الأخبار
أخبار إقليمية
عبدالرحمن علي طه(1901-...) من أجل ديمقراطية عملية (الحلقة الثالثة والأخيرة)
عبدالرحمن علي طه(1901-...) من أجل ديمقراطية عملية (الحلقة الثالثة والأخيرة)
عبدالرحمن علي طه(1901-...) من أجل ديمقراطية عملية (الحلقة الثالثة والأخيرة)


01-22-2015 10:57 AM
حيدر إبراهيم علي


تُظهر آراء الاستاذ الرافضة للحفظ والتلقين والاستظهار،موقف تحديثيا واضحا في فلسفته التربوية.فنحن نلاحظ في كتاباته وتقارير اللجان التي يشارك فيها،تكرار تأكيدا لعبارات مثل:
"اصلاح المناهج من استظهار رتيب إلي متعة حافزة،ومن جمود يميت القلب إلي تحلل من القديم القاتل،أو"من ركود في الفكر السقيم إلي تفكير مستقيم".أو:"استعمال الفكر وترك الاستظهار الذي يميت العقل والقلب معا".وفي تقرير لأحد اللجان نقرأ:"إن أوضح خطأ معترف به من قبل الكافة،في نظم التربية والتعليم السودانية،في الوقت الراهن،هو الميل إلي حفظ الدروس بدون فهم،والنظر إلي التعليم باعتباره تحصيلا لنظريات غير علمية،أو تمارين لا تمت للحياة بان ليس للمتعلمين السودانيين أي قدرات علي الخلق وبُعد النظر والتكيّف مع الظروف".

هنا يلتقي مباشرة وبتطابق مع مفكر تربوي شغل الدنيا هو البرازيلي( باولو فريري) والذي تناهز مكانته التربوية مكانة أقرانه من مفكري الغرب . ولكن قد غلب علي الاستاذ التطبيق والممارسة،لذلك لم يصغ أفكاره نظريا بطريقة(فريري).بينما سار في نفس خط الاستاذ الرافض للتلقين،وقد صك مصطلحين لنوعين من التعليم،هما:التعليم النقدي والحواري مقابل التلقيني أو البنكي.فالمنهج الحواري يعني احترام الآخر والثقة المتبادلة،والمقصود منه ايقاظ كل حواس المتعلم ،و في تفاعل مع عقل متفتح علي الكون والانسان،ويسميها تربية الحوار والتساؤل،أو تعليم القهر والاستئناس مقابل تعليم التحرير والتجديد.وبالنسبة ل (فريري) فإن الحرية شرط كل تعليم حقيقي، سواء أكان التحرير يخص المتعلم أو المعلم أو المجتمع بأكمله ، ولذا كانت وصية فريري الأخيرة تجمع بين الحرية والأمل.

بالنسبة ل(باولو فريري)لا يوجد تعليم محايد،فالتعليم هو أمّا للتدجين أو للحرية؛تعليم الترويض أو تعليم الحرية.فالتعليم في النهاية عملية ثقافية في سبيل الحرية.وكيف يمكن أن نجعل للتعليم معنى بطريقة تجعله نقديا ونأمل أن يكون تحريريا؟فقد قمعت نظرية التعليم التقليدية اسئلة علاقات المعرفة بالسلطة والهيمنة.ويبقي الدور الذي يلعبه المعلم والمتعلم الثوريين هو تحدي المعرفة المفروضة هذه، وعرضها علي التساؤل والشك.وذلك عن طريق الحوار لتفكيك التكوينات البيروقراطية القائمة ولمنع تكريس المصالح الثابتة.ويحارب(فريري) ما يسميها ثقافة الصمت.(silence culture) فالنظام الاجتماعي الفقير الذي يعيش فيه الفلاحون ولّد نوعا من التربية القهرية وهو مصدر ثقافة الصمت.وكل عملية تربوية تعني مفهوما (رؤية)للإنسان والعالم.وتعلمنا التجربة عدم الافتراض ان الواضح دائما هو مفهوم جيدا.لذلك أي ممارسة تعليمية تبدأ من موقف نظري من جانب المعلم،وهذا الموقف يتضمن أو بوضوح-تفسير الانسان والعالم. (اقتباسات من الذاكرة).

ظل الاستاذ يبحث عن تربية الحرية والتعليم النقدي،فهداه ذلك الي ما أسماه التدريب الخلقي وابتكار الأنشطة التي توفر الفرص لنماء الشخصية،ولذلك اعطاها حيزا معتبرا في مناهج بخت الرضا .وفي خطاب بخت الرضا العدد السابع عشر الصادر في 25 سبتمبر1944 نقرأ:" وإني عندما استعمل كلمة(الأخلاق) لا أفكر في معناها الضيق الذي كان يطلقه الناس عليها هنا.حين يصفون من كلمة أخلاقه،بأنه الشخص الذي لا يتعاطي الخمر ولا يجلس إلي مناضد الميسر ولا يتردد إلي بيوت المومسات،ولكني أفكر في تلك الصفات التي لا يمكن بدونها أن تقوم أية قائمة للقطر الذي يصبو لحياة طامحة حديثة إذا تأملنا ما في الحياة الحديثة من تكييف لابد منه لمسايرة بقية الشعوب المتحضرة".ويعلق أحد رواد بخت الرضا(سرالختم الخليفة)متوسعا ومبينا أكثر:" فنحن اليوم أحوج ما نكون من أي وقت مضى إلي تربية سياسية ووطنية صحيحة..ونحن اليوم أحوج ما نكون من أي وقت مضى إلي البذل والتضحية في سبيل تقدم بلادنا وازدهارها..والبذل لا يمكن أن يصدر إلا من فرد قد تحلي بصفات خلقية خاصة..والتضحية لا يمكن أن تقوم إلا علي أساس الأخلاق الفاضلة..ورحم الله سعدا حين قال:لسنا في حاجة إلي كثير من العلم ولكننا في حاجة إلي كثير من الأخلاق الفاضلة".(ص92 من كتاب سيرة ومسيرة2012).والأخلاق في نظرة بخت الرضا الحديثة،تشمل صفات مثل:الابتكار،والاعتماد علي النفس،وتحمل المشاق بروح المرح والدعابة،وحسن التصرف،والمثابرة،والتسامح،وأي صفات أخري تمكن الفرد من أن يلعب دوره كاملا كمواطن مخلص وصالح.
جاول الاستاذ التضييق علي الجهل وسد كل الثغرات التي قد يتسرب منها للمجتمع.لذلك كان اهتمامه بتعليم الكبار.فقد بدأت الفكرة عام1938 ولكن اندلاع الحرب أرجأ التنفيذ حتي عام1944،وتقرر القيام بعمل تجريبي في ام جر والفطيسة في النيل الابيض.وتقوم الفكرة علي فلسفة تربوية تهدف إلي:" خلق صفات مساعدة النفس والابتكار بين القرويين.وأن يزود البارزين منهم بمعلومات فنية في الصحة وطرق الزراعة الحديثة.وأن نجعلهم - نساء ورجالا- يدركون مدى التغييرات التي طرأت علي طريقة معيشتهم.وعلي الجملة أن نهيئ لهم الفرصة للقيام بالمسؤولية،وأن ننمي فيهم ملكة الابتكار".(أوراق...،ص102).وفي رد علي تساؤلات في الجمعية التشريعية عن عمل ضباط تعليم الكبار لتحقيق تلك الأغراض.أجاب بأنه ليس من السهل تلخيص أعمالهم المتعددة،ولكنها تشمل:" محو الامية وتشجيع كرة القدم والكشافة وارشاد القرويين في اعمال مجالس القرى وتشجيعهم علي القيام ببعض الاعمال الاخرى كحفر الآبار وانشاء الدكاكين التعاونية.أمّا عمل النساء فيتلخص في الارشاد الصحي والشؤون المنزلية".(ص103).ويعبر للأعضاء عن قناعاته بهذا المشروع ويشاركه في ذلك كل من اشترك في عمل يتصل بالنهوض بالجزيرة،ويضيف:" ان لهذا العمل أكبر الأثر في رفع المستوى الثقافي بين سكان القرى وإني مهتم بتعميمه في كل أنحاء الجزيرة وفيما بعد في بعض أجزاء القطر الأخرى.غير أن قلة المدرسين المدربين تجعل تعليم الكبار يسير ببطء لعدة سنين".(نفس المصدر السابق). ويتحدث الاستاذ عن التركيز علي حملات محو الامية واندية الصبيان ومكتب النشر.فقد بدأت الحملة في الدويم عام1948 ثم امتدت إلي المدن الثلاث وبعض أجزاء الجزيرة وقد وجدت اقبالا حارا في كل مكان.ويورد ملاحظة هامة وعميقة عن مشكلة الامية ويقدم الحلول ايضا.فالامي يتعلم القراءة والكتابة بسرعة ولكن مدة احتفاظه بهذه المعرفة يتوقف علي توفير مادة القراءة له.وهنا يأتي دور مكتب النشر الذي والي اصدار الكتب والكتيبات الصغيرة بكثرة،يضاف لذلك مجلة(الصبيان).وهو يري أن تنظيم حملات محو الامية أيسر بكثير من نشر تعليم الكبار ،وكان أن يتعشم"أن نتمكن من تنظيم حملات في كل المدن الكبيرة قريبا".وكان هذا دور مؤتمر الخريجين المفترض ولكنه كان مشغولا بمعارك "الفيليين" و"الشوقيين" الدونكيشوتية.ويقول:"ومؤخرا قمنا بتجريب شكل آخر من التعليم غير مكلف.ألا وهو طريقة(لوباخ) لمحو الأمية،وهي:كل واحد يعلم واحد،لقد صادفت هذه التجربة نجاحا مشجعا للغاية ونعمل الآن علي التوسع فيها".(أوراق...،ص54).
أنشئ مكتب النشر في عام 1946 كجزء من معهد التربية وعين عوض ساتي مساعدا للمدير البريطاني روبن هودجكن وضمت هيئة التحرير:جمال محمد أحمد،وفخر الدين محمد،وبشير محمد سعيد.وكانت مهمة المكتب الرئيسية هي انتاج الكتب الصالحة للاستعمال في حملة تعليم الكبار بالاضافة للكتب المدرسية التي تصدرها بخت الرضا،وكذلك كتب مواصلة القراءة للذين ينقطعون عن الدراسة بعد المرحلة الأولية.وكان يمكن لمكتب النشر الي دار نشر عريقة مثل اوكسفورد أو(Penguin) أو حتي دار المعارف المصري.ولكن عمل تخريب و"تشليع" المشروع،عجلت بوأده.

ويقول الاستاذ في خطاب بخت الرضا الثامن عشر ة بضرور توجيه المجتمعات الريفية للنهوض بشؤونها.ويشير لتجربة تقوم بها بخت الرضا بالاشتراك مع بعض المصالح الحكومية بتجربة في ترقية الحياة الريفية.في مشرعين بالنيل الابيض:أم جر والفطيسة.ويزرع القطن والذرة وكانوا قبل ذلك يعتمدون علي الماشية والزراعة المطرية والجروف التي يغمرها الفيضان.وقد مثل المشروع نقلة بالنسبة لهم وتبذل المصالح الحكومية المساعي لترقية حياة السكان.دخلوا في الاقتصاد النقدي لأن المشروع يدر عليهم دخلا أكثر من السابق،وهناك المساعي الطبية مثل مكافحة الناموس لتحسين الصحة،وفتحت مدرسة للبنين ستتلوها مدرسة للبنات.ويقول:"ولكن هذه الخدمات لا تكفي وحدها للتقدم.بل ان حركة التقدم ستكون مشلولة إذا لم تسُد بين الاهالي العزيمة الصادقة علي خدمة أنفسهم.ولكي ننمي في الناس العزيمة علي خدمة أنفسهم لابد من شيئين:

1- تزويد القرويين بمعلومات أكثر عن التغيير الذي يعتري حياتهم وعن الطرق التي يمكن أن تُحسن بها.
2- تكاتف موظفي المصالح الحكومية المختلفة وتعاونهم مع القرويين بتهيئة الفرص والتشجيع لبلوغ التقدم المنشود.
هذه قيم المجتمع المدني وأسسه،أن يقوم المواطنون بمهام مكملة لوظائف الدولة.كما أن فكرة "العون الذاتي" التي ابتذلها نظام(النميري)هي جوهر عمل بخت الرضا حسب خطة الاستاذ.ويهتم كثيرا بروح "المبادرة" رغم أنه لم يستخدم نفس المصطلح.فهو يفسر المقصود بخدمة النفس:" أن يقوم القرويون من تلقاء أنفسهم باشياء كحفر الآبار وتشييد المساجد وبناء الاندية، ولا يعتمدون في ذلك علي سواهم.والاتفاق فيما بينهم علي الكف من المغالاة في المهور وتكاليف الزواج الأخرى،أو علي رفع مستوي النظافة في القرية،أو علي محاسبة أنفسهم لرفع مستوي الزراعة،أو علي إنشاء جمعية للتوفير أو التسليف".(أوراق..،ص105)وهنا يقدم شرحا مباشرا لفكرة المبادرة وأبعادها:"إننا نعلق أهمية كبرى علي عادة البدء في هذه الأشياء بغير مؤثرات خارجية.لأن مثل هذه العادة إذا تمكنت ولو في نفوس القادة،فإن النهضة ستتجه اتجاها آخر حين نجدها لا تعتمد فقط علي حماس موظفي المصالح الحكومية الذين يتعاقبون علي الأرياف،بل يكون الموجه لتلك النهضة هو التفكير الرشيد في المسائل الكبرى والإقدام بجد في الأمور اليسيرة".(نفس المصدر السابق).ويري أن هذه الفكرة ليست بعيدة ولا غريبة عن عادة"النفير".فقد كانت تهدف أو تحقق تهيئة الفرص لخدمة النفس والتعاون وتشجيعها.ولكنها عرضة لأن تقضي عليها القوانين الكثيرة التي تصدرها المصالح الحكومية المختلفة في المناطق التي يراد إصلاحها.ولهذه القوانين أثران:

- إنها تشجع كل موظف علي التفكير قبل كل شيء في تنفيذ قوانين مصلحته ويكون التفكير في الناس الذين يخدمهم ثانويا.
- إن القوانين لا تدع مجالا كبيرا للقرويين أنفسهم ليساهموا في رسم الخطط وتنفيذ تلك الخطط.
ويكتب أنه ليس المقصود تجريد القرى من الخبراء:"ولكن إذا كانت جميع أعمال المصالح الحكومية مقيدة بقوانين عليا،ولم يبق مجال لمساهمة القرويين أنفسهم في اتخاذ القرارات،فإن المجال لن يكون واسعا لخلق صفة خدمة النفس وتثبيتها".(ص105).
هذا وقد تم القاء دروس في الصحة علي سبعة من القرويين في أم جر،وقع عليهم الاختيار ليكونوا مرشدين في قراهم،وعملوا فعلا علي تشجيع القرويين علي العناية بالاحتياطات الصحية.كما تلقي عدد آخر من مشايخ الزراعة دروسا في الزراعة.كما ألقيت دروس في التربية الوطنية استمرت لمدة ثلاثة أسابيع، علي عدد من ذوي المسؤولية أي مشايخ الإدارة ومشايخ الزراعة والمرشدين،وأعضاء في مجلس القرية.وكانت من أهم الدروس تلك التي تضمنت"الطرق التي يمكن أن يثيروا بها اهتمام الناس من مناقشة الأفكار الجديدة والطرق التي يحملونهم بها علي تنفيذ ما يرونه صالحا لمجتمعهم".كما ألقي درسا علي نساء احدي القرى في الصحة والتحسينات المنزلية.وكان علي بخت الرضا مسؤولية دروس التربية الوطنية والمساهمة في مراقبة التجربة.وقد خصصوا لهذا العمل جزءا من خدمات ضباط تعليم الكبار(مكي عباس وحسن أحمد يوسف)وناظر مدرسة أم جر الأولية(الشيخ الطيب إدريس).وكان في الخطة تقديم خدمات للنساء في مجال التحسينات المنزلية وبث التعاليم الصحية.وتخصيص خدمات استاذ بريطاني متخصص في الأعمال اليدوية،تكون مهمته الارشاد لتحسين الصناعات القروية.(ص107).

كان يتوقع سؤالا من نوع:هل كل هذا الذي تقومون به مهما؟ أليس من الأفضل حصر الجهود كلها في تعليم الصغار؟ويرد:"لا، أن التطورات العظيمة التي حدثت في روسيا والصين وتركيا أحدثها الكبار فاقبلوا علي الأفكار الجديدة وعملوا بها.وانا نجد في كل هذه الاقطار مشاريع عظيمة لتعليم الكبار،وما الذي نقوم به في أم جر سوى تعليم الكبار.وقد ذهبت تركيا إلي حد جعلت عنده التعليم إلزاميا لكل الكبار الذين لم يتجاوزوا الاربعين".(أوراق...،ص107).

تعطي خطاباته الرسمية صورة جيدة عن كيف حوّل فلسفته التربوية الي سياسات تعليمية قابلة للتنفيذ والتطبيق.فقد جاء في الخطاب الذي القاه بصفته وزيرا للمعارف في8 نوفمبر1949 أمام الجمعية التشريعية،حول مشروع التعليم لسنة1949-1956،بان يقدر في نهاية سنة1956 تهيئة التعليم الاولي والأصغر لقرابة40% من تعداد البنين الذين هم في سن التعليم في المديريات الشمالية.ويقول:"لا شك أن الهدف النهائي لوزارتي هو أن تمحو الأمية في السودان كله،وأؤكد للجمعية بأننا سنبذل قصاري جهدنا لتحقيق هذه الغاية، ولكن أية محاولة تهدف في الوقت الحاضر لاكثر من40% لا تكون سياسية عملية".(أوراق..،ص83).فهو لا يميل مثل السياسيين الكذبة لنثر وعود يدري هو قبل غيره استحالة تنفيذها.ولكنه يعد بالممكن،ويقول:"..لذا علينا أن نتأكد من أننا نقدم للتلاميذ في المدارس التي نستطيع فتحها،خير ما يمكن تقديمه من تعليم أي يجب علينا أن نهدف لتحسين المستوى بالرغم من الالحاح والطلبات المعقولة لفتح مدارس أكثر".(نفس المصدر السابق).وأرجع ذلك للحالة المالية في البلاد،ولكن لا يجعل من ذلك مبررا.فهو يطرح سؤال كيف يمكن أن نذلل تلك العقبات؟يقترح تقليل تكات اليف التعليم الأولي معتبرا أن الوسيلة الرئيسية التي تمكننا من بلوغ هذا الهدف هي:" أن نحول التعليم الأولي لسلطات االحكومات المحلية وبذلك يكون من المستطاع اسناد المدارس الأولية والصغرى لتلك السلطات،ورفع مستوى الاخيرة إلي مستوى يقارب مستوى المدارس الأوليةزونأمل بهذا الاجراء أن نخفض كثيرا من تكاليف مباني المدارس عندما تسند هذه المسؤولية لعملاء محليين بدلا من اسنادها لمصلحة الاشغال بمستواها الفني العالي،وآمل أن يتم النقل في سنة 1950 في حالة كثير من الادارات المحلية".(أوراق...،ص83-84).وللاستاذ تصور جيد وجلي للحكم اللامركزي في بلد شاسع كالسودان،ولاشكال تقسيم السلطة.ولحسن الحظ تقلد منصب وزير الحكومات المحلية،ولكن إنقلاب 17 نوفمبر1958 قطع عليه خططه.

في رد علي سؤال في الجمعية عن خطة الوزارة إنشاء رياض أطفال في المدن الكبيرة حيث يوجد أعداد كبيرة من الأطفال في العام الخامس من العمر،يبدي الاستاذ رأيا موضوعيا وعلميا كعادته.فهو يدرك أهمية وفائدة رياض الأطفال،ولكنه نوع من التعليم كثير التكليف من حيث المصاريف الانشائية والمتكررة والمعدات الكثيرة.هذا علاوة علي "أنه يجب أن تشرف علي روضة الاطفال سيدة مؤهلة ومدربة تدريبا كاملا علي أن يشمل هذا التدريب علم النفس للاطفال".(أوراق...،ص100)ولنا أن نتصور حال رياض الاطفال بعد65 عاما من هذا القول.فقد صارت رياض الاطفال تنافس دكاكين البيع بالقطاعي في الاحياء.فالدولة قد رفعت يدها عن كل ما له صلة بالتنمية والخدمات،ولكن الوزير حين اعرب عن عدم نية الدولة الدخول في هذا المجال،كان له سببه المنطقي والواقعي:" اعتقد أنه ليس هناك ما يبرر تعميم انشاء رياض الاطفال قبل أن نقطع شوطا أكبر من سد حاجة المناطق الريفية للتعليم الاولي.فينبغي أن نقدم المهم علي الأهم أولا ونسير نحو تعميم التعليم الأولي قبل أن نتحول بمواردنا المحدودة لمشروعات مرغوب فيها ولكنها ليست ضرورية".فهو واضح في انحيازه للريف بصدق ووعي،كما أنه شديد العقلانية في تحديد الاولويات.

جاء في الفقرة(24)من مقترحات توسيع وتحسين نظم التعليم في مديريات السودان الشمالية1948-1956:"أن السواد الأعظم من خريجي المدارس الصغرى والأولية يجدون صعوبة في قراءة الجرائد،وأن الكتب التي تصلح لمواصلة تعليمهم وتحسين مستواهم قليلة.لذا فإن الغرض من كتب مواصلة القراءة هو معالجة هذا النقص الخطير.وتتجلي الحاجة إلي هذه الكتب في الانتشار الواسع الذي تحظي به مجلة (الصبيان).ويجري العمل بنجاح في تحسين واخراج أنواع أخرى من كتب مواصلة القراءة.فسلسلة كتب الصغار وسلسلة كتب التعريفة وهي كتب مبسطة جدا تجد اقبالا فائقا. وضمن البحث عن الوحدة القومية في الجنوب يقول:"..أنه مهما كانت الخسائر للثقافة المحلية،فإن اللغة العربية كلغة موحدة ينبغي أن تأخذ الاسبقية علي اللغات المحلية في جنوب السودان".(أوراق...،ص59).لاحظ أنه لم يقل تحل محل اللغات المحلية،ولكن تحدث عن الاسبقية مما يعني امكانية وجود لغات محلية ثانوية إلي جانبها.
تميز الاستاذ بموقف ايجابي ومشجع من التعليم الفني أو الصناعي.فهو يقدم بيانا ضافيا عن انجازات وزارته في هذا المضمار.ويستعرض بنودا مثل تجديد الانشاءات وزيادة عدد الطلاب،وبناء مدارس وسطى صناعية في ام درمان والابيض ومدني.لم يهمل الجنوب في الخطة الاستفادة من المدارس الصناعية التي انشأتها الجمعيات التبشيرية وتدعيمها بإنشاء معاهد صناعية حكومية.وتخرج منها مساعدون فنيون، ومدرسون في المدارس الصناعية،رسامون،وخبراء فن البناء،مدرسو فنون وصناعات،اعمال كتابية ومحاسبة.واتذكر جيدا موقف(محيي الدين صابر)المعادي.ففي الاجتماعت العامة مع المعلمين،كان يخاطب اساتذة المعهد الفني باستفزاز عند نقاش التعليم الفني،قائلا:"طيب،نشوف رأي الاسطوات شنو؟"

كانت فكرة الجمعيات من أهم الوسائل العملية اتطبيق المبادئ الاساسية في مناهج بخت الرضا،مثل:"التدريب الخلي وابتكار الانشطة التي توفر الفرص لنماء الشخصية".وقد صدر كتاب مرجعي للجمعيات مجموعة اسمها:"سلسلة كتب الوطني الحق"(لاحظ هذا عنوان كتاب صادر عا1943)جاء علي الفلاف:الكتاب الأول في الجمعيات داخل المدرسة وخارجها.ارشادات للمبتدئين في الديمقراطية العملية.تأليفف.ل.قريفس ومكي عباس،الصور من عمل ج.ب.قرينلو(من رواد كلية الفنون).ويتكون الكتاب من بابين وعدة فصول،تحتوي علي:تقسيم أعمال إدارة الجمعية،كيفية السير في مناقشات الجمعية،واجبات الاعضاء،كيفية اتخاذ القرارات وتنفيذها،ضبط مال الجمعية، كيف ينتخب الاعضاء التنفيذيون،آداب الاجتماعات،الاقليات وغيرها.وورد في الكتاب أنه اذا شعر بعض الاعضاء بأن اللجنة التنفيذية قد بدرت منها أشياء جعلت الأعضاء لا يثقون بها،فلهم أن يستدعوا بعدم الثقة فيها.( اوراق...،ص179).وهناك فصل شيق عن:"كيف يستحيل النظام الديمقراطي إلي نظام ديكتاتوري؟".ويمكن مقارنته بكتاب:"الطريق إلي البرلمان" للسيد(اسماعيل الازهري).

*****
أخشي أن يظن البعض أننا أمام انسان غارق في البيروقراطية وجفاف العمل
الريفي الخشن.الرجل رطب الروح تستخفه بسمة الطفل في المدرسة،و يسمتع بالأدب ويتذوقه ويطرب له.يكتب (حسن نجيلة)في كتابه الموسوم(ملامح من المجتمع السوداني):"وعلي صفحات الحضارة ينبري له(يقصد للامين علي مدني ،مؤلف كتاب:أعراس ومآتم)استاذ شاب من خيرة مثقفي الشباب،الاستاذ عبدالرحمن علي طه المدرس بمدرسة أم درمان الابتدائية آنذاك،ويرد عليه موضحا الخطأ في المحاضرة،ويكشف عن الجوانب المشرقة في شعر البنا،ويرد عليه الامين معتدا وتدور بينهما ملحمة في النقد يوقفها السيد حسين شريف رئيس التحرير وقد رآها احتدمت وشطت ولم تأخذ سمتها الموضوعي (حسب رأيه)،ولكنها تركت دويا في مجتمع المثقفين!"(طبعة دار الخرطوم، 1994،ص158).ورغم أنني اقف مع (الامين) في نقده لشعر البنا.ولكن الشاهد هو دور الاستاذ كناقد للأدب ومتذوق للشعر.

****
في الختام ،أكرر القول بأن الأستاذ(عبدالرحمن علي طه)تعرض لكثير من الظلم
والغبن، رغم ما قدم للوطن في مجال التربية والتعليم.وهذا طبع قطاع كبير من الانتلجنسيا السودانية،تغطي علي عجزها بالظلم والحسد والاضرار بالمبدعين الذين يكشفون عوراتها.فلأن الأستاذ لم يكن يساريا ولا ام درمانيا وليست لديه شلة أو عصبة تحرق له البخور،ولا حواريون لا ينقطعون عن تمجيده،وليس لديه حزب يعارك باسمه في ميدان الفكر والثقافة.كان معتزلا عن سخف الافندية وفضل الخلا ولا الرفيق الفسل:بخت الرضا ثم أربجي،صارخا فيهم:خذوا دنياكم هذه فقد كانت له دنياه الخصيبة المنتجة الجادة.ويذهب التواطوء بعيدا،لا أدري لماذا لم يحاول أي أستاذ في كليات التربية الكثيرة أن يوجه أحد طلابه أن يكتب رسالة جامعية عن أفكار الأستاذ عبدالرحمن التربوية ولا عن تجربته في بخت الرضا؟
في النهاية،يقول ابن عربي:" رب حاضر غائب وعالم جاهل وحامل للكتاب والسنة ليس معه منها شئ،فانظر فيم طلبته ولمن اردته فانك موقوف عليه ومسؤول عنه ومجازي به".
e-mail:[email protected]
.


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1882

التعليقات
#1193596 [دفع الله البدوي]
0.00/5 (0 صوت)

01-22-2015 06:35 PM
شكراً استاذنا الحصيف د.حيدر ابراهيم علي هذا الامتاع والابداع النقدي ...تناول التاريخ السوداني والشخصيات العامة به الكثير من التناقضات والنواقص فمثلاً رجل كالازهري جاهد لفترة طويلة جداًللتابعية المصرية (وصاية الحكم )ولكنه تحول الي بطل الاستقلال (دور الحزب الاتحادي) التاريخ السوداني مكتوب بايادي معادية للفردية وهي ابداً مربوطة بميول جهوية حزبية جندرية ...الخ


#1193529 [Almisahir fi izallail]
0.00/5 (0 صوت)

01-22-2015 04:29 PM
رد على المسمى عمر ..
* طيب اذا انت مقتنع يا سيد عمر ان السودان "دوله محطمه" بدل ما تلعن الظلام ويظل الظلام والحطام فى مكانهما .. اوقد شمعه لتنير الطريق لنفسك وللاخرين لأزالة هذا الحطام وتساعد فى اصلاح ما تحطم وتساهم فى البناء .. على الاقل كان الاحسن ان تصمت عسى ولعل ألآخرين يخرجوك من الزبالة والوسخ!!
*ألأستاذ حيدر كل ما قام به هو القاء المزيد من الضوء على اشراقات المرحوم استاذ الاجيال .. وما كان يراه لازما وضروريا لبناء السودان وتقدم اهله عبر التعليم.. وهل من وسيلة اخرى يا سيدعمر للنهوض بالامم من غير التعليم..ان كنت عارفلك طريقا آخر دل الناس عليه!و تكون ليك عليهم سالفه ومكرمه. وتكون ساهمت فى ازالة الزبالة والوسخ من حول الناس وحول نفسك ..و" بجزيك الله خيرا"
*لنسألنك انت يا من شتمت الناس كلهم ووصفتهم بانهم "زباله ووسخ" اين انت منهم ؟ أذا انت جزء من مجتمع "الزبالة والوسخ" الى متى ستظل ترفل فى الزبالة والوسخ؟ ماذا فعلت او ناوى تعملو لأزالة الزبالة والوسخ من حولك؟ منتظر منو يقوم ليك بهذه المهمه؟
* الدكتور حيدر طبعا قادر على الرد عليك ان اراد وبالمنطق ودون تشنج او انفعال ولكنه يا اخ عمرالدكتور لم يدّع انه افلاطون عصره او ظن انه فيلسوف زمانو ولكنه يسعى لنشر الوعى بين الناس لمن اراد ان يعلم ويتعلم (وهو المعلم اساسا) ليبدأ الناس وانت منهم أزالة "الزبالة والوسخ"!
* وانت يا اخ عمر ليه زعلان.. بس خلينى اهمس فى اذنك: ان نوعية كلامك دا هو اللى بيطيل بقاءك وبقاء ألآخرين (اذا اقتنعوا بكلامك وشاركوك الراى ) فى الزبالة والوسخ!!
* تفاءل يا سيد عمر ..وانظر للمستقبل بقوة الايمان .. قابل الصعوبات بوجه باش ولا تشكو من المتاعب
"لا يغير الله ما بقوم حنى يغيروا ما بانفسهم".


#1193354 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

01-22-2015 12:34 PM
نعم يا سيدي ما ختمت به هو محنة السوداني الحقيقية بغير انتماء لعصبه او قبيله فانت مظلوم ويصدق فيك قول ابن عربي لهذا هلك محمود محمد طه وغيره كثيرون كانوا علي هذا الحق وكان احق بهم ولكن هيهات هيهات مع النزق والي ما تري وتعيش كنتيجه طبيعية !!! واغرب ما لدينا ان هذه المحنة مستشرية بين النخب والصفوة لذلم في تاملاتي اخرج باشياء مثل (اذا اردت ان تعرف محنة دولة فانظر حال نخبها ) والسودان هو محنة النخب ومحنة الايدولوجيا !!!تربت يداك دوما مع الحق !!!



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر تفاعلاً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش







الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة