أسئلة ولا يقدم الإجابة، في محاولة ناجحة لمعالجة قضايا وجودية كبيرة عبر تقاطع شخصيات شبه متناقضة.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: منى شكري

مساحات لا تخلو من طرافة

يضعنا الروائي الأردني هزاع البراري في "أعالي الخوف" أمام رواية وجودية بامتياز من خلال صداقة ثلاث شخصيات؛ الدكتور فارس الأستاذ الجامعي في الإعلام (المتحرر)، والشيخ إبراهيم ذي الميول اليسارية الذي درس الشريعة على كره، والدكتور بطرس طبيب الأسنان الذي تجرأ على دخول المدينة المحرمة؛ يعكسون تركيبة مجتمعية مختلطة ومتنوعة من حيث الوعي المعرفي والوضع الاجتماعي.

وقد مهد البراري للرواية، التي تقع في 205 صفحات وتحمل 23 عنواناً فرعياً، ببوح تعريفي بشخصياته:

إبراهيم: "يا هذه الدنيا أما من عالم آخر أهرب إليه غيرك وغير الموت"..

فارس: "كائن آيل للسقوط، مجرد زوبعة تعمي الأبصار ولا تجلب مطرا"

بطرس: "عندما أموت لن أكون مريضاً، سأموت لأنه حان موعد الدفن فقط".

وقد قصد البراري أن يكون أبطاله على درجة عالية من التعليم، لكنها لم تجر عليهم سوى التعاسة والقلق والحيرة التي سيطرت على حياتهم وشطرتها بين المعتقد الذاتي والمحيط الاجتماعي الذي لا يرحم، واختار أن تتحرك معظم الأحداث في جو شتائي كئيب منسجم مع الشخصيات ذاتها.

وفي سبيل الغوص في حياة أبطال حكايته المشبعة بالأسرار لجأ البراري، في روايته الخامسة، الصادرة عن الدار الأهلية للدراسات والنشر، إلى تقنية المونولوج الداخلي وتنوع السُّرَّاد الذين يروون من جهة حكاياتهم بأنفسهم في معظم أجزاء الرواية ويساهمون من جهة أخرى في البناء الروائي للشخصيات الأخرى، وذلك بالتوازي مع السارد الخارجي في حدود ضيقة، ليضعنا أمام مجموعة من المحكيات تنسج كامل الحكاية، وقد هيمن سرد الدكتور فارس على "أعالي الخوف"، ثم الشيخ إبراهيم، ثم الدكتور بطرس في لعبة بدت ربما مقصودة من المؤلف،حيث جعل مقدار هذا السرد يتناسب عكسياً مع حجم الهم الداخلي لكل شخصية.

تبدأ الرواية بتقديم شخصية الدكتور فارس وهو ينهي علاقته مع ديمة واحدة من عشيقاته الكثيرات فيظهر هذا الاضطراب والحيرة اللذان يسكنانه وهو يرد التحية عليها عندما حضرت "-أهلاً ديمة! ربما أحست أنني أحاول أن أتذكر اسمها، لذا رمقتني سريعاً" لتكون آخر كلماتها له في هذا اللقاء "مثلك لا يعرف الحب، ومن حسن حظي أنني تعثرت بشخص مثلك، لأدرك الفارق بين الحياة والموت".

ويعود البراري إلى هذه الحكاية في ختام روايته بعد أن يكشف للقارئ سر عقدة فارس عندما قرر، من أجل فرح قليل يؤنس به أواخر أيام والده بعد وفاة أمه، أن يصبح أستاذاً جامعياً بخلاف رغبته ليخنق نفسه بسياج الوقار الأكاديمي "من أنا؟ كيف كنت؟ وأي مآل صرت إليه؟ حققت حلم غيري وخسرت نفسي"، ولنكتشف كم ينطوي هذا المغامر النسائي في داخله على شخصية رومانسية ملتزمة عائلياً كما يتبدى في زواجه الذي انتهى بقرار من زوجته وحبه الأول والوحيد، حيث رفضت الاستمرار في علاقتها معه حتى تعيش محنتها وحدها بعد استئصال رحمها ومرضها بعيدة عنه، لتكون مغامرات فارس العاطفية "المحسوبة" رد فعل على التعاسة التي تسكنه في بحثه المحموم عن امرأة غير موجودة: "حياتي كلها مغامرة خاسرة بلا نزوة بلا معنى، وإنني أعيش هكذا لأتحايل على الزمن والحياة".

لا يبدو الوضع مع الشيخ إبراهيم ذي الميول اليسارية مختلفاً "ليس لي طفولة ممرغة بالشقاوات، أو أيام هائمة في مغامرات أطفال القرى.. لم يكن لمدرستنا في (بشرى) سور لأقفز من فوقه إن تأخرت عن جرس الصباح، كما أنني لا أتأخر، لم يسبق لي أن تأخرت، أمي توقظني مع الفجر، تجبرني على الوضوء والصلاة".

لقد ظل إبراهيم طوال حياته أسير صراعه الداخلي مع "مغارة الكرامات" التي لم يسمح لها أن تلتهمه، وقد كرسها جده معتكفاً له في قريته، وورثها أبوه الذي استشعر في ولده الوحيد أنه لم يخلق لهذا الدور، فتنبأ له بتعاسة لا تفارقه، لكن أمه ظلت تشده عبثاً إلى هذا "المصير المحتوم" .

ورغم أنه درس الشريعة، إلا أنه بقي في قرارة نفسه يعتقد أنه شخص آخر فأخذ يقرأ الأساطير والفلسفات والأسئلة تتفجر داخله وتفجره لتعود تلك المغارة إليه في صورة أستاذه وهو ينصحه "انغمس في جوهر الدين وغادر أسئلتك هذه فهي مهلكة"، وعاش في الجامعة بداية قصة حب فاشلة من طرف واحد مع فتاة مسيحية شيوعية، فهذا الحب وئد قبل أن يولد لأنه لم يحسم أمره بين ميوله الحقيقية والمسار الذي رسمه محيطه له وظلت المغارة تطارده في شخصية خليل الأجدب ابن قريته الذي رافقه مؤذناً في المسجد الذي يؤمه وما فتئ يذكره "بما يجب أن يكون" في رمزية لذلك الرقيب الداخلي الذي يلازمه.




يقدم البراري شخصية الدكتور بطرس ببوح مقتضب يعكس شخصيته الانطوائية التي تعيش موتاً بطيئاً "أنا؟؟ أنا بطرس نيقولا سالم مخائيل، طبيب أسنان متقاعد، لم يبق لي أحد، ولستُ أنا لأي أحد، أعيش أياماً متشابهة لا أعرف كم بقي منها". "وصارت لي عائلة في سنواتي الأخيرة، أشخاص تسكنهم لوثاتهم الغريبة، يا إلهي أي غربة هذه التي جمعت بيننا".

ولكن بطرس لا يذكر لهما السر وراء عيشه رهين محبسه في شقته التي اختارها عيادة له بعد مغادرته مدينة مادبا إلا متأخراً في السرد عندما أوشك على الموت، وكأن البراري يشفق على القارئ في كشف سر بطرس المأساوي فيؤجله إلى النهاية عندما أعلم صديقيه بقصة تلك الفتاة البدوية التي تزين صورتها عيادته؛ لقد أحب فتاة مسلمة في القرية التي كان يقيم بها وأنشأ فيها أول عيادة لطب الأسنان (مادبا) ليقتلها أهلها بعد اكتشاف هذه العلاقة، ويفقدوه رجولته "هي قتلتني، نعم قتلتني، القتل يكون مرة واحدة، إلا مع (عليا) لم تكف عن قتلي ليلة واحدة، ماتت بسببي، أنا كنت وراء موتها، قتلتها، لكني أموت ألف مرة ولا أموت".

ورغم حيزه المحدود، فرض بطرس حضوره الشفيف على خاتمة الرواية بعلاقته بعليا التي دخل بها البراري منطقة شديدة التعقيد، كقنبلة موقوتة، انفجرت فجأة لتشتت ما حولها، ولا يبقى لبطرس بعد كشف مأساته شيء يقوله: "لم يبق لي متسع لحياة قادمة، أنا في هذا البيت المسكون بالفراغ والوحدة والذكريات المحنطة، لا أعيش حياتي، بالتأكيد لا، أنا أعيش موتي، أتحرك في وسط قبر كبير وفارغ".

المرأة تبدو حاضرة بقوة في رواية "أعالي الخوف" والمؤثر الرئيس في شخصياتها، من خلال شخصية إيناس زوجة فارس وصويحباته، وعليا حبيبة بطرس، ووالدة إبراهيم وزميلته في الجامعة.

أما المكان فهو الثيمة الأبرز التي تمثل مفتاح هذه الشخصيات وهي تتجه في محاولات يائسة للهروب من عقدتها المكانية إلى محبس أو فضاء مكاني آخر؛ فالدكتور بطرس يتقوقع في عيادته ولا يعود إلى منبع مأساته إلا محمولاً على الأكتاف ليدفن قرب حبيبته، وقد ربط السارد بين وظيفة شخصية إبراهيم والفضاء كذلك، فحصرها بين ثلاثة أمكنة مغلقة أيضاً؛ المسجد والبيت والمغارة، التي يتجنب العودة إليها إلا مكرهاً ليقرر في النهاية مغادرة بلده ربما إلى غير رجعة.

الحال يبدو مع فارس مختلفاً، فطبيعته التحررية انعكست في الفضاء الواسع الذي اختار البراري أن يحرك فيه شخصيته في لمسة أضفت واقعية ساحرة على الرواية من خلال أماكن بمسمياتها الحقيقية ويخبرها العمّانيون تماماً بين شرق مدينتهم وغربها، لتكون ذروة حركة فارس المكانية في القاهرة حيث تعمل طليقته في محاولة أخيرة يائسة انتهت بتعهده لها بعدم العودة إلى ذلك المكان لتقطع عليه كل سبل العودة.

يأخذنا البراري مع عقد شخصياته إلى مساحات لا تخلو من طرافة، فالشيخ إبراهيم يقيم الصلاة في بار في صورة تعبر خير تعبير عن شخصيته المتناقضة، وبطرس ذلك الانعزالي رغم ما يعتور في داخله من آلام نجده ينهض في لحظة تجلٍّ منتشياً ليرقص رقصة "زوربية" على أنغام صباح فخري في ذات البار بعد أن تمكن الصديقان من إخراجه أخيراً من محبسه الذي اختاره.

البراري في "أعالي الخوف" يطرح أسئلة ولا يقدم الإجابة، في محاولة ناجحة لمعالجة قضايا وجودية كبيرة عبر تقاطع شخصيات شبه متناقضة أقرب للواقعية السحرية يتنازعها الرجاء واليأس، فلا تعثر على ردود يقينية لما يعتور بها من التباسات وشكوك بأسلوب جذاب ولغة سهلة متمكنة تضيء الذاكرة وتشعل الأسئلة الفلسفية بسلاسة كما يلخصها على لسان فارس وإبراهيم "القلق ينبت الخوف، والخوف يفجر القلق، وجهان لعملة واحدة، ونحن تلك العملة"..."لكل منا مغارته التي تلاحقه، لكل منا لعنة أزلية تدمره، وتسحب من بين يديه نكهة الحياة".

يشار إلى أن هزاع البراري من مواليد العام 1971، ويحمل درجة بكالوريوس علوم اجتماعية من الجامعة الأردنية، ويعمل مديراً لمديرية الدراسات والنشر في وزارة الثقافة الأردنية، وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وعضو مؤسس لفرقة طقوس المسرحية ومؤسس جمعية حسبـان الثقافية. وحائز على عدة جوائز منها: جائزة عويدات اللبنانية لأفضل رواية في الوطن العربي لعام 2001، جائزة محمد تيمور المصرية لأفضل نص مسرحـي عربي 2004، جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عن السيناريو للعام 2008، وجائزة أبوالقاسم الشابي التونسية لأفضل نص مسرحي عن نص قلادة الدم 2009، جائزة مهرجان المسرح الأردني 2009م لأفضل نص مسرحي عن مسرحية ميشع يبقى حياً (فوز للمرة الثانية).

وصدر للبراري أربع روايات قبل "أعالي الخوف" هي: "الجبل الخالد (1993)، "حواء مرة أخرى" (1995)، "الغربان" (2000)، "تراب الغريب" (2007).

كما له عدة مسلسلات ومساهمات مسرحية: (العرض المجهول) 1997م، (حلم أخير) 1998م، (مرثية الذئب الأخيرة) 2000، (العُصاة) 2003م، (الناي والنهر) 2004، (قلادة الدم) 2003، و(هانيبال) 2005.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1086


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة