الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الميكانيكا الكمية .. قوة ربط النواة وأنفاقها
الميكانيكا الكمية .. قوة ربط النواة وأنفاقها
الميكانيكا الكمية .. قوة ربط النواة وأنفاقها


12-22-2014 06:44 PM
القوة التي تربط الذرات ببعضها البعض لكي تكون جزيئات، مثل ملح الطعام، تعمل على مسافات تقاس بجزء من مئة مليون جزء من السنتيمتر.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد زكريا توفيق

جسيمات النواة لا تريد أن تقترف جريمة

على الفور، بدأ علماء الفيزياء في بحث القوة التي تبقي على تماسك نواة الذرة فور اكتشافها. أول شيء لاحظوه، هو صغر المجال الذي تعمل فيه. بعكس قوة الجاذبية التي تعمل بين الأجسام، مهما بعدت المسافة بينها.

القوة التي تربط الذرات ببعضها البعض لكي تكون جزيئات، مثل ملح الطعام، تعمل على مسافات تقاس بجزء من مئة مليون جزء من السنتيمتر.

أما القوى التي تربط جسيمات النواة ببعضها البعض، فهي تعمل في مسافة أقصر من ذلك عشرة آلاف مرة. أي مسافات تقترب من أبعاد جسيمات النواة نفسها. ربما هذا هو السبب في أنها لا تتواجد خارج نواة الذرة.

هذه القوة، هي أشد قوة تم اكتشافها حتى الآن. إنها تستطيع التغلب على قوى التنافر الهائلة بين جسيمات البروتونات الموجبة الشحنة، وتجبرها على التعايش سلميا في رابطة واحدة داخل النواة.

حاول أن تجعل القطب الشمالي لمغناطيس يلامس القطب الشمالي لمغناطيس آخر. هذا يعطيك فكرة مبسطة عن قوى التنافر بين الشحنات المتشابهة.

القوة التي نتحدث عنها، أكبر من ذلك بكثير. لذلك تسمى القوة الشديدة. أما طاقة الربط، فهي الطاقة اللازمة للتغلب على هذه القوة الشديدة، والقادرة على تفتيت النواة إلى جسيماتها الأولية. كلما زاد عدد جسيمات النواة، زادت طاقة الربط.

للحديث عن استقرار أنوية العناصر، دعنا نستخدم طاقة الربط بالنسبة للجسيم الواحد. يعني مجموع طاقة الربط، مقسوما على عدد الجسيمات. هذه الطاقة تقاس بوحدات خاصة تسمى، إلكترون - فولت. وهي وحدة طاقة صغيرة جدا، لكنها تعتبر مناسبة في عالم الذرة.

الربط بين جزيئات المواد، الماء على سبيل المثال، يمكن فك جزيئاته من بعضها البعض في درجة حرارة الغرفة العادية. بدليل ظاهرة التبخر وتحول الماء إلى بخار. هنا طاقة الربط بالنسبة لجزئ واحد، تقاس بأجزاء من مئة جزء من ال"إلكترون-فولت".

أما إذا حاولنا تفتيت جزئ الماء مثلا إلى عناصره الأولية، ذرتين: هيدروجين وذرة أكسوجين. فيلزمنا في هذه الحالة طاقة أكبر، تقريبا تساوي 10 إلكترون- فولت للذرة الواحدة. هذه الطاقة تعادل رفع درجة حرارة الماء إلى 10 آلاف درجة مئوية.

لكن طاقة ربط جسيمات النواة، تقاس بملايين الـ "إلكترون - فولت". الآن يتضح لماذا لا تتأثر العناصر بالحرارة والتسخين وتقلبات الجو والزلازل والبراكين. تصادم الذرات، حتى في درجات حرارة عالية، قد تبلغ عشرات الألوف. لكن تأثيرها مثل إلقاء كرة مطاط على حائط جرانيت.

قام العلماء بدراسة درجة استقرار النواة ومقاومتها للتفكك والتحلل، بالنسبة للعديد من العناصر المختلفة. العلماء يقومون بدراسة كل ظاهرة تواجههم لمعرفة أصلها وفصلها. عندهم فضول قاتل.

عاملين زي عواجيز الفرح، عاوزين يعرفوا كل شيء عن العروسة والعريس بالتفصيل.

قاموا بقياس شدة استقرار النواة من جهة، وتماسك نواتها من جهة أخرى، وعلاقة ذلك بعدد البرونات والنيترونات بها. هذا العدد يسمى عدد الكتلة. أما عدد البروتونات وحدها في النواة، فيسمى بالعدد الذري.

ثم وضعوا البيانات في صورة رسم بياني. خط يبين شدة استقرار الجسيم داخل النواة، وخط يمثل الوفرة النسبية في الطبيعة بالنسبة لكل عنصر أو نظيره. الوفرة هي مقدار توافر العنصر في الكون كله، لا على الكرة الأرضية فقط. وهي نسبة تقديرية بالطبع.

الرسم البياني بين لنا، بالنسبة للذرات الخفيفة، التي عدد كتلتها يقبل القسمة على 4، مثل الهيليوم -4، الكربون -12، الأكسوجين -16، إلخ. هي أكثرها وفرة في الطبيعة. كأن هذه الأنوية تتكون من جسيمات ألفا فقط. باقي العناصر والنظائر، كلما زاد استقرار وتماسك النواة، زادت وفرة العنصر في الطبيعة.

بالنسبة لصراع الوجود في هذا الكون، البقاء للأصلح. الأكثر وفرة، هي العناصر الأكثر صلابة واستقرارا. لا مكان للضعفاء. الهيدروجين مستقر أصلا من أساسه، لأن نواته ليس بها تنافر، فهي تتكون من بروتون واحد. سنعرف السبب عند الكلام عن غلاف أو قشرة النواة.

الكلام بأن الأنوية المستقرة هي التي تتكون من جسيمات ألفا، كلام غير دقيق. لكن الشيء المؤكد، هو أن الأنوية التي عدد كتلتها مضاعفات الأربعة (2 بروتون + 2 نيترون)، هي أنوية شديدة الاستقرار والتماسك. أربعات تشكيل.

في هذه الحالة، تكون قوى الربط بين جسيمات النواة متشبعة. ويصبح من المستحيل إضافة بروتون أو نيترون زيادة للنواة المتشبعة. مثل الكوب الممتلئ، لا يقبل المزيد. أو السيارة كاملة العدد. نواة الهيليوم، على سبيل المثال، تأبي استضافة أي جسيم غريب (بروتون أو نيترون). لا يوجد في الطبيعة عنصر أو نظير له عدد كتلة خمسة.

عدم الترحيب بالغريب واستضافته، مبدأ غير أخلاقي لا يصلح للبني آدمين. لكنه يقوي ويشد من أزر نواة الهيليوم وأشباهه. تعتبر نواة غاز الهيليوم أكثر الأنوية تماسكا وصلابة في الكون، باستثناء ذرة الهيدروجين، التي تتكون نواتها من بروتون واحد، فهي متماسكة من أصله.




التشبع، خاصية جديدة، غريبة على القوة النووية. كما أن القوى النووية يبدو أنها لا تعبأ بالشحنات الكهربائية للبروتونات. فهي تعمل بين البروتون والنيترون كأنهما متساويا الشحنة. لكن كيف؟ لا نعرف الإجابة على هذا السؤال حتى الآن.

قوى التبادل بين البروتونات والنيترونات، هي قوى جذب تربط جسيمات النواة مع بعضها. لكن إلى أية درجة؟ لابد أن يكون هناك حدود لهذه القوى. إذا زادت عن حدها، جعلت جسيمات النواة تنصهر مع بعضها في شيء واحد.

بالطبع هذا لا يحدث. لأن الطبيعة تمنع ذلك. لا بد من وجود قوة أخرى طاردة، تمنع انصهار جسيمات النواة. تعتمد على موضع الجسيم داخل النواة وعدد الجسيمات.

كلما زاد عدد جسيمات النواة، زاد حجمها. كل جسيم يقع تحت تأثير قوى التبادل مع جيرانه. قوى الربط هنا تشبه السلسلة، كل يمارسها مع جيرانه. لكن قوى التنافر تتزايد مع ازدياد جسيمات النواة.

عندما تزيد قوى التنافر على قوى الربط في الأنوية الكبيرة، تصبح النواة غير مستقرة. فتحاول الطبيعة جعلها أكثر استقرارا. هذا يمكن إذا بدأت النواة في التخلص من الأجسام الزائدة. مثل السفينة الغارقة التي يتخلص ربانها من الحمولة الزائدة. الحمولة الزائدة التي تتخلص منها النواة، هي الإشعاع الذري. أشعة ألفا وبيتا وجاما.

يمكننا تحويل عنصر عادي حجم نواته متوسطة، إلى عنصر مشع، عن طريق تسليط وابل من النيترونات على نواته. فتصبح أنويته غير مستقرة. تحاول العودة إلى حالة استقرارها السابقة، لكن عن طريق مختلف. فيجد العنصر نفسه بعد الإشعاع، عنصرا مختلفا عن الأصل.

إذا أجبرنا نواته على بلع نيترون رغم إرادتها، فإنها ترد بإشعاع إلكترونات وأشعة جاما. في النهاية تتحول إلى نواة عنصر مختلف. إنها تهرب من هذا الزواج القسري، وتتحول إلى شيء آخر مختلف تماما وأكثر استقرارا.

الأنوية تبغي الاستقرار والسكينة بأي ثمن. لا تحب الفوضى الخلاقة. الأنوية غير المستقرة، لا يمكنها الاستمرار هكذا مدة طويلة. كلما كانت أكثر استقرارا، طال عمرها ووجودها. من ثم، زادت وفرتها في الطبيعة.

لكن القوانين التي تحكم الاستقرار في الأنوية، هي قوانين معقدة للغاية. قام العلماء بدراستها عشرات السنين، ولا يزالون ينقصهم الفهم الكامل لها. على سبيل المثال، لا يعرف العلماء لماذا أشعة ألفا مستقرة، كل هذا الاستقرار.

للتذكرة، أشعة ألفا هي أنوية الهيليوم، قيصر الأنوية المستقرة وأشدها صلابة.

الآن لدينا مشكلتان: لماذا تتطاير أشعة ألفا من النواة؟ ولماذا لا تتطاير البروتونات والنيترونات منفردة؟

الأنوية شديدة الإشعاع، تشع ألفا، التي هي نواة الهيليوم الرباعية العدد. فكيف يتسنى للرقم 4 أن يسبب استقرارا في أنوية، وفي نفس الوقت يظهر في الإشعاع الذي وجوده يعني عدم الاستقرار، أليس هذا تناقضا؟

كما أن نواة الهيليوم، التي عدد كتلتها 4، لا تقبل المزيد، ولا يمكن إضافة أي جسيم لها؟ إذن كيف تكونت الأنوية الأكبر من الهيليوم في الطبيعة؟

للإجابة على هذه الأسئلة، دعنا ننظر كيف تتبادل أشعة ألفا الميزون فيما بين جسيماتها. نعلم أن أحد طرق التبادل، هو أن يرسل النيترون شحنة سالبة من باي -ميزون، فيتحول بعد ذلك إلى بروتون. بينما البروتون يمتص هذا باي- ميزون، فيتحول إلى نيترون.

هذا يذكرنا بمنالوج محمود شكوكو: "أطلعله بره يدخللي جوة، أدخله جوة يطلعلي برة. سبب شقايا وأسايا هوه، مارتحش قلبي في حبه مرة. وهلم جرة."

هذا يعني أن المجموعة الرباعية بها على الدوام 2 بروتون و2 نيترون. لكن تخيل أننا داخل نواة بها مجموعات رباعية لا واحدة. فإذا أرسل النيترون ميزون، قام بامتصاصه بروتون من مجموعة مجاورة.

هنا حدثت جريمتان في نفس الوقت. المجموعة الأولى سيكون بها 3 بروتون ونيترون واحد، والمجموعة المجاورة بها 3 نيترون وبروتون واحد. لماذا جريمتان؟

لأن مبدأ باولي في توزيع الطاقة يمنع ذلك. البروتون والنيترون له نفس مقدار اللف المغزلي. لذلك ينطبق عليهما نفس قوانين توزيع الطاقة الخاصة بالإلكترونات.

هل تذكرون ما قلناه سابقا من أن الإلكترون له لف مغزلي مع عقارب الساعة وعكس عقارب الساعة. مما يجعلنا نضع 2 إلكترون في نفس السحابة دون الإخلال بمبدأ باولي لتوزيع الطاقة. نفس الشيء بالنسبة للنواة.




أشعة ألفا مستقرة وشديدة التماسك، لأن 2 بروتون و2 نيترون يحتلون نفس مستوى الطاقة. هذا ممكن ولا يعتبر إخلالا بمبدأ باولي لتوزيع الطاقة في النواة، لأنه في أية لحظة زمنية، سنجد بروتون ونيترون في حالة تغيير. وكأنهما جسيمات مختلفة. شغل حواة.

جسيمات النواة لا تريد أن تقترف جريمة. كما إنها لا تحب أيضا عدم الاستقرار. فماذا تفعل؟ تقوم على الفور بإطلاق الميزون وتبادل الأدوار بين البروتون والنيترون. مما يجعل المجموعة الرباعية معزولة عن المجموعات الأخرى.

كلما اتجهنا نحو الأنوية المتوسطة والثقيلة، قل التأثير الرباعي على استقرار النواة. عندما تكبر النواة وتصبح في حجم الفيل بالنسبة لباقي الأنوية، يكون تفاعل الجسيمات مع الجيران المباشرة فقط.

بالقرب من السطح الخارجي للنواة الضخمة، تتكون التشكيلات الرباعية التي ذكرناها. لأنها هي الأكثر استقرارا. هذا هو السبب، في أن الأنوية الثقيلة تشع جسيمات ألفا، بدلا من بروتونات ونيترونات منفردة.

لكن كيف تيسر لأشعة ألفا الهرب من النواة؟ النواة عبارة عن مجمع من الجسيمات المتصلة ببعضها. بينها قوة ربط. الجسيم داخل النواة مثل الإلكترون الواقع في الحفرة. أي مثل الإلكترون في السطح المعدني.

لذلك تسمى الحالة بئر الجهد. هناك حاجز مرتفع يمنع الجسيمات من الهرب بنفسها. نحن نعرف عمق البئر، أو ارتفاع الحاجز. وهو قوة الربط للنواة. كلام كبير لكن من السهل فهمه مع موسيقى باخ أو موزارت.

الحاجز العالي في النواة، يختلف عن حاجز الإلكترون الذي ذكرناه سابقا. حاجز النواة لا يحتاج إلى ألاعيب شيحة للقفذ من فوقه. الحاجز النووي ليس بئرا بدون جدران خارجية. لذلك لا تحتاج النواة أن توضع في مجال كهربائي.

الحاجز النووي عبارة عن سور. سور غير سميك، لكنه مرتفع جدا. الآن تأتي الميكانيكا الكمية للنجدة. إشعاع جسيمات ألفا من النواة، هو عبارة عن تسرب من أنفاق غزة. نعم تسمى هذه الظاهرة "تأثير الأنفاق". هكذا قال رجال الميكانيكا الكمية.

الخاصية الموجية للجسيمات وموجة دي بروجلي من جديد. تاني؟ يا رب ارحمنا. لقد قابلنا موجة الإلكترون من قبل. الآن نقابل موجة جسيمات ألفا. ألف رحمة ونور على روحك يا "دي بروجلي".

الجسيمات لا تعبر الحواجز. إنما الموجات هي التي تعبر الحواجز. لقد عرفنا من قبل كيف تسنى للإلكترون الخروج من البئر، أي من السطح المعدني. نقوم أولا بتحويل البئر إلى سور. كيف؟

بوضع المعدن الذي يوجد به الإلكترون في مجال كهربائي. فيقوم الإلكترون بالعبور من أنفاق عبر السور. الإلكترون ينفذ من الحيطان مثل سعيد أبوبكر في فيلم "السبع أفندي". الإلكترون في هذه الحالة موجة احتمالية.

نفس الشي هنا، غير أننا لدينا السور بدون المجال الكهربائي. فتقوم الموجة الاحتمالية لجسيمات ألفا بالعبور من أنفاق الحاجز أو السور، وتنطلق إلى الفضاء الحر.

كلام مجانين، لكنه علمي مدعم بالتجربة والمشاهدة والمعادلات الرياضية. هذه هي الميكانيكا الكمية. له حق أينشتاين يرفضها، ويقول إن الله لا يلعب النرد.

نظريا، جسيمات ألفا يمكنها التطاير من نواة ذرة الأكسوجين. لكن الاحتمال ضعيف جدا. بالنسبة للأنوية الخفيفة، الحاجز الذي يجب أن تعبره جسيمات ألفا كبير جدا، لهذا، الاحتمال ضئيل. أما الأنوية الثقيلة، فالحاجز منخفض. لذلك، الاحتمال كبير.

تأثير النفق يعتمد على ارتفاع الحاجز. هذا هو السر الدفين لأشعة ألفا. ارتفاع الحاجز بالنسبة للبروتون والنيترون في الأنوية الثقيلة، أعلى بكثير من ارتفاع الحاجز بالنسبة لجسيمات ألفا. لذلك الأنوية تشع جسيمات ألفا، بدلا من البروتونات والنيترونات منفردة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1136


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة