الأخبار
أخبار إقليمية
منذ إنشائه في العام 1832 كان المبنى الكائن قبالة النيل الأزرق هدفاً لحملة "السيوف".. خلال 182 عاماً من عمره شهد عدة أحداث جسام
منذ إنشائه في العام 1832 كان المبنى الكائن قبالة النيل الأزرق هدفاً لحملة "السيوف".. خلال 182 عاماً من عمره شهد عدة أحداث جسام
منذ إنشائه في العام 1832 كان المبنى الكائن قبالة النيل الأزرق هدفاً لحملة


حكاية اسمها القصر الجمهوري
11-09-2014 11:46 PM
الخرطوم – الزين عثمان

منذ إنشائه في العام 1832 كان القصر هدفاً لحملة السيوف.. الدراويش في هبتهم المجيدة في السادس والعشرين من يناير في العام 1885 وهم يدكون بسيوفهم قصر غردون المحصن.. هل كان بهم مس من جنون أم هي فقط الشجاعة والإقدام وتعاظم الإحساس بالظلم.؟ لم يكن الانتصار ليكتمل ما لم ترتفع الرايات بألوانها المتعددة في القصر.. أو لهذا السبب نفسه ترتدي الانتفاضات شعاراتها.. (إلى القصر حتى النصر).؟

ثمة اتفاق عام على أن المبنى المطل على النيل يمثل المحطة الأخيرة لكل طامح في قيادة دفة سكان السودان، وهو في الوقت نفسه المحطة الأولى التي تكتب على بوابتها عرفياً ممنوع الاقتراب والدخول إلا لأصحاب المهمات الخاصة.. لكن المبنى يظل محتفظاً بسريته على العامة، ربما تبدو علاقتهم بها هي رفض سائق الحافلة في خط بحري التوقف إلا بعد العبور. حيث يختار البريد والبرق محطة له، ويعرفه آخرون في عبورهم ناحية بوابة شارع النيل من حركة ترحيب الديدبان ورده على من يحيونه بأبواق سياراتهم دون أن يجدوا مساحة حتى لرد التحية.

182 عاماً هي عمر المبنى الذي يستضيف الحكومة السودانية الآن، وفي داخل ردهاته تتم عملية طبخ القرارات المتعلقة بالبلاد. القصر الجمهوري في السودان شهد عدة أحداث جسام منذ وضع حجر الأساس له وحتى يوم أمس القريب. الرجل الذي نفذ الهجوم أمس ونعته البيان الرئاسي بالمعتوه بدا وكأن المشهد في كلياته دعوة للنظر ورواية حكاية اسمها القصر الجمهوري.

1

بعد أن نجحت حملة محمد علي باشا في القرن الثامن عشر في هدفها بإخضاع أراضي السودان لسلطة الامبراطورية العثمانية وحسم الجدل حول العاصمة، بدأت الخطوات الأولى في رسم خارطة الحكم الجديد وصناعة هيبته، وهو ما دفع إلى التفكير في بناء قصر لحكمدار السودان، وبدأت الخطوات في ذلك عبر وضع حجر الأساس في العام 1830 وبدأ البناء في العام 1832 وتم ذلك عبر مراحل متعددة، وكان على السودانيين في تلك الفترة قطع المسافة ما بين عاصمتهم القديمة سوبا والعاصمة الجديدة الخرطوم من أجل نقل مواد البناء وهي من الطوب والطين. في فترته الأولى كان يطلق على القصر الجمهوري سرايا الحكمدار العام وهو اللفظ الذي تغير لاحقاً ليصبح سرايا الحاكم العام طبقاً لتغيير صفة من يجلس في الكرسي هناك.

تم تصميم بنايات القصر على غرار تصاميم هندسة تشييد المباني الكبيرة التي كانت سائدة في أوروبا في القرن السابع عشر، مع لمسة شرق أوسطية واضحة تتمثل في الأبواب والنوافذ المقوسة إلى جانب النوافذ الرومانية والإغريقية والشرفات والفراندات البحر متوسطية.

2

درج غردون ومحبس نميري

يعتبر من أشهر أجزاء القصر الجمهوري، ويتخذ هذه الصفة باعتباره المكان الذي صرع فيه الأنصار غرودون، وذلك عقب ظهوره على لوحة زيتية انتشرت في الغرب تحكي مصرع غوردون باشا رسمها الرسام الإيرلندي جورج وليام جوي، الموجودة حالياً في متحف مدينة ليدز البريطانية. وكان الجنرال غوردون باشا حاكم عام السودان يسكن الطابق الأول في الجناح الغربي من المبنى الرئيسي للقصر عندما اجتاح الأنصار مدينة الخرطوم إبان الثورة المهدية وفي يوم 26 يناير/ كانون الثاني 1884م وعندما اقتحمت مجموعة منهم القصر كان غوردون يقف على السلم الداخلي المؤدي إلى غرفة الجلوس، وعلى درجات هذا السلم قُتل غوردون، وكان ذلك نهاية الحكم الثنائي على السودان وإيذاناً بقيام دولة المهدية الوطنية التي اختارت مدينة أم درمان القريبة من الخرطوم عاصمة جديدة للبلاد. لكن مشاهد الخطورة لم تكن لتقف عند محطة الأجنبي، فعقب انقلاب هاشم العطا في العام 1971 عاش الرئيس جعفر نميري الذي تم حبسه داخل مباني القصر قبل أن ينجح في استعادة سلطته وهي العودة التي كانت نتيجتها أن تحول القصر إلى اسمه الجديد وهو قصر الشعب.

3

لكن يبقى المشهد الأبرز في تاريخ القصر الجمهوري بالسودان هو يوم الأول من يناير في العام 1956. حيث بدأ السودانيون خطوتهم الأولى في بناء دولتهم المستقلة والتي تم إعلانها باحتفال محضور في القصر الجمهوري لم يكن ليكتمل ما لم تتدثر السارية بألوان العلم الثلاثة كتعبير عن رمزية الاستقلال السوداني وأن يهبط العلمان الانجليزي والمصري ليرتفع في مكانهما علم الجمهورية السودانية المستقلة، ولينال الأزهري شرف أول سوداني يجلس في المكتب الرئاسي الذي انفتح بعدها أمام آخرين، ليأتي عبود من بعده، ويسكنه نميري لستة عشر عاماً، تركه من بعده لعبدالرحمن سوار الدهب الذي اكتفى بعام الانتقال، وتركه لأحمد الميرغني رئيس مجلس السيادة قبل أن يلج إليه في العام 1989 المشير عمر البشير. ربما الشخوص هم الذين يمنحون المكان ألقه الدائم لاعتبارات نفسية تتعلق بعملية المقارنة بين الحكام والمحكومين، وأن لكل منهم مكانه الخاص به وموقعه الذي يسكنه. القصر الذي يوجد في داخله الآن مكتب رئيس الجمهورية ومكتب نائبه الأول، الذي كان مخصصاً في فترة التركية لمساعدي الحكمدار، وفي فترة الحكم الوطني خصص لأحد أعضاء مجلس السيادة، قبل أن يصبح مكتباً للنائب الأول لرئيس الجمهورية، ويمثل الصالون الرئاسي أحد المكونات الرئيسية في القصر الجمهوري، وهو المكان الذي يتم فيه استقبال الضيوف واعتماد أوراق السفراء من قبل رئيس الدولة. يتبع القصر إدارياً لوزارة شؤون الرئاسة التي يرأسها وزير، وتضم عدة إدارات متخصصة كإدارات المراسم والإعلام والشؤون القانونية والشؤون الإدارية والمالية والمكتب الصحفي لرئيس الدولة، وتعمل في هذه الدوائر كوادر مؤهلة في العمل الدبلوماسي والإداري والمراسمي، بعضها منتدب من وزارات ومصالح حكومية أخرى للقصر. قوة عسكرية تعرف بالحرس الجمهوري تتولى حمايته إلى جانب مهام أخرى مراسمية مثل تنظيم طابور شرف أثناء استقبال زوار البلاد من رؤساء الدول وأثناء مراسم تقديم سفراء الدول الأجنبية لأوراق اعتمادهم لرئيس السودان. ويمكن مشاهدة أفراد منهم يقفون أمام بوابات القصر بشكل مستديم في طابور حراسة مراسمي، بالإضافة إلى القيام بعملية استبدال للحرس أمام القصر وفي حضور عدد من الزوار أو السياح أو الجمهور.

4

يشكل متحف القصر جزءً من مباني القصر الجمهوري، وهو مفتوح للجمهور وفقاً لإجراءات معينة. لكن الجديد هو أنه حتى المبنى القديم للقصر في طريقه إلى أن يتحول لمتحف بعد اقتراب عمليات البناء في القصر الرئاسي الجديد من الاكتمال، وهو ما يمكن أن يفتح المغلق أمام الجماهير حال تحول لمزار سياحي يحكي تفاصيل حقبة من التاريخ السوداني.

بعيداً عن القصر تحت الإنشاء وقريباً من القصر الماثل الآن وبقراءة لمشاهد تكرر الاعتداءات والضحايا، فإن حق التساؤل يبدو منطقيا حول خطط الحماية التي تحيط بالقصر الرئاسي وهو أمر يتواءم وتساؤل آخر يتعلق بكيفية الدخول إليه لغير المقيمين فيه.!

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2940


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة