الأخبار
منوعات سودانية
على سعة الحضور" الاستراحات الشعبية.. أشباح ظلال على الطرق القومية
على سعة الحضور" الاستراحات الشعبية.. أشباح ظلال على الطرق القومية
على سعة الحضور


01-10-2015 07:44 PM
كسلا - محمد عبد الباقي

ثلاث ساعات بالتمام هي الزمن الضائع من رحلة انطلقت من الخرطوم قبل شروق الشمس صوب كسلاً ولم تبلغها إلا بعد الزوال!! الساعات المهدرة أنفقها سائق السيارة بين أربع استراحات وشجرة ظليلة لم يستطع مقاومة سحرها، فتوقف عندها لربع ساعة تقريباً. الاستراحات المتناثرة على الطريق القومي تشد إليها المسافر وتغويه بأساليب متعددة على ولوجها مهما كان حريصاً على عدم تبديد الوقت، فمثلاً: التحدث مع العاملين فيها، احتساء فنجان قهوة، التقاط صورة، النظر إلى أديم منطقة نائية، تذوق طعام تقليدي. هذه بعض المغريات التي تمنحها للمسافرين خاصة أولئك الذين يدمنون اكتشاف تفاصيل حياة الآخرين.

راكوبة على سعة الحضور

ثلاث سيارات خاصة كانت تسير بخطى حثيثة ليحظى ركابها بالفطور مع (عائشة) التي اتخذت لها ركناً قصياً على طريق كسلا الخرطوم خارج مدينة القضارف!!

لم تكن عائشة "لم يتجرأ أحد ليسألها عن اسم والدها حتى كتابة هذه السطور" مجرد امرأة تبيع الطعام للمسافرين على الطريق القومي، ولكن بمثابرتها وصبرها جعلت (راكوبتها) المتواضعة أهم استراحة يتفيأ المسافرون (رقراقها) وأحياناً ظلها الوافر، حتى سفراء الدولة العجمية والعربية الذين عبروا بتلك المناطق توقفوا عندها ذات يوماً.

ثلاثة عشر كرسياً من الطراز القديم وتسعة بنابر وستة سرائر فقط، هذا هو الأثاث الذي يتكون منه مقهى الحاجة (عائشة) (المصروف) جيداً بقش (أم جينكو) ذي الرائحة العطرة النفاذة.

بهذا التواضع المحبب أصبحت الحاجة (عائشة) نقطة التقاء للمسافرين وذكرى عطرة لدى العابرين منذ أن أقامت مقهاها في تلك الأرض اليباب منذ سنوات مرت متكاسلة بلا تأن، على حد قولها، وهي تجتهد أن تسع كل زوارها بظلها وكرمها.

سند وأمان للسائقين

على بساطتها الموغلة في المحلية تمنح الاستراحات التي تقام على طُرق السفر الطويلة الكثير من الأمان والسلامة للمسافر عبر وسائل النقل الخاصة والعامة التي تستخدم الطريق المعني بحسب (محمد عبد الكريم) سائق بص سفري بين الخرطوم وكسلا.

ويرى (عبد الكريم) أن تهيئة الاستراحات بطريقة لائقة على الطريق توفر درجة سلامة كبيرة للمسافرين لأن التوقف عندها بين الحين والآخر يقلل مخاطر وقوع الحوادث المرورية المميتة التي يرتكبها السائقون عندما يقطعون مسافات طويلة بدون أن يتوقفوا فتقل درجة سيطرتهم على المركبة بسبب الإرهاق والتعب جراء السير لفترات طويلة خلال الرحلة الواحدة.

وبجانب مساهمتها في تقليل الحوادث تعمل الاستراحات والمقاهي على الطرق السفرية السريعة على تعمير المناطق التي تقام فيها، لأن إقامة استراحات جاذبة على الطريق توفر فرص عمل جيدة بالنسبة للسكان المحليين الذين هم دائماً في أمس الحاجة لكل مرفق جديد يقام في مناطقهم حتى لو كان بحجم راكوبة في منطقة نائية.

توقف بالكرباج

ليس السائق (محمد عبد الكريم) وحده من أبدى تبرمه من خلو الطرق من استراحات ومقاهٍ يتوقف عندها المسافرون، كذلك قال أمجد الرفاعي (مضيف في بص): إن فكرة إلزام السائق بالتوقف في أماكن محددة على الطريق جعلت الركاب في العديد من المرات يشتبكون مع السائق أو المضيف، لأنهم يعتقدون أن السائق يتوقف بهم في استراحات غير لائقة، لشيء يخصه، ولأن الركاب لا يعلمون أن هذا التوقف يتم بأوامر يتلقاها السائق من جهات تستطيع محاسبته، إذا تجاوز الأماكن المحددة له سلفاً وحتى لو كانت تسبب متاعب للركاب.

حروب الطعام

لن تتدحرج الاستراحات التي تقام على طرق المرور السريع ولن تتلاشى بالضربة القاضية مهما قويت يد الكافتيريات الحديثة التي ابتدرت حرباً ضروساً عليها، لاعتقادها أن تزاحمها وتسحب البساط من تحتها.

هكذا ينظر (التوم إمام) أقدم صاحب مقهى شعبي على طريق الخرطوم القضارف إلى الحرب الباردة التي تدور رحاها بصمت بين جديدة وحديث الكافتيريات التي انتصبت بخيلائها على طرق المرور السريع وبين المقاهي العريقة التي لا تزال تحافظ على تقليديتها دون أن تمسها يد الحداثة بشيء.

وأبدى (التوم) يقينه بأن الناس سوف يعودون للحياة التقليدية بعد جربوا الحداثة واكتشفوا ما بها من علل بعضها واضح والكثير من خفي وغير مرئي فى الوقت الراهن. وقال: التاريخ يحفظ أسماء شهيرة لمقاهٍ شعبية على الطرق القومية قاومت الزمن بضراوة وحتى التي استسلمت لمصيرها ظل المسافرون يذكرونها باستمرار كما هو حال مقهى أم الحسن على طريق شريان الشمال شمال الخرطوم ومقاهي (الله كريم) على طريق الخرطوم الأبيض وغيرها.

وجزم (إمام) بعودة القوة والمنعة للمقاهي الشعبية التي كانت تُحظي بها إليها قريباً بسبب الإقبال الذي لا زال كبيرا عليها من المسافرين.

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1535


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية



الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة