تمنيات باخوسية
تمنيات باخوسية


12-17-2014 06:52 PM


فلكي قزم يتقيأ أمنياته القزمية لحشد أقزام يحلمون بامتلاك موطئ للمبيت وفرصة أفضل لتجديد عبودية القرن العشرين والواحد والعشرين.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: نذير الماجد

يرتبط باخوس بالفرح والتدمير وربات الفن

كخبير "أبراج" أخطأ في حساباته الفلكية، وكأي فلكي دجال ومزيف سأقرأ في علامات النجوم أمنيات التدمير والشغب. سأتجاسر على اختراع لغة لاذعة، لغة اختلاف محض، تشيع فيها كلمات الإدانة والضغينة والعناد ضد الاجترار الفلكي للأمنيات الرخيصة والتي تباع عند أعتاب كل عام كسقط متاع زهيد، لكنه ضروري ضرورة خطابات الدجل وأقفاص التدجين المنتشرة في كل أصقاع الأرض.

أن تسقط أقفاص التدجين، هذه أمنيتي الأولى.

وأمنيتي الأخرى أن نلقم حجرا هذا الفلكي الثرثار، هذا البوق الذي يتمم حفلات المصادرة بمصادرة التمنيات نفسها، أن نلقمه حجرا لأن ما يتقيأه علينا كل عام لا يمثل إلا توقعات قزمية.

فلكي قزم يتقيأ أمنياته القزمية لحشد أقزام يحلمون بامتلاك موطئ للمبيت وفرصة أفضل لتجديد عبودية القرن العشرين والواحد والعشرين في صورة عمل لائق بقزم وبأحلام قزم.

أمنية الأمنيات هي فقط القدرة على صوغ الأمنية، بالإصغاء إلى ذلك الفلكي المشاغب الهاجع في داخلنا، خبير الأبراج الهرطيق الممقوت عند أقرانه والمبشر بأمنيات مثيرة للفزع، لأنها وحدها الأمنيات الصادقة، الناطقة بما يتحاشى قوله الجميع، وتعلن دائما وأبدا، على طريقة مظفر النواب شاعر "التخريب" والغضب، عن حادثة "السقوط" بوصفها أم الوقائع والمعارك والأحداث، ولتكن أمنية فريدة في عام فريد واستثنائي يمتزج فيه الواقع بالرؤية، واليقين بالوهم، ويبدو فيه العقل والزمن الموضوعي معلقا إلى أن تكتمل فيه آخر فصول ملحمة السقوط: يسقط الإكراه، تسقط الكآبة، تسقط المصادرة وكل خطابات التدجين والتمنيات الحقيرة، ويعيش الفرح النبيل.. يعيش باخوس!

يرتبط باخوس بالفرح والتدمير وربات الفن. المرأة عنصر جوهري في طقس لا يكتمل إلا بتأنيثه: عابدات يحملن أغصانا مسننة وسكاكين، ينظرن للأعلى ويرقصن مأخوذات بنشوة صوفية ولذة ممزوجة بعنف. ويقدمن القرابين ثم يلتهمنها فيما يشبه وليمة طوطمية.

الفرح يمتزج بشيء من الضغينة. إن الكاهنة الراقصة والمبتهلة إلى باخوس هي وحدها التي تدرك اللغز. أين يكمن الخلاص.. كيف نحيا الوجود.. كيف نواجه الزيف والخداع.. كيف ندمر الأمنية ونعيش اللحظة.. كيف نساير التاريخ ونفتتح عصرنا الذهبي؟

وحدها الباخوسية الحكيمة التي تمنحنا القدرة على تفكيك "الهيروغليفيا الكوميدية" التي نشهدها بشكل يومي في كل مكان.. وحدها القادرة على مواجهة الغش وكل خطابات الزور.

العابدة الباخوسية وحدها ترقص مبتهجة وهي تنثر السكاكين.. ولا تحفل بالرومانس الأبله. ووحدها التي تدرك أن المحبة تستدعي الضغينة، وأن الطقس المكتمل هو ذلك الذي يحثنا على تناقض: أن نوزع أقداحا نبيذية ثم نضرب بسكين.. وليذهب الابتذال والتفاؤل "الفلكي" إلى الجحيم.

غير أن لهذا البطل الباخوسي شخصياته المتنوعة. فإلى جانب باخوس المتبهج، وباخوس العنيف، وباخوس المنتشي المأخوذ بالوجد الصوفي، ثمة باخوس فنان يضفي على الطبيعة بعدا ثقافيا، بعدا تحويليا، بحيث يبدو رمزا ميثولوجيا للتحويل والصيرورة، فكل شيء ينبغي أن يتحول، أن يصبح غير ذاته، متجاوزا الانحباسات التي يفرضها منطق الهوية الثابتة والجوهرانية.

ليست الباخوسية إذن سوى إدمان التحويل: العقل يصبح جنونا، وكروم العنب نبيذا، والطقس ذاته فنا ورقصا وثورة وابتهاجا فريدا من نوعه، على هذا النحو يخبرنا "يوريبيدس" في "عابدات باخوس" المسرحية الوحيدة التي تسرد لنا ملامح الطقس النبيذي، عن ذلك السهل الذي "يفيض باللبن، يفيض بالنبيذ، يفيض بشهد النحل".. ثم تقع المعجزة: باخوس يضرب الأرض فتتفجر ينابيعا خمرية.

لكن التحويل يتجاوز مظاهره نحو كنهه وجوهره، إن باخوس بطل التحويل هو بطل الصيرورة، الأشياء لا "تكون" في الوعي الباخوسي وإنما "تصير"، كل شيء يصير إلى ما ليس هو إلا اللحظة، يقدم باخوس ذاته كمخلص ولكن ضد الخلاص، فالباخوسية نقيض للتمنيات واليوتوبيا والأفراح المؤجلة.

التماهي الباخوسي باللحظة دلالة على وجود حقيقي، الذين يدركون مزايا اللحظة دون تمنيات أو أوهام هم وحدهم الأحياء، هكذا ينطق الكورس في مسرحية "عابدات باخوس" للمؤلف الاغريقي يوريبيدس: "ما زالت هناك آمال لا حصر لها لأشخاص لا حصر لهم.. فمن يقض حياته سعيدا يوما بعد يوم، أعتبره أنا سعيدا".

لم يخطئ يوريبيدس حين أنطق الكورس المؤلف من عابدات تقيات لباخوس تلك الوصية الأم للأخلاق الباخوسية، فالسعادة المثالية هي السعادة اليومية ولا شيء آخر، السعادة المتولدة من رحم اللحظة، إنه رهان على "الآن" المعاش والذي يتبخر بسرعة، من هنا أمكن ليوريبيدس صياغة الباخوسية ضمن قالب تراجيدي، فالباخوسية بهجة متوحدة مع العالم والطبيعة والجماعة الكامنة في دلالة الكورس، بهجة من نوع تراجيدي والتي هي في جوهرها محاولة خلاصية لكسر قيود وحواجز العقل والتقاليد وصولا لتوحد كلي، حيث يصبح الكورس وباخوس ذاتا واحدة.

هكذا يستطيع المتلقي وبثقة خالصة تأويل الطقس كبهجة تراجيدية لا تتعالى على الألم، بل تحيله إلى ضرورة نغمية، ضرورة إيقاعية - إن جاز القول - لحكيم راقص يعرف كل عورات العالم وتسكنه الآلام النبيلة، ولا ينفك يشيح بوجهه، يتعفف ثم يأخذ بالرقص.. ليس الرقص على الألم كطائر يتعذب، وإنما بالألم ومعه وداخله.

هناك شكلان بغيضان يتوجب وضع حد لهما: الفرح المحض والحزن المحض.. الطقس الباخوسي يحمل طبيعة طاردة للتجريد، لا يفوت الباخوسية إدراك التماهي بين هذين الشكلين المتنافرين، إذ ليس الحزن المحض إلا وجه آخر لسعادة ساذجة تتغافل عن الكم الهائل من الألم والتعاسة القدرية، أما الفرح الحقيقي – كما يعبر أوفيد - فهو دائما ذلك الفرح الممتزج بالحزن.

علينا أن ندرك الباخوسية كديالكتيك انفعالي، تركيب من انفعالات تأخذ على عاتقها باستمرار في كل لحظة وفي كل عام "تجديل" الفرح بالخزن والحزن بالفرح، المزيج هنا مزيج إنساني مفرط، مزيج فوق إنساني، يأتي كمواجهة لثقافات تسودها الانفعالات البسيطة والمطلقة، يمكن القول إذن أن المزيج الباخوسي يبرز كوسط ثالث دأبه احتضان الشكلين النقيضين: ثقافة متفائلة تدشن أعوامها الجديدة بأعياد الفرح، وثقافة متشائمة لا تنفك تزاول مناحاتها الأزلية مدشنة كل عام باحتفالات جنائزية.

مع ذلك لا يعتزم الباخوسي تقديم بديل، كأن يكون تقدميا بإزاء المتشائم أو العكس، كما لا يجترح التمنيات البسيطة، تلك التي يرطن بها خبراء الأبراج "الفلاسفة أو الكهنة أو الفلكيون"، التمنيات الباخوسية نقيض ومجابهة ضد التمنيات المحافظة الجبانة المتشائمة والتخاذلية ولكنها أيضا وبالمثل ضد التمنيات التقدمية المسكونة بالآمال البسيطة وترسيمات المستقبل الخادعة. الباخوسية وهي تنأى بنفسها عن كل ذلك، تأخذ من التقدمية هوسها التغييري ومن التشاؤم واقعية الألم.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 464


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة