الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
دي موسيه: سأنام .. وأخيرا سأنام
دي موسيه: سأنام .. وأخيرا سأنام
دي موسيه: سأنام .. وأخيرا سأنام


01-08-2015 12:15 PM


الشاعر الفرنسي جنحت به روحه اللآئبة صوب حب سجل التاريخ فصوله التراجيدية بدقة.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: قاسم محمد مجيد

أين ذهب الذين أحبهم؟

"إن الإنسان صبي ومعلمه هو الألم" ـ دي موسيه

لم يكن كتاب "ألف ليلة وليلة" إلا لحظة ظلت متوهجة بسحر لياليها في خيال هذا الصبي المنكب على المطالعة ليكتب المسرحيات القصيرة ومحاولات أولى في كتابه القصائد لكن الشاعر الفرنسي دي موسيه (1810 - 1857) لم ينتظر طويلا لتحقيق حلمه، فقد أتيحت له فرصة ذهبية لقراءة بعض نصوص قصائده أمام الحلقة الخاصة بالأديب فيكتور هيجو وهم من كبار الداعين إلى نشر المذهب الرومانسي!

إعجاب هيجو بتلك القصائد كان كافيا لأن يصبح ضيفا شبه دائم في صالون هيجو الأدبي ألا انه لم يتأثر بهم فهو يقول "إنهم اخطأوا حين اعتبروه أحد رفاقهم" لكن دي موسيه لم يستطع أن ينأى بعيدا عنهم فهو صريع ازدواجيته والتناقض العميق بين مثاليته وابيقوريته وهو ذات الانقسام بين منطقه الأحلام والوجود الاعتيادي!

ورغم الأوصاف التي أزجيت له كشاعر فرنسا الغنائي وشاعر الحب والألم . إلا انه كان تعيسا "ويائسا"ودائم الظن أن الموت يبحث عنه والسماء شيئا فشيئا أشد قتامة فكان ذلك يفزعه "لست الملاك الحارس/ ولست أعرف أين ذهب الذين أحبهم/ فوق هذا الوحل الضئيل الذي نعيش فيه".

وهو في معركة شرسة ضد العزلة والوحدة ويعيش في خوف مستمر من أن يظلل نفسه! "فعندما تشعر بالألم / اقبل إلي بلا قلق / لأصحبك على الطريق / ولكنني لا أستطيع إن أمس يدك / يا صديقي إنني العزلة".

جنحت به روحه اللآئبة صوب حب سجل التاريخ فصوله التراجيدية بدقة، ففي العام 1833 جمعته أمسية ثقافية مع الأديبة الفرنسية جورج صاند (1804 - 1876) كانت كافية لأن يفتح قلبه له. صاند اللعوب صاحبة التاريخ العريض من العلاقات الغرامية والتي أسدلت الستار على علاقتها مع الشاعر الفرنسي ميريميه، بسبب ادعاءات تتعلق برجولته! ترى في موسيه الشفاف الرقيق سجين عواطفه التي تصل حد القداسة ضالتها، فتتواصل معه في لقاءات يتبادلان إنتاجهما الأدبي أولا. ثم يجنح بهما الحب إلى مسارات أخرى؟

ويقسم دي موسيه أن يكون الحب سر حياته وعلّة مماته "يأيها القلب الذي تملؤه المرارة والذي ظن أنه مغلق / لتحب كي تعود إليك حيويتك". ويبدأ الاثنان رحلة حبهما خارج أسوار فرنسا إلى ايطاليا ومدنها الخلابة ليعيشا معا أجمل أيام حبهما، لكن عارضا صحيا ألمّ بموسيه، أسرع بافتراقهما فصاند الضعيفة أمام نزواتها التي لا تحد ترى في الطبيب الشاب الذي يعالج موسيه منافسا له فتتوطد علاقتها به، ويشعر موسيه بالخذلان فيرفع الراية البيضاء بعد أن فقد كل شيء وينسحب بهدوء لكن سيل الرسائل بينهما لم ينقطع فيكتب لها "انه ميت من حب ليس له نهاية أو اسم"، وترد عليه "إني على استعداد لان أضحي بكل حياتي من أجل يوم واحد أحظى به بحنانك".

وتقتلها اللوعة وتقص شعرها الجميل في لحظة جنون ويقرر موسيه الرحيل من فرنسا فتنهشها الوحدة فتكتب "يا حبي الوحيد يا حياتي اذهب ولكن اقتلني وأنت ترحل".

جرح صاند لم يندمل فيه لكنه تدفق إبداعا أدبيا فنشر كتابه "اعترافات فتى العصر" كي يظل شاهدا على حجم عذابه وكبر لوعته، ويعقبه بديوان نشر فيه أروع قصائده وهو "الليالي الخالدة" (1835 – 1836) لنكتشف كم كانت صاند مصدر إلهامه وعبقريته.

أما صاند فتكتب قصه حبها لموسيه بكتابها "هو وهي" 1859 صدر بعد وفاة موسيه بسنتين.

كان موسيه يتوق إلى امرأة تنتزعه من نفسه القلقة المحتارة لكن شبح صاند ظل يلاحقه رغم انه بعدها عرف الكثيرات دون أن يثق بواحد منهن لكن دون أن يكفر بالحب لأنه الحقيقة الوحيدة في الوجود. قصائد موسيه كان لها فعل السحر في نفوس معاصريه إلى الحد الذي جعل كثيرون من الرجال يهدونها إلى زوجاتهم كباقة من الزهور، رغم ان موسيه عاش ممزقا حين أضنته الحقيقة وعرف فظاعتها "حين عرفت الحقيقة / حسبت أنها صديقة / وحين فهمتها وشعرت بها / أحسست بالتقزز منها" فاتسع شعوره بالخذلان منها.

عاش موسيه أيامه الأخيره مع صديقه العزلة، الذي لازمه حتى لحظات احتضاره في عمره القصير هذا. ففي الأول من مايو/آيار 1857 أغمض عينيه للأبد بعد أن قال كلمته المشهورة "سأنام وأخيرا سأنام" سار في جنازته ثلاثة وثلاثون شخصا فقط ليودعوا شاعر فرنسا الكبير الذي قال عنه الناقد الكبير سانت بيف إن اسمه لن يموت.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 750


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة