الأخبار
أخبار إقليمية
«المنديل».. في ذاكرة الغرام السودانية..الغناء السوداني مترع بسيرة المنديل
«المنديل».. في ذاكرة الغرام السودانية..الغناء السوداني مترع بسيرة المنديل
«المنديل».. في ذاكرة الغرام السودانية..الغناء السوداني مترع بسيرة المنديل


تطرزه الحبيبة بالحرير «عربون محبة» لحبيب بعيد في المهجر
12-19-2014 08:48 AM
الخرطوم: أحمد يونس
«أيقونة» الأغنيات السودانية «الطير المهاجر» بلغت قمة الإمتاع الغنائي والشعري والتطريبي، وألهم لقاء الفنان محمد وردي والشاعر صلاح أحمد إبراهيم في تلك الأغنية، الوجدان الشعبي جمالا منقطع النظير، وطربا يفوق حد السكر، وأثار كوامن العشق وأحيا طقوسه.

و«الطير المهاجر» أغنية عشق في الوطن وحبيبة وحنين عاشق مهاجر يبحث عن طقوس وصل، وأغنية تحتل هذه المكانة في وجدان يستحيل عليه نسيان «المنديل» هدية العشق الأولى عند «العاشق السوداني» منذ الأزل.
تقول الأغنية: «بالله يا الطير المهاجر.. قبل ما تشرب تمر على بيت صغير من شباكو بيلمع ألف نور.. تلقي الحبيبة بتشتغل منديل حرير لحبيب بعيد.. تقيف لديها وتبوس أيديها.. وانقل إليها وفائي وحبي الأكيد». ليست «الطير المهاجر» وحدها، فالغناء السوداني مترع بسيرة المنديل، فالراحل سيد خليفة غنى في المنديل: «يا منديل انت جميل والجابك لي ملاك وجميل»، كما غنى عبد العزيز داود: «المنديل المشغول جانبه أو تذكرين»، وكثير من سيرة المنديل في الأغنيات. ليست الأغنيات وحدها التي دونت سيرة المنديل «عربونا للمحبة»، وبوحا سريا بالعشق، فسيرة المنديل المرتبطة في الذاكرة السودانية بـ«الوجاهة والأناقة»، أعطته مكانة فسيحة في حياة الشبان والشابات.
وعادة تقضي الحبيبة بعض نهارها وليلها تطرز مناديل الحرير لعاشقها، دون أن تنسى تطريز أول حرف من اسم الحبيب على حافة، وحرفها على الحافة الأخرى، ثم تضمخه بعطرها، وتتحين الفرص لتدسه خفية في «يد حبيبها»، لتعبر له بصمت عن أشواقها التي كانت تحول التقاليد بينها وبينه.
تقول فايزة حسين، المنديل كان رمزا للمحبة ومرسال شوق، وتعبيرا عن فيض المشاعر، وكان المنديل المطرز بالحرير الأحمر والأخضر والمنقوش عليه قلب يخترقه سهم (سهم كيوبيد) عنوانا للحب والحبيبة، أما المنديل المطرز بالحرير الأزرق فيهدى للأب أو الأخ.
وتضيف: «في الولاية الشمالية كانت الأقمشة التي تستخدم في المناديل هي (الدمورية والدبلان) – أقمشة قطنية - أما البولين فهو هدية الأثرياء، وكانت من تهديه تكون قد أجزلت في العطاء». وتضيف أن الفتيات كن يبذلن الجهد لتعلم «أشغال الإبرة» ليتمكنّ من الإهداء لأحبتهن، في وقت كانت فيه الرقابة مشددة عليهن، ويحكمها القول: «الحب عيب كبير، لا تبوح به بنت ولا ولد».
وبمواجهة هذا الواقع، فإن المنديل هو صوت الحب المكتوم الذي يصل خفية، والفتيات في الأرياف كن يتحين فرص جمع الحطب (الوقود) وجلب الماء ليلتقين أحبتهن، ويدسسن المناديل في جيوبهم، وكان الشاب الذي يحظي بمنديل يكون بمثابة من «حاز على الغنيمة كلها».
وتقول تهاني عباس إن عادة تبادل المناديل بين العشاق ما زالت سائدة في جنوب السودان، وإن العاشقات هناك ما زلن يطرزن لعشاقهن المناديل الملونة، بل وتدخل في طقوس الزواج، وإن الزوجة تطلب من صديقاتها تطريز كمية من المناديل لتهديها للزوج وأصدقائه، تذكارا عزيزا وعربونا للمحبة.
ولا يقتصر تبادل المناديل على الأحبة المقيمين في المدينة أو القرية، بل يتبوأ مكانه «مراسيل شوق» للأحبة في مهاجرهم البعيدة، وغالبا ما يرسل عبر صديقة مأمونة على السر، وفي ذلك الزمان لم تكن المهاجر بعيدة؛ يكفي أن يذهب الشاب لمدينة أو قرية أخرى في البلاد لكسب عيشه ليعد مهاجرا.
وإلى وقت قريب كانت التقاليد لا تبيح للفتاة التعبير المباشر عن حبها، كانت تكتفي بالمنديل أو النظرات المسترقة، أو حتى بـ«الشبال» في الرقص المشترك، وكانت الحبيبات يجدن عناء ما بعده عناء في إيصال الشوق، فحلت «المناديل المطرزة» عقدة البوح.
ثم جاءت «المناديل الورقية» لتقضي على سطوة المنديل، وتنهي قصص العشق المنقوشة على أطرافه، ويدخل الناس هناك مرحلة العلاقات السريعة، وقصص الحب التي تنتظر هدايا قيمتها المادية أكبر من قيمتها المعنوية.
يعتقد الناقد د. أحمد الصادق أن المجتمع شهد خلال الخمسين سنة الماضية تحولات غير مشهودة، أدت لتفكك منظومة العادات والتقاليد، بما في ذلك طرائق الحب، واختفاء المنديل من طقوس تبادل المحبة بين العشاق. ويضيف: «تحولت الأغنيات باللهجات السودانية لذاكرة جمعية، وأرشيفا للمحبة والألفة، مما مكن الأجيال الجديدة من معرفة المنديل في أرشيف المحبة هذا».
اختفى المنديل واختفت معه قصص الحب الكبيرة والصامتة، وحلت محل أغنيات الحب وطقوسه العتيقة، أغنيات حب استهلاكية تحاكي إيقاع العصر الذي يخلو من العاطفة الصادقة، مثل: «سجل لي شركاتك أنا.. سجل لي عرباتك.. ما انت العسل زاتك»، لتعبر عن حبيبة استهلاكية لا تبقى في الذاكرة إلا سويعات.

الشرق الاوسط


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1104


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة