الأخبار
أخبار إقليمية
وهم التفوق لدى رأس الدبلوماسية السودانية
وهم التفوق لدى رأس الدبلوماسية السودانية
وهم التفوق لدى رأس الدبلوماسية السودانية
كرتي مع وزير خارجية قطر


01-03-2015 09:50 PM
خالد الاعيسر*
*
كانت ذروة فهم الواقع السياسي السوداني يومها، حين كنا في جلسة رمضانية في صالون الاستاذ حسن تاج السر في لندن مطلع الألفية، جمعتنا مع صاحب الدار الكريم، وكل من الأستاذ المحبوب عبد السلام المحبوب، والسياسي السوداني "الجنوبي" بونا ملوال "أمد الله في أعمارهم".. والأديب الراحل الطيب صالح، والراحل الصحافي الكبير حسن ساتي، وعميد الصحافة السودانية الراحل محمد الحسن أحمد؛ "طيب الله ثراهم".

لن*أنسى*مدى الأريحية بين غرماء السياسة وأصدقاء الثقافة والأدب*في مثل تلك الجلسات، وقد سأل المحبوب عبد السلام يومها صديقه الطيب صالح، عن سر عدم زيارته للسودان إبان العهد الأول للإنقاذ في أوائل التسعينيات؛ لما كانت الحركة الإسلامية موحدة وأمرها على قلب رجل واحد، فرد الطيب: "أنتم يا ابني محبوب كان نصفكم مجانين والنصف الآخر عقلاء، لما الواحد يصل مطار الخرطوم يقبض عليه المجانين وعلى بال ما يسمعوا بيهو العقلاء، يكون المجانين قضوا غرضهم وعملوا فيهو العايزنو".

لا شيء يجسد الغرور أو الادعاء أكثر مما يحدث الآن في حكومة الإنقاذ، ذلك الواقع الذي يكرّس لهيمنة وتغوّل المجموعة "التي سماها الطيب صالح يومها بالمجنونة" على كل مناحي الحياة وانفرادها بالقرار السياسي، الذي أدت انعكاساته لتخلف السودان وتدني مستوى التنمية فيه، بل وتفكيكه إلى دولتين، ولربما تستمر رحلة التفكك من واقع المعطيات الموجودة على المسرح السياسي، حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.

ليس غريبا أن تتعاطى دبلوماسية الدول الناجحة مع العالم من حولها عبر سياسة خارجية تتسم بالحكمة والعقلانية والتوازن، وتغليب مصالح شعوبها؛ إلا أن السودان ظل أسيرا لتصرفات قلة أكثر ما يعنيها هو تحقيق مصالحها، بغض النظر عن مصالح شعبها.. هذه القلة دائما تظن وبعد أن حكمت السودان "بالحديد والنار" لعقدين ونصف العقد، بأنها مجموعة وهبها الله قدرات خاصة حتى تكون أيقونة لظاهرة كونية عنوانها التفوق "نادرة الحدوث".

هذه الحالة التي تتجسد في سلوك الكثيرين من قادة حكومة الإنقاذ في السودان، عرفت عالمياً "بتأثير دانينغ وكروغر" نسبة لمبتكريها ديفيد دانينغ وجوستين كروغر، وهي نظرية تشابه إلى حد كبير مقولة تشارلز داروين "الجهل يولد الثقة في كثير من الأحيان أكثر مما تفعل المعرفة".

تأثير دانينغ وكروغر هو انحياز معرفي يشير إلى ميل الأشخاص غير المؤهلين، للمبالغة في تقدير مهاراتهم وقدراتهم، أو لأنهم يعانون من وهم "التفوق"؛ وهكذا الحال مع بعض صناع القرار السياسي السوداني، وعلى سبيل المثال نذكر منهم رأس الدبلوماسية السودانية ووزير الخارجية علي كرتي، الذي يملأ الدنيا ضجيجا هذه الأيام.

ربما من السهل لكل مراقب لمسيرة الإنقاذ أن يلاحظ وبدون كبير عناء، أن الحكومة السودانية دائما تبدع في خلق الأعداء، وثمة تجارب سابقة وآنية معاصرة تؤكد ذلك، وأدت إلى نفور الحلفاء والأصدقاء، في وقت ظل فيه السودان وشعبه أحوج ما يكون لكسب الأصدقاء، وليس نفورهم.

من بين هذه الإخفاقات سلسلة من الأخطاء الكبيرة ارتكبتها وزارة الخارجية السودانية مؤخرا، بدأتها بمطالبة بعثة الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد) بإعداد خطة للانسحاب من السودان؛ اتبعتها باستدعائها السفير الأردني في الخرطوم عايد جميل الدرارجة وتسليمه "رسالة احتجاج واستنكار" على مداخلة نائب المندوب الدائم للأردن بالأمم المتحدة وتعقيبه على بيان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، ومطالبته بضرورة امتثال السودان للمحكمة.. وواصلت الوزارة إخفاقاتها بطرد منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان علي الزعتري ومديرة برنامج الامم المتحدة الإنمائي ايفون هيلي.. واختتمتها بقرار إعادة مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير رحمة الله محمد عثمان، لاتهامه بالغياب عن جلسة مجلس الأمن التي قدمت خلالها المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا تقريرها الخاص بالسودان، علما بأنه دبلوماسي محترف.
وزارة الخارجية ارتكبت كل هذه الأخطاء والهفوات في ظرف أسبوعين، وأظن أن أخطرها تمثل في تصريحات وزير الخارجية السوداني الأخيرة في مؤتمره الصحافي في الخرطوم في أعقاب مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للسودان بالعدول عن قرار طرد كل من علي الزعتري وايفون هيلي.. حيث خرج كرتي بعدها على كل قواعد وأخلاقيات العمل الدبلوماسي، عبر تصريحات ضمت الكثير من المضامين المجافية للأدب الدبلوماسي والتي من بينها قوله، إن الخارجية السودانية تصرفت بثقة "ورجولة"عندما قررت طرد المبعوثين، هل لعاقل أن يتخيل أن يصدر تصريح كهذا من قمة الدبلوماسية في أي دولة من دول العالم، وهل يمكن أن يصدر تصريح كهذا من أي دولة تضع أدنى اعتبار لمصالح شعبها وارتباطاته بالعالم من حوله؛ ولا أدري ما هو تفسير الرجولة عند كرتي، عندما قرر تعيين زوجته أميرة داؤد قرناص سفيرة للسودان في إيطاليا، "على الرغم من تمتعها بالمؤهلات العلمية والخبرات المطلوبة؟".

لقد تساءل دبلوماسي سوداني سابق "مشهود له بالكفاءة والنجاح" في جلسة خاصة، عن دبلوماسية الإرتجال والعشوائية بالقول: "كيف لدولة وزير خارجيتها قادم من سوق السجانة وتجارة الإسمنت والسيخ أن يفلح في إحداث التغيير عبر العمل الدبلوماسي، ويعني تغيير صورة السودان؟".. والحقيقة أنه ليس عيبا أن يكون الوزير كرتي قادما من السوق، ولكن العيب أن يمارس التجارة في حله وترحاله تحت ستار العمل الدبلوماسي، وكما يقال "من يجلس فوق مقعدين لابد أن يسقط بينهما".
كرتي تكهن قبل أيام من اجتماع مجلس الأمن بعدم صدور قرار إدانة في حق السودان، وقال: "حتى لو صدر القرار فإن مجلس الأمن اتخذ من قبل عدة قرارات تتعلق بالسودان لكنها لم تؤثر عليه"، ألا يعلم كرتي أن صورة السودان في العالم أصبحت أسوأ مما يتخيل أي عاقل.. كيف لا يعلم كرتي بأن قرارات كهذه إن صدرت أو لم تصدر لا محالة أنها تضر بعلاقة السودان مع المجتمع الدولي؟ ألا يعلم الوزير أن مثل هذا التفكير العقيم هو السبب الأساسي للعزلة الدولية التي يعانيها السودان، والتي لم يشهد لها التاريخ مثالا مع كل الأنظمة التي حكمت البلاد منذ الاستقلال. نعلم أن كرتي يندرج ضمن قائمة مليارديرات قادة الانقاذ.. ولكن ألا يعلم كرتي أن السواد الأعظم من أبناء الشعب السوداني هم من الفقراء وأكثر من يتأثر من حالة الركود التي تعانيها البلاد من مثل هذه التصريحات غير المسؤولة.

كرتي لم يسلم هو نفسه من انفعالاته، ونعلم أن هناك حراكا قد قطع شوطا بعيدا يقوده عدد من الناشطين بغية ضمه إلى قائمة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، على خلفية تصريحات سابقة أدلى بها العام قبل الماضي، اتهم فيها حركة العدل والمساواة بالقتال الى جانب قوات العقيد معمر القذافي، الأمر الذي أدى الى مقتل المئات من السودانيين في حملة انتقام قادتها المعارضة الليبية.

كل هذه القضايا تكشف، وبكل وضوح فشل وزير الخارجية في الملفات الخارجية، بالإضافة للفشل الداخلي الذي تعانيه واحدة من أهم الوزارات السيادية بسببه، ومعلوم أن كرتي "محليا" وقبل التعديل الوزاري الأخير كانت له خلافات كثيرة منها، مثلا خلافه الشهير مع القوات المسلحة بسبب تصريحاته في البرلمان بعدم معرفته برسو السفن العسكرية الإيرانية في ميناء بورتسودان، علما بأن من نسق العملية هو سفير السودان في إيران، الذي يقع تحت مظلة كرتي الإدارية.

ليت الطيب صالح كان حيا، ليعلم أن القائمين على أمر الإنقاذ هذه الأيام لم يعد نصفهم من العقلاء كما كان، وإنما غالبهم ممن وصفهم يومذاك بالنصف "الذي تميز بأنماط من السلوك الذي أودى بالسودان".
٭ كاتب سوداني مقيم في بريطانيا
صحيفة القدس العربي
khalidi32@yahoo.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2824


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة