الأخبار
أخبار سياسية
السودان والبعد الأفريقي
السودان والبعد الأفريقي
السودان والبعد الأفريقي


11-16-2014 01:03 AM
لا أقصد بالعنوان الدور الممكن للسودان في العلاقات العربية الإفريقية، فهذا -على أهميته- لا يتأتى إلا عندما يكمل السودان جهده الداخلي في خلق التناغم الضروري بين مكونه الإفريقي مع مكونه العربي، وهو أمر وجد داخل السودان نقاشاً مهماً تجاوز الدعوات الخارجية لأن يضطلع السودان بدور الجسر بين إفريقيا والعالم العربي. تلك الدعوة التي كادت تصبح (قشرة) من كثرة تردادها بلا وعي بمضمونها.
شهد الأسبوع الماضي مهرجان الكونجقار الذي تنظمه قبيلة (الأما) الإفريقية. وهو مناسبة تشبه عيد الحصاد حسب تقليد قديم عند النوبة أصحاب الحضارة العريقة. وقد درج أبناء قبيلة (الأما) على إحياء هذه المناسبة في العاصمة (القومية) للمحافظة على تراثهم أينما حلّوا، خاصة أن ارتباط (الكونجقار) بالإنتاج والحصاد من دواعي فخر أصحاب المهرجان. عكس المهرجان صوراً من الثقافة المحلية للقبيلة الإفريقية من رياضات أبرزها المصارعة وأغنيات طرب لها حتى الذين لم يفهموا معاني الكلمات، ورقصات تعبر عن معاني الحصاد وأفراح أخرى. إجمالاً يمكن القول إن (الأما) قد قدموا تراثاً يعبر عن غنى ثقافي وعراقة حضارية تؤهلهم بجدارة للتكامل مع غيرهم من أبناء الوطن الذين يحملون أيضاً حصيلة ثقافية وحضارية ثرية، فيبني الجميع وطناً يفاخر بتنوعه وغناه المادي والحضاري. وقد أجمع كل من حضر المهرجان من أبناء القبائل الإفريقية الأخرى ومن القبائل العربية أن التنوع السوداني يبطن كثيراً من أسباب القوة والنهضة، إذا تعارف أهل السودان ثقافياً وأحسنوا توظيف هذا التنوع. وتكون المقدمة الصحيحة لإنجاح المسعى بإزالة عقلية الإقصاء والانتقاء التاريخي والثقافي.. لكن آخرين يزعمون بعدم وجود عقلية إقصائية بينما يدعي الذين يشكون من الإقصاء أن رموزهم الثقافية والتاريخية لا تجد متسعاً في المنهج المدرسي والإعلام القومي.. يشيرون على سبيل المثال إلى السلطان عجبنا الذي ورد اسمه كثيراً ضمن فقرات مهرجان الكونجقار، ويتساءلون عن سر تجاهل اسم بهذه القامة في المنهج المدرسي. وكذلك الحال مع السلطان إبراهيم قرض والمك آدم أم دبالو. ويبلغ التجاهل مداه بإغفال السلطان تاج الدين الذي قاد المساليت في معركة دروتي ضد الفرنسيين، واستشهد السلطان بين جنوده كأبلغ ما تكون البطولة. لكن دروتي معركة لا يعرف عنها (المثقف) السوداني شيئاً رغم معرفته بواترلو. ويشير المنادون بضرورة التوازن الإفريقي العربي إلى فجوات في تدريس التاريخ السوداني، متسائلين عن سر معرفة بعانخي البعيد زمانياً وعدم معرفة تاريخ دولة المقرة وطمر دولة سوبا التي لا يعرف عنها المعاصرون سوى خرافة عن (عجوبة) التي خربت سوبا.
يقول أصحاب نظرية اختلال التوازن إن العقلية غير الموضوعية التي فارقت أساسيات المهنية والمنهجية في طرائق المناهج المدرسية والبحث قد أضرت بالسودان كثيراً، وهي تظن أنها تحسن صنعاً بترجيح الثقافة العربية التي لا تحتاج بقوتها إلى انحياز.. وقد أعد الأستاذ صهيب حامد بحثاً قيماً عن تاريخ العاصمة الاجتماعي بعد سقوط المهدية وإلى قيام ثورة 24، حيث لاحظ أن قيادة المجتمع في تلك الفترة (المتجاهلة) قد تركزت في سودانيين من أصول تعود إلى جنوب السودان وإلى النوبة، تشربوا الثقافة الحديثة من وجودهم السابق في مصر.. هم من شكلوا المجتمع الجديد وهم من أرسوا مفاهيم سياسية جديدة، وهم من نظموا وقادوا ثورة 24.. ولما وئدت الثورة أعمل المستعمر كل جهده للقضاء على هذه الشريحة الجديدة الخطيرة.. ومن علامات ذلك أن ابن البطل عبدالفضيل ألماظ قد مات حدّاداً فقيراً في ورشة بأم درمان بعد أن سد عليه المستعمر بتعليمات صريحة فرص التعليم في كل المدارس الابتدائية.
هل يمكن أن يستنتج من بحث الأستاذ صهيب أن التوازن الطبيعي قد اختل بعد قمع المستعمر لثورة 24 التي قادها سودانيون أفارقة كان من الممكن أن يشكلوا طليعة المجتمع السوداني في كل مناحيه؟.. قطعاً لن يكون هذا الاستنتاج صحيحاً، وإلا يكون أصحابه قد وقعوا في ذات الخلل الذي ينعونه على أصحاب فكرة ترجيح العروبة. لكن الدراسة تقدم دليلاً عملياً لتجربة إفريقية ناجحة في قيادة المجتمع السوداني، ومن ثم يؤكد أن الدعوة للتوازن دعوة تدعمها شواهد تاريخية.

العرب القطرية


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 742


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة