الأخبار
أخبار إقليمية
السودان يدفع ثمن انفصال الجنوب
السودان يدفع ثمن انفصال الجنوب



11-13-2014 05:48 PM
أسماء عبد الفتاح

مع مطلع عام 2011 الماضي، تم انفصال الجنوب عن السودان لتصبح دولة مستقلة بعد صراع طويل بين الشمال والجنوب ظن فيه الكثيرون أن الانفصال هو الحل الأمثل لتلك المشكلات العالقة بين الشمال والجنوب، إلا أن المشكلات وتداعيات الانفصال كانت أكثر بكثير من المشكلات التي انفصلا الطرفان من أجلها، ومنذ انفصال الجنوب شرعت قيادات حزب المؤتمر الوطني في التقليل من تأثير ذلك على الشمال حتى يغدو أمره عاديا و غير مثير للتوقعات و للفقد, و كأنهم قد تناسوا ما كانوا يؤكدونه مرارا أنهم سوف يحافظون على وحدة السودان حتى يسلموه كما إستلموه كاملا غير منقوص، ولكن منذ الانفصالوتقلصت إيرادات النفط في السودان كما اختفت الطبقة الوسطى بشكل واضح .

السودان بعد انفصال الجنوب أصبحت دولة راكدة، برغم التقاء النيلين الأبيض والأزرق فيها ليشكلوا نهر النيل الذي يتدفق شمالا إلى مصر، ولكن الأنهار برغم اتساعها إلا أن الاهمال فيها جعل ألوانها بنية وأضرارها كبيرة ، وبرغم أيضاً الآثار المعمارية الشاهدة على التاريخ الموجودة في السودان باعتبارها التجربة الاستعمارية الانجليزية والتواجد المصري هناك لكن تلك المباني القديمة أيضاً هرمت ولم تنقذ السودان من التدهور بعد حالة ازدهار عاشها السودان قبل الانفصال حيث كان في مطلع الألفية الثالثة دولة مصدره للنفط والذي أحدث طفرة اقتصادية استمرت عشر سنوات تحولت خلالها السودان إلى دولة لديها حيثية وكيان وتتوسع بشكل ملحوظ الطبقة المتوسطة، واستفادت من هذه النقلة الاقتصادية عدة أطياف بالمجتمع من صناعة النفط .

بحلول عام 2009، بدت الخرطوم إلى حد كبير أكثر حداثة من القاهرة كما يقول المؤرخون والباحثون في بعض المظاهر مثل العمارات والسيارات الفارهة والحياة الرغدة وازدهرت المطاعم في كل الشوارع حتى استثمر الايطاليون واليابانيون والماليزيون واللبنانيون أموالهم في السودان عبر فتح مشروعات اقتصادية وتجارية هناك.

لم تكن تلك البنايات الشاهقة الفارهة والمطاعم والمتاجر للأغنياء بل استهدفت الطبقة الوسطى الأكثرية في المجتمع لكن ما لبث أن اختفى هذا الازدهار وتبدلت هذه الطفرة بعد انفصال الجنوب في عام 2011، حيث كان هذا الانفصال بمثابة ضربة موجعة للاقتصاد السوداني لا سيما وأن ثلاثة أرباع إنتاج النفط اليومي أصبح في هذا البلد الجديد الذي انفصل عن الخرطوم وأطلق على نفسه جنوب السودان وترك للخرطوم الفتات.

وفي عام 2011 إلى عام 2012، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10٪، بعد نمو تجاوز 10٪ سنويا في منتصف الألفينيا ، وفقا لتقارير البنك الدولي حيث كانت الطفرة النفطية قد انتهت، أما بالنسبة للسنوات الثلاث الماضية فاضطرت الحكومة السودانية لرفع الدعم عن الوقود مما دفع أسعار النقل والعديد من السلع الأساسية إلى الارتفاع وزاد التضخم بانتظام أكثر من 40٪ سنويا، وفقا لتقارير البنك المركزي، وبعد أن كان الجنيه السوداني بثلاث دولارات أمريكية، أصبح الآن لا يساوي نحو 10 سنتا في السوق السوداء .

على الرغم من أن قيادات السودان ذكرت قبل الانفصال أن بترول الجنوب لن يؤثر على الشمال لأنه في حقيقته لا يمثل أكثر من 16 % من واردات الميزانية, و أن الشمال سوف يزدهر بعد انفصال الجنوب عنه و سوف يتقدم أكثر من السنوات الماضية، لكن الحقيقة أثبتت كما سبق أن تلك التصريحات واهية وكاذبة تماماً وبعد أيام قلائل من تلك التصريحات و قبيل بداية الإستفتاء على انفصال الجنوب، صدرت من الحكومة السودانية قرارات إقتصادية غاية في التعسف تؤكد أن تأثير إنفصال الجنوب على الشمال سوف يكون وخيما .

في حقيقة الأمر فإنه قد سبق تلك القرارات زيادات إقتصادية كان مسكوتا عنها و غير مبررة, فقد إرتفعت قيمة العملات الصعبة مقابل الجنيه السوداني و في ذلك خفض للجنيه غير معلن و بناءً عليه حدث التضخم الذي أدى إلى إرتفاع أسعار كل السلع, هذا بجان أن حكومة الخرطوم رفعت الدعم عن السكر و الوقود مع سياسة تحرير الأسعار التي أدت إلى زيادة الأسعار في السنوات التي تلت الانفصال .

تدهور الاقتصاد أصاب السودان بحالة سقوط مفاجئ من الأعلى للأسفل بشكل صادم، الأمر الذي عزز من إندلاع الاحتجاجات الشعبية رفضا لسياسات حكومة “البشير” مما دعا الحكومة لقمعها بمنتهى الوحشية في 2013 ، حيث قتلت قوات الأمن ما لا يقل عن 185 من المتظاهرين في الخرطوم والمناطق المحيطة بها، ولم يكن المحتجين من الطبقة الكادحة بل كان الشباب المحبط هو الذي صدم وتبدل أحواله في غفلة من الزمن من الاطباء والصيادلة وأبناء العائلات الميسورة حيث كان الجميع يشعر بوطأة سياسة الدولة حتى الأغنياء ، اما بالنسبة للطبقة المتوسطة فكان شعورهم بأن الحياة المرفهة المزدهرة في طريقها للانزلاق من بين أصابعهم .

أما بالنسبة للبعض فكانوا يكافحون من أجل توفير وجبة طعام لأسرهم، أما الأغنياء فانحصر اهتمامهم بين الاستمتاع بالحياة و الفن وتلقي العلاج في مستشفى رويال الدولية في شرق الخرطوم بعيدا عن المستشفيات الحكومية الرثة والعلاج المنتهي الصلاحية .

وأصبح التعليم في السودان بعد انفصال الجنوب مشكلة أخرى حيث عدم الثقة في نظام المدارس الحكومية حتى أن الأسر الفقيرة في العاصمة أصبحوا يحاولون إرسال أطفالهم إلى المدارس الخاصة، وفي ما يخص المشهد السياسي فلم يكن أفضل حالا من المشهد الاقتصادي حيث تجددت وتفاقمت أزمة دارفور بشكل أعنف مما كانت عليه خلال السنوات السابقة فما زال المسؤولون في حركة العدل والمساواة وهي الأقوى عسكريا وسياسيا على أرض المعركة، يناورون في منبر الدوحة، وهم في الوقت ذاته موجودون في مدينة جوبا حيث تُرصد بعض الترتيبات مع حكومة الجنوب، فالحدود المشتركة بين جنوب كردفان وولايتي شمال بحر الغزال وغربه تلعب دوراً مهماً لمصلحة العدل والمساواة، حيث تسهل الحركة وعمليات الكر والفر لمقاتليها، وبذلك تكون بديلا من التي اختار رئيسها أن يكون محايدا في هذا الشأن، وفي هذا الصدد من الجدير بالذكر أن التنسيق بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والمتمردين في دارفور قديم، أي منذ ثورة يحيى بولاد في بداية التسعينيات، حيث كان جل العسكريين الذين حاربوا الحكومة آنذاك من الحركة الشعبية، عندما لم تكن الفصائل العسكرية الدارفورية قد تشكلت بعد، هذا بجانب أنه من الممكن أيضا عودة التمرد في الشرق، حيث لم تؤد اتفاقية أسمرة مع الحكومة السودانية إلا إلى مكاسب موقتة وشخصية كذلك حركة كوش في الشمال التي تتخلق منذ فترة لم تحمل السلاح بعد.

من ناحية أخرى عادت أصوات المعارضة الشمالية لترتفع من جديد ضد الحكومة، وتحِّملها مسؤولية تقسيم البلاد وبرغم أن الخريطة السياسية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الماضية أشارت إلى ضعف أحزاب المعارضة، إلا أن احتجاجات المعارضة درجة الغضب المتنامية التي تحركها، تكمل صورة عدم الاستقرار السياسي المتنامي في شمال السودان، أما الأزمات التي خلقها الانفصال، فأهمها مشكلة أبيي ومستقبل ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان/ جبال النوبة.

ولم ينحصر انفصال الجنوب على السودان فقط بل امتد لدول الجوار حيث أثر على إثيوبيا التي بها جبهة تحرير أورومو التي تحاول الانفصال عن اثيوبيا وفتح هذا الانفصال طاقة أمل لهم وكذلك أثر على أمن مصر القومي حيث أصبحت الدولة الجديدة هي الدولة الحادية عشرة لحوض النيل، وستصبح أيضاً دولة منبع حيث يوجد حوض بحر الغزال في داخل حدودها، وبطبيعة الحال ستكون عضويتها في هذا التجمع النيلي ستؤثر سلبا أو إيجابا خاصة في مصر .

لم تنته الخلافات والاضطرابات بين الخرطوم وجوبا منذ الانفصال وحتى الآن، حيث كشف وزير الدفاع السوداني عبد الرحيم محمد حسين آواخر الأسبوع الماضي عن رفض دولة جنوب السودان ترسيم الخط الصفري المؤقت الفاصل بين حدود البلدين ، واتهم جوبا بتعطيل تنفيذ الاتفاقيات الخاصة بالتعاون المشترك ونقل إلى رئيس الآلية رفيعة المستوى التابعة للأتحاد الأفريقي ثابو إمبيكي آخر تطورات العلاقات بين الخرطوم وجوبا والملفات التي لازالت عالقة بين البلدين.

كان رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت أجرى في الخرطوم الأربعاء مباحثات مع نظيره عمر البشيرحول الملفات العالقة بين الدولتين واتفقا بعدها على السعي الجدي لحلحلة المشاكل الأمنية بين الدولتين، وطبقا للبيان الختامي الصادر عقب المباحثات الثنائية التي عقدت على مستوى القمة فانها توجت بالاتفاق على التئام الآلية السياسية الأمنية المشتركة خلال نوفمبر الحالي لتفعيل اتفاقية الترتيبات الامنية و تحديد الخط الصفري المؤقت وفقا للخريطة المعتمدة من الآلية الأفريقية رفيعة المستوى بغرض انشاء المنطقة الأمنة منزوعة السلاح، كما اقرا إعادة انفتاح القوات خارج تلك المنطقة وتفعيل الآليات المتفق عليها لوقف الايواء والدعم للحركات المتمردة توطئة لفتح المعابر العشر، مع تفعيل مفوضية الحدود المشتركة وآليات الحدود المشتركة، وتسمية الرئيس المشترك للجنة الإشرافية لأبيي من حكومة جنوب السودان واستئناف اجتماعات الآلية المشتركة.
البديل


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2894

التعليقات
#1149530 [المشروع]
0.00/5 (0 صوت)

11-14-2014 03:26 PM
المشكلة الآن ليست الجنوب فحسب ونقول الله يستر على الأجزاء المتبقية والتي تعرف باسم المنطقتين (اي النيل الازرق وجنوب كردفان) وأبيي. ومن ثم دارفور كوحدة لحالها وان رفض الوسيط الافريقي في المفاوضات الجارية في اثيوبيا حاليا ..

أمر في غاية الغرابة وأنه جزء من الحلقة الدولية التي تريد فرزعة الكيمان وتشطير البلاد كما ان وفد الكونغرس القادم من الايام القليلة القادمة نذير شئوم برغم ان الحكومة فرحة مسرورة لأنه يفتح لها باب الدولارات وانخفاض الدولار مقابل الجنيه وتحسين صورتها مؤقتاً الا ان هذا التقارب دليل على مشروع جديد ونيفاشا اخرى .. وما على الحكومة الا ان تنفذ تعليمات الغرب ..

صحيح الحكومة سوف تصرخ في البداية وترفع صوتها بالاعتراض ولكنها سرعان ما تسكت وتعود الى رشدها وضلالها وترضى بالامر الواقع لأن رئيس الدولة والكثير من مساعديهم مسلط عليهم سيف الجنائية واي محاولة للمقاومة من جانبه سوف يجد من يلجمه ويسكته..

الحل لمشاكل السودان في يد الحكومة وايقاف فرزعة السودان الذي كان اكبر دولة عربية واكبر دولة في القارة سيصبح في خبر كان وعلى الحكومة لملمة جراحات المواطنين ليس بدعوتها المموجة للحوار الذي لم تنفر الناس منه لانها حوارين حوار سياسي وحوار مجتمعي وربما تأتي لنا الحكومة بعد قليل بحوار ثالث ورابع.. على الحكومة ان ارادت خير السودان وايقاف عجلة تشتيته وفرزعته ان تعمل لمصلحة اهل السودان لا لمصلحة القوى الخارجية التي تسميها القوى الاسلامية.

كل فرد من افراد الشعب السودان له الحق في العيش في بلده اياً كان حزبه او ملته وعلى الدولة ايقاف تصنيف الناس على اساس ديني وتصنيفهم فقط كسودانيين لكل واحد الحق كما للأخوان المسلمين وما الاخوان المسلمين وما يسمى بالاسلاميين الا فصيل من هذا الشعب ليس له ادنى ميزة ولا امتياز في الحكم والسلطة و العيش والحياة في السودان على العدل والمساواة .. وليس على اساس انهم اسلاميين وعلى الاسلاميين ان ينتظروا جزاءه عند رب الارباب يوم القيامة ويوم يقوم الناس لرب العالمين وليس البحث عن مكافأتهم على اسلاميتهم في الدنيا وابواب السلاطين وتقلد الوظائف العامة الكبيرة والمنظمات والتجارات والبيوت التي تجري من تحتها الانهار في المجاهدين والشهيد طه الماحي والعمارات والرياض والطائف والمعمورة والدوحات وامتدادات الصافية وغيرها.

على الحكومة والمؤتمر الوطني الذي يسعى لخداع الناس بالحوار والاعداد من تحت الارض للقبض على الحكم لمدة خمس سنوات اخرى من خلال الانتخابات القادمة ان يعلموا انما يأخذون حقوق الآخرين ويظلمونهم وانهم يأكلون من اموال اليتامى والارامل وان تصاريحهم الصحفية وفي البرلمان لا تقنع احداً كما ان مقالبهم لا تنطلى على احد..

[المشروع]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة