الأخبار
أخبار إقليمية
برلمان السودان… انتكاسة التشريع
برلمان السودان… انتكاسة التشريع
برلمان السودان… انتكاسة التشريع
خالد الاعيسر


01-14-2015 02:58 AM
خالد الاعيسر

الأب الروحي السابق لحكومة الإنقاذ.. عرّابهم «وكبيرهم الذي علمهم الحكم»؛ الدكتور حسن عبد الله الترابي، احتار وهو يتحدث في آخر محاضرة قدمها بالخرطوم عن التعديلات الدستورية، قبل أن يجيزها البرلمان السوداني بأسابيع، وتنبأ بإجازتها متعجبا كيف يجرؤ البرلمان على إجازتها بنسبة مئة بالمئة.. وسخر: «إذا أجري استفتاء سري حول وجود الله، في مكة أو الفاتيكان فلن يحصل على مئة بالمئة.. بينما نتوقع أن يجيز نواب حزب المؤتمر الوطني في البرلمان السوداني تمرير التعديلات المقترحة بالإجماع». وقد كان، فقد أكد مؤخرا رئيس المجلس الوطني الفاتح عز الدين أن جميع الأعضاء صوتوا بالموافقة على 18 تعديلا وأجيزت جميعها بالإجماع؟.

البرلمان السوداني استهل مهامه مطلع العام بقرار يعد الأسوأ منذ تاريخ العمل البرلماني الأول في العصور القديمة.. وسجل سقطة جديدة بعد أن بصم منفذا توجيهات الرئيس السوداني عمر البشير، وفقد بذلك مهامه الثلاث؛ التشريع والرقابة على أعمال الحكومة وتمثيل الشعب أمام الحكومة، وذلك بإجازته تعديلات في الدستور تسمح للرئيس بتعيين ولاة الولايات وعزلهم، بدلاً من انتخابهم «تذرعا بدواعي محاربة الولاءات القبلية»، وأيضا تحويل جهاز الأمن والمخابرات إلى قوة نظامية بدلا من سلطاته التي كانت مقصورة على جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها لمتخذي القرار؛ وبذلك يكون البرلمان السوداني قد سحب البساط من شعبه الذي انتخبه.

أخطر المواد التي أجازها البرلمان كانت المادة 58 الخاصة باختصاصات رئيس الجمهورية، وتنص على منحه صلاحيات التعين لولاة الولايات وشاغلي المناصب القضائية والقانونية وقيادات القوات المسلحة والشرطة والأمن وإعفائهم وفقا لأحكام القانون، علما بأن ولاة الولايات قبل التعديل كانوا ينتخبون مباشرة من مواطني الولاية.
أيضاً قام بتعديل المادة 151 الخاصة بتعزيز صلاحيات جهاز الأمن والمخابرات التي نصت على أن يكون جهاز الأمن الوطني قوة نظامية مهمتها رعاية الأمن الوطني الداخلي والخارجي، كما يعمل جهاز الأمن على مكافحة المهددات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية كافة والإرهاب.
وكانت المادة السابقة مقتضبة، وتحصر صلاحيات جهاز الأمن قبل التعديل في جمع المعلومات وتحليلها وتسليمها لمتخذي القرار، وتنص على أن دستور السودان الانتقالي الذي أقر عام 2005 إثر توقيع اتفاقية السلام الشامل ينص على أن تكون خدمة الأمن الوطني خدمةً مهنيةً، تركز في مهامها على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشورة للسلطات.

قرار البرلمان السوداني الخاص بشرعنة قوات الدعم السريع وفقا لتعديل المادة 151، فيه تأكيد صريح لما ذهب اليه الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة القومي من أن هذه القوات غير دستورية وقتذاك، الأمر الذي دفع الحكومة وبرلمانها لاتخاذ قرار كهذا لتغطية الخطأ الفادح الذي منحت بموجبه في السابق قوات الدعم السريع الحق لأن تلعب دورا دستوريا تناهض به عمل القوات المسلحة السودانية، وأظن أنه من المنطق الآن أن تسقط كل التهم المدونة في حق الصادق المهدي، لأن تصريحاته جاءت في وقت لم تكن فيه تلك القوات دستورية أصلا، وهذا لا يلغي بالضرورة حقيقة أن التعديل معيب وفج، ويدلل على قراءة سياسية ناقصة، لأنه أوجد جيشين في دولة واحدة.

شروط الادارة الديمقراطية البرلمانية الناجحة في العالم المتقدم تقول إن التعديل يمكن أن يدخل على مواد عديدة في الدستور، ولنا كمثال الحالة الامريكية التي تؤكد أن الدستور الأمريكي تطور بفعل التعديلات المتوالية التى أدخلت عليه والتي كانت في اتجاه منح الدستور مزيدا من روح الحرية والديمقراطية وتمكين المواطن وحقوقه في الاختيار، أما أن تلغي الحكم الاتحادي وتصادر حق مواطن الولاية في انتخاب من يحكمه فهذا ليس تعديلا ولكنه هدم لركن اساسي في النظام السياسي الاتحادي ويجسد مزيدا من القبضة المركزية، وهذا يمثل نقطة سوداء في التاريخ السياسي، إذ أن كل الانظمة الدولية تتطور من السلطة القابضة الى الانفتاح على آراء الشعوب أكثر فأكثر والغريب أن هذا التشويه وليس التعديل الذي وقع فيه برلمان السودان كان الأساس النظرى الذي أسس عليه الدكتور الترابي نفسه مفاصلته الشهيرة في 1999، وقد زاد عليه البشير هذه المرة قبضته الأمنية بتمكنه من تعيين الوظائف التنفيذية من الوزراء الى الولاة، ثم أحال إليه «التشويه الجديد» كل سلطة توزيع الاراضي في بدعة جديدة توافق ولع الانقاذيين بالأرض، لا للاستثمار وخدمة الشعب، ولكن للسمسرة وإشباع جوعهم للثراء والتمكين.

ومن المفارقة أن المؤتمر الوطني وعلى لسان رئيس كتلة نوابه في البرلمان، مهدي إبراهيم يقول بأن التعديلات المطروحة الهدف منها معالجة الأزمات القبلية والعصبية والجهوية، باعتبارها عللا يجب تلافيها بالعلاج السريع، وأن هذه الخطوة تهدف إلى الحد من التكتلات والولاءات القبلية، التي تفشت حتى داخل الحزب الحاكم. الغريب أن لجنة التعديل من أبرز أعضائها عراب اتفاقية نيفاشا علي عثمان محمد طه التي نصت بأن جهاز الأمن وظيفته جمع المعلومات وتحليلها «فقط»، ما يؤكد نفاق الإنقاذ وخوفها من الأجنبي واحتقارها لشعبها.

والأدهى أن المؤتمر الوطني عقد مؤتمراته الولائية قبل أسابيع قليلة لترشيح خمسة أعضاء لاختيار مرشح منصب الوالي من كل ولاية، الأمر الذي لم يحدث، ما يدل على أن القرار الفعلي في يد الرئيس وليس الحزب ولا مؤتمراته الولائية التي كانت مضيعة للوقت والمال.

المؤتمر الوطني يتعلل دائما بأن الولاة رسخوا القبلية والجهوية، علما بأن الحزب هو أصلا اختارهم بعناية لتنفيذ أجندته في إضعاف المجتمعات السودانية وضرب وحدتها وأهدافها المتكاملة. أما حجة الفراغ الدستوري التي تحدث عنها البعض فهي أوهى من بيت العنكبوت، لأنهم أصلا لا يحتفلون بالدستور، وقد حكموا عاما ونصف العام بعد نفاد أجل الدستور الانتقالي، وسبق لهم أن أنشأوا ولايات جديدة بدون أي تعديل للدستور الذي ينص على عدد محدد للولايات، كما قاموا بتعيين مجالس تشريعية وحولوا واليا منتخبا من ولاية الى ولاية أخرى جديدة، كما حدث مع عبد الحميد موسى كاشا الذي حول من والي جنوب دارفور الى والي شرق دارفور.

لم تنته بدع التشويهات الدستورية، حيث تم أيضا تضمين اتفاقية الدوحة في الدستور محاكاة لتقليد سابق سنته اتفاقية نيفاشا.
الحقيقة أن التعديلات الدستورية الأخيرة تعد بداية النهاية للحوار الوطني لاسيما وأن الأحزاب المشاركة في آلية «7+7» كانت تظن أن التعديلات ستصب لصالح وضع انتقالي مثالي وستتضمن تأجيل الانتخابات، هذا بالإضافة الى أن التعديلات كشفت بوضوح خدعة المؤتمر الوطني للمجتمع الدولي كله، من خلال الوعود التي بلغها مساعد الرئيس البروفيسور إبراهيم غندور للأوروبيين خلال زيارته لألمانيا إنهم مستعدون لفعل كل شيء ولكن حول طاولة الحوار وليس في الاعلام، وأن الرئيس لن يترشح وسيكون هنالك وقف للحرب وحوار شامل يبدأ خارج السودان وينتهي داخله ويتبعه وضع انتقالي.
لم يبق سوى أن نقول بأن هذه التعديلات تعد تكريسا لسلطة الرئيس البشير الذي أصبح اليوم يتبوأ موقعاً في السلطة يتيح له الحق ليفعل ما يشاء بالسودان وشعبه، وهذا الأمر يدشن المرحلة الفعلية لانتكاسة التشريع في السودان.
٭ صحافي سوداني مقيم في بريطانيا
صحيفة القدس العربي
[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1910

التعليقات
#1188272 [صديق البيئة]
0.00/5 (0 صوت)

01-15-2015 02:13 AM
مقالك فى الصميم ياليتهم يقراونه

[صديق البيئة]

#1188206 [سالم عثمان - باريس]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2015 09:17 PM
هذا الرجل ما فعله بالخرطوم لم يفعله اي مسؤول اخر بتقديم استقالته امام الملأ، وهذا المقال موضوعي وعلينا تقيم الأمور بصورة اكثر علمية دون الخوص في سفاسف الأشياء وهذا هو الذي اقعد السودان وجعلنا من الدول المتأخرة في كل شيء.
شكرا اعسير مقالاتك شجاعة وموضوعية

[سالم عثمان - باريس]

#1188051 [مني اركو]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2015 04:13 PM
خالد ...... ههههههههه انت مش الكوز الطردك جمال الوالي رئيس طوالي

[مني اركو]

#1187903 [radona]
5.00/5 (1 صوت)

01-14-2015 12:43 PM
ولا انتكاسة ولا حاجة ماتكبروا الموضوع
الجماعة الجابو الجماعة ديل قالوا عايزنها كده
وهم ماعملوا حاجة بس قالوا ليهم موافقين قالوا موافقين
هم ماقالوا غير كلمة واحده بس موافقين موافقين لكن على شنو ولافي زول استشارهم ولا كلمهم
عينكم للفيل تطعنوا في ضله ما تشوفوا لناس الكتبوا ورقعوا ودبلجو واخرجو
سبحان الله قال انتكاسة
هسي كلمة موافقين دي فيها شنو يعني

[radona]

#1187809 [الصديق محمد علي]
5.00/5 (1 صوت)

01-14-2015 10:54 AM
اصبح كثير من السودانين وهم يتقلدون وظائف مرموقة تجدهم يدافعون عن الحكومات دفاع المستميت وهو في الحقيقة يدافع عن منصبه او وظيفته وبعد الخروج منها تجده انسان مختلف تماما وحقيقة هذه اكبر مصيبة تهدم في بلادنا وتدمرها لان اصل الاختيار كان بمعايير زائفة ( القبلية - الولاء- الجهوية - الانتماء الخ )عكس المطلوب الكفاءة الامانة - الصدق ، وهكذا تضيع الامانة فضيعها اسدا الامر لغير اهله وماذا تنتظرون بعد ضياع الامانة . مررت علي المروءة وهي تبكي فقلت عالما تنتحب الفتاة فقالت كيف لا أبكي واهلي جميعا دون خلق الله ماتوا .

[الصديق محمد علي]

#1187754 [زول اسلامي ضد العمانيين]
4.50/5 (2 صوت)

01-14-2015 09:50 AM
انت كمان بقيت تكتب في السياسه السودانيه؟؟
سبحان الله...
لك الله يا سوداننا...

[زول اسلامي ضد العمانيين]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة