الأخبار
أخبار إقليمية
«شوق الدرويش»... رواية الرهان الخاسر
«شوق الدرويش»... رواية الرهان الخاسر
«شوق الدرويش»... رواية الرهان الخاسر


01-01-2015 11:02 AM

مهمة الأدب الأساسية هي طرح الأسئلة. الأسئلة التي تؤدي إلى التغيير. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار رواية السوداني حمور زيادة «شوق الدرويش» (دار العين) والفائزة بجائزة نجيب محفوظ للعام 2014، رواية الثورة والاستبداد، والموت والحياة والحب والحرب، والتي تُسقط كل ما هو **** وعادي، ولا يبقى معها غير القبض على الجمر، ومن ثم لا يمكث في الأرض سوى الشوق المستبد.

تبدأ أحداث رواية «شوق الدرويش» من نقطة ملتهبة، تتزامن مع نهاية دولة المهدي في القرن التاسع عشر الميلادي وخروج بطل الرواية (بخيت منديل) من محبسه وبحثه عن الانتقام ممن تسبب في حبسه وقتل حبيبته (ثيودورا)، أو حواء اليونانية التي أتت مع بعثة تبشيرية تنصيرية فوقعت في الأسر وأدخلها سيدها الجديد قسراً في ملته، وتم ختانها، ولكنها رفضت معاشرة سيدها، وتنتهي حياتها بالقتل مع مجموعة من الأوروبيين لمحاولتهم التسلل إلى مصر.

رحلة طويلة وعجيبة، قادنا فيها المؤلف إلى فترة في تاريخ السودان، ربما لا نعلم عنها شيئاً، تتعلق بـ «ثورة المهدي» الذي يتحدث وأتباعه وكأنه ولي من أولياء الله، يعد الناس بنشر العدل في العالم، ورفع الجور عن كاهل الخلق، تلك الحقبة التاريخية التي تناولها كثير من المرويات الأجنبية ومحكيات سودانية انقسمت بين راوٍ لهول فظائعها وسارد لبطولاتها التي تكتسب طابعاً أسطورياً أحياناً.

تأسست الدولة المهدية على يد محمد أحمد المهدي (1844-1885) وتعتبر فترة حكمها من أكثر الحقب تدويناً في تاريخ السودان، كما كُتب عنها سرد مليء بالحكايات العجائبية من فظائع في عهد عبدالله التعايشي؛ خليفة المهدي، ومن أمثلتها «السيف والنار» لسلاطين باشا، و»عشر سنوات في سجن الخليفة» للأب النمساوي أوهر ولدر، واعتمد الكاتب على هذا المرجع الأخير في بعض الوقائع.

لا يعتمد حمور زيادة تقنية زمنية واحدة، فهو يستخدم «الفلاش باك»؛ تلك التقنية السينمائية ثلاث مرات، ويستخدم أيضاً تقنية تجاور الأزمنة. ربما تبدو تلك الفوضى الزمنية ما هي إلا انعكاس لفوضى المرحلة التي تغطي أحداثها رواية «شوق الدرويش»، فهي رواية الزمن المستحيل والحب المستحيل. فبطل الرواية؛ بخيت منديل هو شخص خاسر طوال حياته، لذلك يتعلق بالحلم البعيد الذي سيورثه الألم؛ «ثيودورا». هي رواية الرهانات الخاسرة بدءاً من الحب وانتهاء بالثورة. نعم الثورات في بعض الأحيان تكون رهانات خاسرة، فقدم الثورة ثقيلة كقدم الطغيان وفق المؤلف فقد كفَّر أتباعُ المهدي من يخالفونهم الرأي وأباحوا دماءهم وأعراضهم، حتى غير المخالفين لهم مثل بطل روايتنا قد تطاله يد الثورة أو كما يقال تأكل الثورة أبناءها.

رحلة مترعة بالحب والانتقام يقودها بطل الرواية للحصول على ثأر حبيبته ولا تهدأ الإ بموته، تجعلنا نؤمن بأن الحب قدر لا نستطيع الإجابة عن أبسط سؤال عنه وهو لماذا؟

تحفل رواية «شوق الدرويش» بشخصيات كثيرة متباينة وربما ذلك يجعل القارئ مرتبكاً في البداية ويحتاج إلى شحذ همة ذاكرته خلال كل عدد من الصفحات، لكن البناء الدرامي اللاهث وتعاقب الأحداث لا يجعلان لدى القارئ الشغوف تلك الرفاهة القرائية، إضافة إلى متعة التنقل بخفة بين صفحات الرواية. فكأننا نرى شخوصها ونحفظ ملامحهم؛ بخيت منديل، والحسن الجريفاوي، وثيودورا، وفاطمة ومريسيلة. ورغم أن الرواية تحكي عن حقبة زمنية معينة، إلا أنها ليست رواية تاريخية، بل هي اتخذت من التاريخ تكئة واستفادت منه، لكنها في النهاية آنية جداً، وليست ثورات الربيع العربي عنها ببعيدة.

اللغة عند حمور زيادة هي فتنة طفلية. لغة مغوية في براءة تلعب مع الموروث لكنها لا تهبه نفسها بالكلية. لغة مراوحة تترنح بين الجدة - من التجديد - والجدة من الصرامة التي يمارسها الكاتب أحياناً ثم تنساب رقراقة صافية حين يكون الحديث عن العشق والشوق من غير إفراط ولا تفريط. وهذا المقطع من الرواية خير مثال: «كانت أنتِ. فقط لو كنتِ أحببتني! لكني لا ألومكِ. لقد تعلمت في حياةٍ عشتها أن الحب كالقدر، لا تملك من أمره شيئاً. أنا آتٍ يا حوَّاء. آتٍ أخيراً. ربما عرفتُ الآن ما كنتُ لا أعرفه، ربما أبرر لنفسي تعبي وتعــطشي للنــهاية، لكني لا أهتم. لقد تعـبت. هي ساعاتٌ ويعلقوني على مشانقهم، بيني وبين لقياكِ حبل مشنقة. لا تحزني، فإنما هو لقاءٌ لا فراق بعده. إنما هو لقاءٌ يسكن بعده الشوق».

«شوق الدرويش»، رواية لا يسكن شوقك إليها بمجرد الانتهاء من قراءتها، لكن الشوق ربما يعاودك لتلتهمها مرة تلو الأخرى.
دار الحياة


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 710

التعليقات
#1180164 [سرحان ماجد]
5.00/5 (1 صوت)

01-02-2015 03:26 AM
صورة غلاف الكتاب تذكرني بفتيات بوكو حرام المخطوفات ... سلسلة طويلة حلقاتها لا زالت تترى : الوهابية و مؤرخها ابن غنام و كتابه (روضة الأفكار و الأفهام لمرتاد حال الإمام و تعداد غزوات ذوي الإسلام) يحدثنا ابن غنام عن الغزوات و الغنائم و السبايا التي وفق الله ابن عبد الوهاب لتحقيقها ... ثم تلوح صور الايزيديات و الدواعش يسبون و ينكحون و يبيعون و يهدون تأسيا بابن عبد الوهاب و بمن سبقوه ، و بين تلك الصور صور الطالبان و الشباب الصومالي و المجاهدين في جنوبنا حيث كانوا ينكحون السبايا و لا زالوا في دار فور و المجتمع الدولي الكافر المتخلف يسمي ذلك اغتصابا ... هنيئا للمنكحوات منذ المهدي عليه السلام و حتى اليوم على يدي الأشاوس من جماعات الدعم السريع و عبرهم للعالم أجمع التهاني موصولة للدواعش و النصرة و أنصار الشريعة في ليبيا و جماعة علمائنا في السودان ...

[سرحان ماجد]

ردود على سرحان ماجد
United Arab Emirates [قاسم] 01-02-2015 04:17 AM
و ينكرون تاريخ الغزوات و السبايا و يكفّرون من يذكّرهم بها ... يا لبؤس عالمنا ... هنيئا للمنكوحات باسم إخراج البشرية من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده ... تأمل قول المهدي لأمين بيت المال عن دفعه ثمن جاريتين من السبي حتى يخرج من أكل المال الحرام! بيع البشر ليس دنس فيا لها من معايير ...



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة