الأخبار
أخبار إقليمية
عبدالرحمن علي طه (1901 - . . . ) المعلم الأول والمثقف العضوي (الحلقة الأولي)
عبدالرحمن علي طه (1901 - . . . ) المعلم الأول والمثقف العضوي (الحلقة الأولي)
عبدالرحمن علي طه (1901 - . . . ) المعلم الأول والمثقف العضوي (الحلقة الأولي)


01-12-2015 03:41 PM
حيدر إبراهيم علي

مدخل
اكتفيت بكتابة عام الميلاد فقط، لست لأنني اجهل سنة وفاته عام 1969 ولكن كان هذا تاريخ الموت الفيزيقي أو الجثماني، فأمثال الأستاذ (عبدالرحمن علي طه) لا تفني أعمارهم لأنها لا تقاس بالسنين الفلكية بل بالإنجاز والتحقق والأفكار التي لا تفني" هزمتك يا موت الفنون جميعها"-كما يقول درويش. فامثاله فعلا يهزمون الموت بفنون فكرهم. وتستشهد ابنته د.(فدوى) في استهلال سفرها عنه، بقول (علي بن أبي طالب): ". . . مات خازنو المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة". ( فدوي عبدالرحمن، استاذ الاجيال،الخرطوم، 2004: 5) . وكثيرا ما نردد: "ليس من مات فاستراح بميت وإنما الميت ميت الاحياء". فقد ذهب امثال الاستاذ باجسامهم،وفي الوقت ذاته تمتلئ البلاد الآن بالرجال الجوف، حسب (اليوت)أو فصائل من قبائل ما نسميه"الهمبول". أو كما قال عنهم شاعر الشايقية-حسونة: يمشن القمصان بلا ناس. فالاستاذ في سجل الخالدين، وكن يخشي الكثيرون تذكره وذاكراه لأنه ينبههم بموتهم أحياء.

كنت غارقا في محاضر مؤتمر الخريجين، والتي وثّقها-مشكورا- الباحث المثابر د. معتصم أحمد الحاج. فقد شرعت في تحليل مضمون هذه المحاضر بمناسبة ذكرى الاستقلال الأول لمعرفة كيف كان يفكر "آباء الاستقلال" ؟وما هي الإيديولوجية أو الإيديولوجيات التي تجمعهم أوتفرقهم؟وما الذي كان يشغل بالهم أثناء الاجتماعات وماهي أولوياتهم؟وما هو النتاج الفكري لتلك الحقبة كما تعكسه القضايا المثارة في الاجتماعات؟ وقد صعقت من مضمون تلك المحاضر التي رمتني في حزن بلا حدود. ولكن كتاب الأخ د. فيصل عبدالرحمن علي طه:"من أوراق عبدالرحمن علي طه – في التعليم والسياسة 1901-1969م"، أخرجني سريعا من مناخات الخيبة والحزن. فهناك خريجون من طراز آخر، جديرون بالاحترام والإجلال. فأمثال الأستاذ يقدمون صورة مختلفة للعمل الوطني الصادق والجاد والقومي حقيقة، بعيدا عن الأضواء والضجيج.

لكل أمة الحق في اختيار معلمها الأول بمقدار ما أسدي لها من فضل في العلم، والمعرفة، والأخلاق، والحكمة. لذلك، للعرب الحق في أن تري في (أرسطو) المعلم الأول، ولنا الحق نحن كسودانيين أن نري في الأستاذ (عبدالرحمن علي طه) المعلم الأول في وطنه. فهو لم يكن معلما بمعني مدرس أو خوجة، بل هو صاحب رؤية في التعليم الحديث، وفي التربية الديمقراطية والأخلاقية، وفي التنمية الريفية، والنهضة والتقدم. وقد شبهه العالم (التيجاني الماحي) بأبي نصر الفارابي في محاولته صنع المدينة الفاضلة، قائلا: "..لقد كان متسائلامن نعم الله وآلائه لهذا الوطن الكريم، فالحمد والشكر له علي ما وهب وما استرد". (فدوى، ص7) .

المربي الإنسان أو دفع الافتراء
مارست الانتلجنسيا السودانية رياضتها الاجتماعية الماسخة والمفضلة، في أن تعز من تشاء وتهمل من تشاء بغير حساب. وهي تمارسها دوما علي عظماء يرفضون نهحها المعوج ويختلفلون عنها في أصالة وإبداع، ويتمردون علي سلوكياتها الهابطة. ولأن الأستاذ (عبدالرحمن علي طه) لم يكن أم درمانيا، ولا من الهاشماب، ولا أبروفي، وظل قرويا ريفيا نقيا يتنقل بين بخت الرضا وأربجي. ولم يشترك في مؤسسات العاصمة من جمعات قراءة أو مجلات النهضة أو الفجر.واكتفي من مؤتمر الخريجين بالمشاركة في المهرجان الأدبي في (مدني)،دون الولوج في صراعات الديكة حول اللجان. ولكنه لم يكن متلجلجا وكان خياره واضحا، ولم تجذبه الزمرة الغالبة المتناقضة في سلوكها و فكرها، والتي كان (المحجوب) يصف لياليها وأزمنتها المتخيلة متسائلا : " أتلك ليلة في مجلس الرشيد أم تلك نفحة من نفحات العصر العباسي، حيث ترقص الحور العين ويطوف الولدان المخلدون. وكنت استغرب كيف يجمع أؤلئك القوم بين المجون وتدبير أمر الدولة ولانقطاع إلي العبادة". (موت دنيا، بدون تاريخ، ص20) . ولقد أصاب (حسن نجيلة) حين سمي تلك الحياة : (بين الجد واللهو) وأفرد لها ست حلقات في كتابه (ملامح من المجتمع السوداني) (من صفحة 149 حتي صفحة 196) أو هي:

يقظة نفسية خمدت هل سيحيا ذلك الرمق؟
ولم يعش الاستاذ مثل أجواء:
ياجميل يانور الشقايق أملأ كأسك واصبر دقايق
مجلسك مفهوم شوفو رايق عقده ناقص زول ولا تام؟

لم تجذبه ليالي الافندية الحمراء –وكان الأزرق الداكن الأنسب لوصفها- ولم يكن يملك ظُرف الافندية المطاميس ليكون "فلفل قعدات" أو يحوز علي رتبة مارشال، ولم يغن معهم: "نسكر نغيب من دلهُ من حسن الحبيب"ولا نادي: "إئتني بالصبوح يابهجة الروح ترحني إن كان في الكأس باق". ولم يردد معهم الدكاكينيات في ختام القعدات: "ياأستاذ بالقزاز ياستاذ والبيجينا نديهو عكاز". وذلك لأنه كان استاذا نهاريا مستنيرا حقيقيا. يقول عنه (عبدالله الحسن) : " كان لايري متنقلا في قرية العلم بخت الرضا إلا وهو متأبطا ملفا من الأوراق أو مرجعا من المراجع، وكان لا يُري جالسا إلا وهو منكب علي عمل يكتب أو يناقش مع رئيسه أو مرؤوسيه شأنا من شؤون التربية والتعليم". (فدوى، ص77) .

كان ذلك المعلم الأول، إنسانا يفيض بالحب للعمل والناس، وهذا سر نجاحه وصعوده ورقيه،صناعته الحب والعمل. ولم تكن (بخت الرضا) بالنسبة له مجرد مؤسسة بها موظفون ومباني، بل قطعة من روحه وقلبه وعقله. ففي مناسبة العيد الفضي، نطالع ما سُمي: تحية الأستاذ (عبدالرحمن علي طه) ، والتي يستهلها بمقدمة عن كيف يجد المرء التنفيس حين يشعر بالضيق؟فيقول عن ذاته: "أما أنا فيكفي في مثل هذه الظروف أن أذكر بخت الرضا، لأن ذكراها تغمرني بقدر من السرور لا سبيل لتصويره، وتجعلني أستقبل الحياة من جديد فأراها مشرقة باسمة لا ضجر فيها ولا ضيق. أذكر يا سيدي السكرتير أني نزلت مع النازلين في تلك الرقعة من الأرض نلتمس البعد المعقول من المدن الصاخبة بالحركة ليتوفر الهدوء، فنتوافر علي العمل المنتج". (أوراق. . ، ص174) . ويختم بمقاطع العشق الصادق، قائلا: " فإني عندما تقسو الحياة أوتجفو، ألتمس الخلاص من ضيق الحياة وقسوتها في ذكرى بخت الرضا (. . . ) والذي يزيد من فخري حتي ليكون زهوا، ومن اعجابي حتي ليكون كبرياء، هو ما ألمحه في زيارتي المتباعدة من ابتكار بل من إنشاء، في جوانب كثيرة من حياة المعهد. فسيروا بالمعهد قدما في مدارج الرقي ومعارج الكمال. ثم بعد ذلك فلتضق الحياة ما شاءت أن تضيق، فأنتم ملء سمعي وملء بصري، وحسبي هذا من مسرة باقية، وبهجة غامرة". (أوراق...، ص176) . ويلاحظ أنه يحرص علي دقة الكلمات لأنها دليل علي دقة المشاعر وعمقها. فيقول :الفخر مقابل الزهو، والاعجاب يقابله الكبرياء، والابتكار سقفه الانشاء.

نحن أمام رجل رسالي تحمّل من أجل رسالته الكثير، وهذا ديدن أصحاب الرسالات. تعرض لهجوم شرس فور البدء في مشروعه التنويري التجديدي- بخت الرضا- المنطلق من منصة التعليم والتربية من أجل التغيير والتحديث. ويكتب بنفسه: " وما كدنا نشرع في إصلاح المناهج من استظهار رتيب إلي متعة حافزة، ومن جمود يميت القلب إلي تحلل من القديم القاتل، ومن ركود في الفكر السقيم إلي تفكير مستقيم. ما كدنا نشرع في هذا وفي غير هذا حتي واجهنا بعض الناس بالنقد الهادم". (أوراق...،ص174) ويعدد التهم والافتراءات التي تعمدت وأد المشروع، واغتيال شخصية صاحبه: "قال بعضهم أن الاستعمار اختار تلك البقعة الجرداء النائية لينفذ خطة مرسومة مقدرة ويحقق نية سوء مبيتة". كما قال آخرون: " إن إدخال اللغة الانجليزية في منهج مدرسي المدارس الأولية لم يقصد منه إلا قفل كلية غردون، والاستغناء عمن تخرجهم من كتبة ومحاسبين".

كما سخر بعض الجهلة من قيمة العمل اليدوي وربط اليد والبصر لدي الاطفال، فقالوا: "إن اللعب بالطين والقصب أريد به ضياع الوقت في عبث لا غناء فيه". ولكن يشرح أحد التربويين الحقيقيين فلسفة هذا النشاط والمقرر في مناهج بخت الرضا: " يتطلب التعليم إلي جانب المعلومات النظرية الحصول علي قدر معلوم من الخبرة والدربة علي القيام ببعض الأعمال التي تتطلب مهارة في اليد وقدرة خاصة علي التحكم في بعض الحواس كالنظر واللمس والتنسيق بينهما في انجاز عمل خاص في مستوى مقبول. والغرض من إدخال الأعمال اليدوية في المقررات، هو تدريب الحواس وتقييمها وتهذيبها حتي تتكون عند الطالب الخبرة والمهارة". (سيرة ومسيرة المرحوم الأستاذ سرالختم الخليفة، الخرطوم، 2012ص96) .

ويستمر الاستاذ متابعا فضح جهود المغرضين في تبخيس كل فكرة جديدة له ولرفاقه، فيكتب: " وذهب الكثيرون إلي القول أن كتاب (الجغرافيا المحلية) هو النواة لأقلمة التعليم، وآيتهم في ذلك كلمة محلية الواردة في اسم الكتاب". وبالمناسبة تُرجم كتاب الجغرافية للانجليزية، ونُشر في ديسمبر1939 تحت عنوان (Beginning Geography in Africa and Elsewhere) . وقدم له استاذ الجغرافيا المعروف (جيمس فيرقريف) (J. Fairgrieve) . ويواصل تفنيد ترهات النقد الهادم، قائلا: "وتندر غير هؤلاء بما لا يصلح موضوعا للتندر، فهم يجادلونك في قيمة الفرق التجديدية (الكورسات) وفي قيمة الرحلات المدرسية، لأنها في حسابهم ضياع للوقت وحرمان من الدرس والتحصيل، وهم يؤكدون أن ما يسمعونه من نقاش حر في اجتماعات النادي الزراعي مثلا سيدرب الشباب علي اللجاج والخروج علي التقاليد". (ص4-175) .فهم لم يروا في الكورسات إنعاشا مستمرا لعقول المعلمين،ولا في الرحلات دراسية ميدانية لوطنهم.أمّا الجمعيات والاجتماعات فقد كانت تدريبا عمليا علي الديمقراطية المباشرة،والتمرين علي الحوار والاختلاف وقبول الآخر.ولكن الناقدين يخشون الحرية والتنوع ويدافعون عن الثبات والأمر الواقع.

هذه قدرة عجيبة لدي المغرضين علي أن يحولوا كل فضائل المشروع الجديد ومحاسنه، إلي نقائص وشكوك ومؤامرات محتملمة. ولكن يرد عليهم صاحب الرسالة التربوية بثقة: " ان مثل هذا النقد الذي سُقت أطرافا منه ، لم يثن عزيمة القائمين بالعمل، فمضوا فيما مضوا فيه يصلحون المناهج علي ضوء التجارب العملية، ويضعون الكتب والكتيبات الشارحة، ويستقبلون الفوج بعد الفوج للفرق التجديدية (الكورسات) ، ويضعون النواة لتعليم الكبار، ويهيئون السبل للرحلات المدرسية، ويتفقدون العمل في المدارس للارشاد والتأكد من سلامة التطبيق". (أفردتُ حلقة قادمة لمناقشة تفصيلية عن تجربة بخت الرضا الرائدة) . وعن كثرة الأعداء كتب (بشير محمد سعيد) في إحدي المرات: "حاجة السودان لخدمات عبدالرحمن علي طه تفوق حاجة عبدالرحمن للوظيفة. ولعبدالرحمن خصوم داخل حزبه وخارجه سيبعدونه عن الداخلية". فقد كان مرشحا للوزارة. (الأيام25/3/1958 عن فدوى هامش صفحة321) .

كان المعلم (عبدالرحمن) في تصوره التربوي والفلسفي مزيجا من (غاندي) و (تولستوي) في البدايات، ولكنه تطور ليقف في مصاف المفكر البرازيلي الكبير( باولو فريري)(Paulo Freire) (1921-1997) . ويتقارب مع (جوليوس نايريري) صاحب: "التربية من أجل الاعتماد علي الذات"، ومن (ماري مونتيسوري) مُنظرة: "التعليم من أجل السلام". (وسوف أفصّل في المقارنة في حلقة قادمة) . ففي البداية ، كان بعض من فكر بخت الرضا ، قد جاء به ( قريفث) من الهند حيث عمل هناك لمدة أربع سنوات في كلية (سانت أندروز) . وعمل مع زملاء في السودان تكييف تجربة الهند مع واقع السودان.وحسب ما جاء في نعيه عند وفاته في جريدة التايمز: "أنه ومعه اثنين آخرين اسكوت وعبدالرحمن علي طه كانت لديهم الموهبة الفذة للاهتداء لخير ما يعمل في أسوأ الظروف، إذ قادتهم بصيرتهم إلي برنامج لتدريب المعلمين في بيئة ريفية، مع إصلاح مستمر للمناهج وطرق التدريس، ولذا كانت البداية في عام1934 في أكواخ من الآجر بالقرب من الدويم". (فدوى، استاذ الاجيال. . . ، ص73) .

وقد بيّن (قريفث) في كتابه (تجربة في التعليم) رؤيته وخبرته، حين كتب: "ووجدت نفسي منسجما إلي حد كبير مع جو الرأي العام البريطاني في الرغبة بان يكون التعليم، ولا سيما التعليم القروى الأولي، موجها بشكل أكثر فعالية نحو النشاطات الريفية. كنت قد قضيت ثلاث سنوات ونصف السنة في تعليم المواد الكلاسيكية للطلاب القرويين المتشوقين في كلية هندية. تلك كانت تجربة غير مريحة. لكن الزيارات التي قمت بها إلي شنتينيكثان، بلدة طاغور، وإلي المدرسة الامريكية في اوشاغرام، المبنية علي غرار قرية بنغالية، أوحت لي بامور كثيرة. وكنت آمل أن استفيد مما رأيت". (أورده ناصر السيد، ص146) . ويكتب عنه (محمد عمر بشير) سيرة ذاتية تبين خلفيته وتكوينه التربوييين: " كان يعمل من قبل في الهند، حيث اطلع علي فلسفة غاندي التربوية، التي كانت تؤكد علي الطابع الريفي والقروي للحياة. وشارك هناك في الحركة الكشفية وتأثر بتيار عدم الثقة في الاساليب القديمة التي كانت احدي الخصائص المميزة للفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولي1914-1918". (تطور التعليم في السودان1898-1956،بيروت،دار الثقافة،1970،ص200) . ومن الواضح أن ملهمته كانت الهند بلد ثقافة التأمل والصبر والمثابرة و عشق الجمال. وهنا ىؤكد (محيي الدين صابر) حقده وجهله المتعمد باصل تجربة بخت الرضا، حين يقول أنهم بدأوا في مراجعة "المناهج خاصة تلك المتعلقة بالكتب التي وضعها الانجليز فوجدوا أن معظمها جاء من نيجيريا وتتكلم عن الرق ولا علاقة لها بالواقع السوداني". (فدوى، ص130 عن جريدة الخرطوم15/10/1998) . كما جاء في أول تقرير عن إصلاح التعليم والذي أشرف عليه مستر ج. س. اسكوت، ذكر الهند وليس نيجريا. فقد كتب بأنه كان الفشل في تطوير الهند، يُعزي إلي حد كبير لقيام نظم للتعليم مماثلة للنظم بالسودان. (محمد عمر بشير: تطور التعليم في السودان. بيروت، دار الثقافة، 1970: 189) . وهذا يعني ان (قريفث) كان قد عرف تجربة مشابهة في الهند، ويُقال أنه كان يتردد علي زيارة الهند في العطلات بعد أن تركها ليتابع التجربة مع بعض روادها هناك. وكتب مستر (هودجكن) استاذ التاريخ المعروف، رسالة جاء فيها: "أن بريطانيا بعثت للسودان (استعماريين) معاديين للاستعمار هما: نيوبولد وقريفث". (أكتب من الذاكرة، فقد كانت لدي هذه الاستشهادات التي دونتها من ارشيف السودان من مكتبة درم، ولكن لم تعد أوراقي في متناول يدي بعد هجوم التتار علي مركز الدراسات السودانية نهاية عام2013. )

كان موقفه من الاستقلال قاطع ومبدئي، وهذا سبب ولائه للسيد (عبدالرحمن المهدي) . فهو لم يكن أنصاريا ولا حزب أمة بل كان استقلاليا صرفا. ويحكي قصة أول لقاء لهما، فقد جاء للأستاذ رسول في عام1943 يخبره بأن السيد (عبدالرحمن) بالدويم وسيأتي بعد ساعة لتناول وجبة الفطور معه. وكان ذلك دون سابق معرفة بالإمام، فأكبر الأستاذ هذا التصرف وعظم شخصه في نظره. فهو لم "يستدعيه" أو يطلب منه الحضور ليتحدث معه. وأثناء الجلسة ، قال له الإمام: " إن الشعب السوداني ناصر الإمام المهدي حتي انتصر وحتي انتزع استقلال السودان من الغاصبين. وهذا الشعب أنا مدين له بأشياء كثيرة أهمها نصرته للإمام ولا أدري مكافأة للشعب السوداني غير أن أعمل لاسترداد استقلاله، ولكني أريد رجالا أعول عليهم فهل أعول عليك؟"يقول الاستاذ: " يا مولاي لولا أن المسألة تخرج بي عن حدود الأدب واللباقة لقلت لسيادتك: إن استقلال السودان هو أملي الوحيد في هذه الحياة ولكنني أريد رجالا أعول عليهم فهل أعول عليك؟فضحك رحمه الله ولم يزد بكلمة واحدة. ومنذ ذلك الحين تبايعنا إلي أن أخذه الله إلي رحمته". (أوراق. . . ، ص244) . لاحظ أنه استخدم كلمة( تبايعنا) ولم يقل بايعته. ويورد قصة أخرى تؤكد حرصه مع آخرين لتحديد علاقة الإمام بالحزب، يكتب: " بعد أن إنتهينا من وضع دستور الحزب سأل السيد سرور رملي السيد عبدالرحمن قائلا: نريد يامولاي الإمام أن نعرف موقفك من هذا الحزب؟هل أنت رئيس هذا الحزب أم سكرتيره؟قبل أن نمضي في العمل ولابد أن نتبين الموقف". وجاء رد الإمام: " إني جندي في الصف ولكن الله سبحانه وتعالي وهبني بعض الامكانيات المادية ما لم يتيسر للكثيرين منكم فسأهب هذه الإمكانيات وسأهب صحتي وولدي وكل ما أملك لقضية السودان". (أوراق. . . ، ص244) .

يري (محجوب عمر باشري) أنه بعد الحرب العالمية الأولي، بزغت طبقة الافندية وعلت علي طبقة التجار والمزارعين. فقد تميزت بمستوى معيشة مستقر بسبب المرتبات المنتظمة، ولكنها كانت خاضعة-بالضرورة- لسلطة الحكام، ويقول: "فالحكام لم ينظروا للأفندية إلا آذانا تسمع لهم، وعيونا تنظر لهم وأيدي تعمل لهم، فالأفندية مجردون من الفكر والرأي، يأتمرون بما يأمرهم به المستعمر، وقد فطن لذلك الشيخ عمر إسحق وسيدأحمد الفيل والشيخ أحمد أبودقن وأحمد عثمان القاضي فنبهوا الموظفين لذلك، طالبوهم أن يكون لهم رأي في الحياة السودانية، واستيقظ فكريا في تلك اللحظة جيل جديد قرع له الأجراس السيد حسين شريف، هذا الجيل بدأ بعبدالرحمن علي طه وعوض ساتي والشيخ مصطفي وحسين أحمد عثمان الكد ومكاوي يعقوب. فكان هذا الجيل هو مطلع الوعي الوطني والفكري لأنه أدرك الأمور من منظور سوداني، لا يميل نحو أيّ شق من شقيّ الحكم الثنائي، ويمثل هذا الجيل تاريخيا عبدالرحمن علي طه الذي شارك في كل ضروب الثقافة والمعرفة منذ ني الدراسة في كلية غردون". (رواد الفكر السوداني، بيروت، دار الجيل، 1991: 210) .

رجل عظيم واحد يساوي أمة فقد كان يعمل لاستقلال ونهضة السودان بطريقته. لم يكن (عبدالرحمن علي طه) "متعاونا مع البريطانيين" بل كان متثاقفا بصورة متقدمة مع الحضارة الغربية. وكان يدرك أن أيّ عملية تحديث لن تنجح لو دخلت في عداء عاطفي وانفعالي مع الغرب.ولم يدخل الجمعية التشريعية لأنه كان "تابعا" للبريطانيين ولكن لقناعته الخاصة بما يُسمي بالتطور التدريجي لتحقيق تقرير المصير،كما كان يريد البعد عن النفوذ المصري.وهو لم يخض انتخابات الجمعية لكي يدافع عنها،بل اكتسب عضويته بحكم منصبه كوزير للمعارف.وقد شاركت كثير من الشخصيات الوطنية في مؤسسات تلك الفترة االتي اقترحتها الإدارة البريطانية من :المجلس الاستشاري،والجمعية التشريعية،ومؤتمر إدارة السودان(1946).وهذا الأخير قُسم إلي لجنتين أحداهما برئاسة (مكي عباس) والثانية برئاسة(محمد أحمد محجوب).ومن بين الأعضاء:محمد علي شوقي،وعبدالله خليل،ومصطفي أبو العلا،والصديق عبدالرحمن المهدي،الدرديري محمد عثمان،نصر الحاج علي،ومحمد صالح الشنقيطي،مكاوى سليمان أكرت،محمد الخليفة شريف،يوسف بدري.كل هؤلاء لم يكونوا أذنابا للبريطانيين بل هي نخبة ذلك الوقت الوطنية التي اقتنعت بطريق آخر للاستقلال:التطور التدريجي،عوضا عن "الطفرة" كما كانوا يقولون.

******
واختم هذه الحلقة بقول ذوالنون المصري، وكأنه كان يصف حال السودان الراهن: "كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا للدنيا وتركا لها، واليوم يزداد الرجل بعلمه حبا للدنيا وطلبا لها. كان الرجل ينفق ماله علي علمه واليوم يكتسب بعلمه مالا، وكان يُري علي صاحب العلم زيادة في باطنه وظاهره، واليوم يُري علي كثير من أهل العلم فسادا في الباطن والظاهر".
(نواصل)
e-mail: [email protected]


تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 3128

التعليقات
#1187563 [سعبوت]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2015 01:34 AM
شكرا استاذ حيدر
كما ارجو ان تعطي المعارضه خلاصة افكارك حتي تصعد من عملها وما هو الشي الذي ينقصها

[سعبوت]

#1187261 [زول اسلامي ضد العمانيين]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2015 01:57 PM
محي الدين صابر حاقد وجاهل؟؟؟؟
والله أنت الجهل والحقد يمشي على رجليه...
محي الدين صابر هو رائد ثورة التعليم في السودان...
وكفى.............................................

[زول اسلامي ضد العمانيين]

#1187123 [المسلمي]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2015 11:21 AM
عبد الرحمن علي طه هو من مواطني اربجي لمن لا يعرفه

[المسلمي]

#1187048 [الطيب وداعة]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2015 10:14 AM
لقد أبنت وأفصحت وأعطيت هذا الهرم الكبير حقه فكثير من رموز الحركة الإستقلالية تم تجاهل تاريخهم عن عمد وذلك نظرا لقوة الإعلام المصري وقتها والذي كان مناويا للحركة الإستقلالية وتاثر السودانيين به فعبد الرحمن علي طه رمز من رموز الإستقلال كان أجدر بالعريبف به من أناس لم يكن لهم أي دور

[الطيب وداعة]

#1186702 [Saeed]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2015 10:35 PM
لاشك ان الأستاذ الفذ عبد الرحمن علي طه. علم شامخ يفتخر به السودان ، ولكن من المحزن ان يتخذ ه. د حيدر مدخلا للاساءة. الي أفذاذ آخرين. شكلوا وجدان

هذا الشعب ، أعني. خليل فرح وتوفيق صالح جبريل ،. لا يخلوا أي مقال لدكتور حيدر من الهجوم والذم. ومحاكمة. الماضي بحيثيات الحاضر ، واري ان هذا النهج

يشوه إسهاماته المشهودة. في رفد الحركة. الفكرية في السودان .

[Saeed]

#1186677 [عز الدين الشريف]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2015 09:28 PM
نقدر عاليا للدكتور/ حيدر هذا الاهتمام باحد رموز البلاد ومثقفيها وهذه سيرة مفخرة ويجب ان يوضع في مكانه الملائم ... الا ان هنالك رايان شديدا الاختلاف حول تجربة بخت الرضا وحول المستر غريفث، طرفها الاول الدكتور/ عبد الله علي ابراهيم، وهو يرى في التجربة سوء كامل بدءا من اختيار المكان حتى انواع المناهج والمستر غريفث في المقدمة بالطبع، اما الرأي الاخر فهو ما يمثله الدكتور/ حيدر ابراهيم علي ... عبد الله علي ابراهيم مقل في ايراد المصادر في كتابته الصحفية وتكاد تنعدم عنده بعكس ما يقوم به حيدر ابراهيم ... نرجو ان نسمع منهما!

[عز الدين الشريف]

#1186610 [Am_levers]
4.38/5 (4 صوت)

01-12-2015 06:46 PM
هذه قصة للتاريخ :
كنت طالبا متفوقا فى امتحان الدخول للثانوى ولكن تم قبولى خارجيا رغم ان والدى كان مزارعا فقيرا وﻻيعرف احد فى المدينة - كان استاذ اﻻجيال وكان اهلنا يطلقون عليه اسم الوزير انذاك فى المعاش - فقال لى والدى انا ﻻاعرف من يساعدنا غير الوزير وكان يمت بصلة قرابة بعيدة ﻷبى - فاخذنى الوالد وذهبنا اليه - واذكر تماما اننا جلسنا ننتظر حوالى عشرة دقائق كان خﻻلها يغتسل من الطين ﻻنه كان يعمل فى مزرعته بنفسه . حضر الوزير وسلم على ابى - ثم تحدث ابى عن المشكلة وطلب منه المساعدة - فقال لوالدى انا اليت على انفسى اﻻ اتوسط ابدا ولكنى اساعد من يستحق المساعدة - وابنك هذا متفوق ومظلوم . فكتب ورقة صغيرة الى مدير المدرسة الثانوية - "أرجو دراسة مشكلة هذا الشاب ومساعدته فى حدود النظام " . وعندما قرأ مدير المدرسة الورقة ادرك ان هناك خطأ ما - وأمر بادخالى الى الداخلية فورا . اﻻن أنا اعمل استاذا جامعيا فى احدى وﻻيات الغبر اﻻمريكى - وعبد الرحم على طه هو فعﻻ معلم هذه اﻻمة .

[Am_levers]

#1186599 [المسلمي]
1.00/5 (1 صوت)

01-12-2015 06:24 PM
والله لم اره رغم قرب المسسافة فيفصلنا النيل عنه لكني لم احظ برؤيته بل ذكر لي ابي انه كان يبيع له قش المحريب وعند ما ياتي ابي يقوم هو بادخال القش بنفسه في بيته ويحس ابنائه علي تقديم الماء والاكل قبل ان يفرغ هو من افراغ القش بنفسه فيا تري هل فهم السازجون من شرزمة اليوم امثال هؤلاء الرجال فقد كانو رجالا بحق ليس هم بتبع

[المسلمي]

#1186570 [جركان فاضى]
4.50/5 (3 صوت)

01-12-2015 05:14 PM
فعلا ان المعلم عبد الرحمن على طه لو كان ام درمانيا لفاقت شهرته الافاق...فأم درمان بحق وحقيقة مقبرة العلم والفن والادب...ام درمان لم تلد الا شاعر حقيبة واحد هو سيد عبد العزيز ...مؤتمر الخريجين فى ام درمان جاء به محمد خير المحامى من مدنى...اغنية الحقيبة جاءت من كبوشية...فلان جيش المهدى كان من العلماء والادباء وحفظة القران من خارج ام درمان(اختلف المهدى مع شيخه الامدرمانى محمد الامين شريف)..لم يكن لام درمان نصيب من جيش المهدى...فالمهدية جاءت لام درمان بحضارة المدن السودانية الاخرى...ماتت هذه الحضارة فى ام درمان...ولم تلد مرة اخرى....وحتى انتفاضة سبتمبر 2013 المجيدة جاءت من مدنى وخذلتها ام درمان بكل هذا الكرش الهائل من السكان

[جركان فاضى]

ردود على جركان فاضى
[omer omdur] 01-13-2015 11:48 AM
جركان فاضي

أجركنو فيك والم غازيك انت الجدادة وانا الديك

[اعطني الناي وغني] 01-13-2015 01:54 AM
والله فعلا جركان فاضي وانت سميت نفسك هذا لانك اعلم بنفسك



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة