الأخبار
أخبار إقليمية
في حادثة مصادرة نشاط (إتحاد الكتاب السودانيين): تؤخذ الحرّيةُ غصباً ولا يمنُّ بها أحد !!
في حادثة مصادرة نشاط (إتحاد الكتاب السودانيين): تؤخذ الحرّيةُ غصباً ولا يمنُّ بها أحد !!



01-30-2015 06:16 PM
فضيلي جماع

تشبه أنظمة القمع عبر التاريخ البشري بعضها بعضاً، لكنها أكثر ما تكون شبهاً في خوفها من الحرية – أعني الحرية بمعناها العام: أن يقول الإنسان دون خوف ما يؤمن أنه الصواب! لا يختلف في ذلك الحاكم المسلم المثقف ، المأمون ابن هرون الرشيد في العصور الوسطى والذي سجن وعذب الإمام احمد ابن حنبل بسبب اختلاف الرأي – لا يختلف المأمون عن نيرون الذي أحرق روما وهو يقهقه فرحاً ولا عن الدوتشي موسيليني أو الفوهرر هتلر النازي في خوفهم من الرأي الآخر. وهؤلاء الذين ذكرت ليسوا استثناء من أنظمة القمع لصغار الآلهة في العصر الذي نعيش. ترتعش فرائصهم من مساحة شبر من الحرية على خارطة اليابسة. فالكلمة دائماً هي عدوهم..والمثقف الحر هو عدوهم الأول.

هناك مقولة شهيرة للنازي جوزيف غوبلز Joseph Goebbles (1897- 1945)- وغوبلز هو وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر وواحد من أبرز خطباء ألمانيا النازية - يقول فيها: ( كلما سمعت كلمة مثقف ، تحسست مسدسي!) وهو نفسه القائل: (كلما كبرت الكذبة، كلما سهل تصديقها !)

قرأت كما قرأ غيري مساء أمس خبر حجب النظام الفاشي لنشاط (اتحاد الكتاب السودانيين). وساعتها علقت في أكثر من بوست في مواقع التواصل الاجتماعي ، بما ألخصه هنا بأنّ الهجمة المضرية على اتحاد الكتاب السودانيين وتعليق نشاطه دون إبداء أسباب عشية أمس جاءت متأخرة جداً. ولمن لا يعرفون كراهية الإسلامويين لاتحاد الكتاب السودانيين وعضويته ونشاطه أجدني مضطراً لتسليط إضاءة عابرة لخلفية هذا الحقد وتلك الكراهية!
قام اتحاد الكتاب السودانيين بهيكلة نظامه الحالي في الشهور الأولى عقب ثورة أبريل 1985م. وكان من الطبيعي أن يتنادى للدعوة كل عشاق الحرية وأعداء الظلام من المبدعين من القوى الديموقراطية. وبعد ثلاثة أيام من التداول برئاسة (توافقية) من أجل إدارة الاجتماعات قادها العضوان: بروفيسور علي المك والأستاذ كمال الجزولي تم تكوين لجنة تسيير انتخبها الحضور بصورة ديموقراطية. ولا أحتاج للمضي قدماً في سرد تاريخ اللجان التي قامت – وأولاها كانت برئاسة الديبلوماسي الأديب جمال محمد احمد. وما أوغر صدر الإسلامويين وأنصار الظلام أنّ الاتحاد رغم شح الإمكانات – كهيئة تطوعية حرة- أنجز بعض الاختراقات: مثل تسجيل عضويته في الاتحادات القارية والإقليمية كاتحاد كتاب آسيا وأفريقيا واتحاد عموم كتاب أفريقيا Pan African Writers' Union واتحاد الكتاب العرب، إضافة إلى خلق علاقات طيبة مع منظمات دولية مثل اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم)، ومنظمة الملكية الفكرية WIPO . كما إنّ الاتحاد نجح داخلياً ومنذ الأيام الأولى في الحصول على دار في موقع ممتاز (المقرن) ، واستطاع – عبر مخاطبة رئيس الوزراء المنتخب الصادق المهدي – أن يلفت نظر الدولة إلى واجبها تجاه ثلاثة من كبار شعرائنا ممن حجب نظام جعفر نميري عنهم آنذاك جوازات سفرهم فظلوا رهن عطف البلاد التي يقيمون بها ، وهم : الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري والشاعر الدكتور جيلي عبد الرحمن والشاعر الدكتور مبارك حسن خليفة. ولعلها نقطة تحسب لصالح رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي آنذاك حين أمر حكومته بتوجيه سفاراتها في البلدان التي يقيم فيها اولئك الشعراء الكبار بإصدار جوازات سفر لهم وبمنح كل منهم تذكرة ذهاب وإياب ليعودوا لوطنهم. عاد الفيتوري ولقي من الحفاوة ما أوغر صدور أعداء الثقافة. كما نجح الاتحاد في دعوة أدباء عالميين منهم الشاعر الروسي القدير يفجيني يفتوشينكو والشاعر مظفر النواب وغيرهما علاوة على استضافة الروائي السوداني العالمي الطيب صالح في ندوة مفتوحة لجمهوره الغفير بدار الاتحاد سميت (محاكمة الطيب صالح) والتي ما فتئ يشيد بها حتى أيامه الأخيرة. وكانت هناك دعوة يجري ترتيبها للشاعر والمسرحي النيجيري الحائز على جائزة نوبل وولي شوينكا Woole Soyinka إلا إنّ الإسلامويين بانقلابهم على الديموقراطية وحرية السودانيين كانوا أسرع لذبحها. لذا فقد كان (اتحاد الكتاب السودانيين) من أوائل المنظمات الطوعية التي سعوا لتعطيل نشاطها ومصادرة دارها وممتلكاتها في الأيام الأولى لانقلابهم، ولم يعد إلى الظهور إلا بعد توقيع اتفاقية نيفاشا وخلق هامش محدود من الحرية.

كنا نعرف أنّ بقاء الاتحاد ومزاولته لنشاطه في هذا الزمن الأغبر أقرب ما يكون إلى المشي فوق حقل من الألغام. وكاتب هذه السطور كان ولما يزل يحذر من المنفى كلما سنحت الفرصة بألا يطمئن الإخوة في إدارة وعضوية الاتحاد إلى مكر الإسلامويين، فإنهم قد ينقلبون على ما قالوه صباح اليوم دون إبداء أسباب عشية نفس اليوم. إن كعب أخيل للإسلام السياسي هو قيام الدولة المدنية الديموقراطية التي تؤمن بالتساوي في الحقوق والواجبات. وبما أنّ الغدر سمة أساس في تفكيرهم، فإن إغلاق دار يمارس الناس فيها الحوار الثقافي على مرأى ومسمع النظام يرونه من أولويات مهامهم.
ألا رحم الله المفكر والعالم السوداني الشهيد محمود محمد طه حين قال عنهم : (كلما أحسنت الظن بهم، يظلون أسوأ من سوء الظن العريض)!

وإذا كان من كلمةٍ لأصدقائي وزملائي وزميلاتي من المبدعين السودانيين من عضوية اتحاد الكتاب السودانيين فإنني أقول لهم إنه لشرف لكم ألا تكون هناك لافتة على مبنى تحمل اسم اتحادكم الداعي للحرية والمساواة ، دون أن يكون في مقدور أي منكم أن يفتح فمه ليقول كلمة بمطلق الحرية عما يعانيه شعبنا وبلدنا إزاء كارثة تسلط حكم الإسلامويين الفاشي على رقاب شعبنا طيلة خمس وعشرين سنة ونيف. ثم إنه قد حان الوقت أيها المبدعون لتجعلوا من أقلامكم في المواقع الإليكترونية المختلفة رصاصاً في جسد هذا النظام المتهالك. أكتبوا وقولوا لشعبكم: تؤخذ الحرية غصباً ولا يمنُّ بها أحد !!
اللهم هل بلغت ؟ اللهم فاشهد !

فضيلي جماع
30 يناير 2015

fidajamb@yahoo.com




تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1510

التعليقات
#1198880 [khalid osman]
5.00/5 (1 صوت)

01-31-2015 11:16 AM
أخي فضيلي

يبقي السؤال هو: هل الاسلام يدعو الي اعمال الفكر والاجتهاد ؟

منذ ايام الخليفة المتوكل وايقاف اعمال الفكر والاجتهاد والي يومنا هذا نحن امة يسيطر عليها ميراث الاموات وبحكمنا رجلان هما البخاري ومسلم......وبالرغم من ان المسلمين يعتقدون بان صحيح الخاري اصدق كتاب بعد القران الا اننا امة لا زالت تسير بخطي ثابتة في دروب فشلها وانحطاطها...

لك الشكر علي المقال الرائع....

[khalid osman]

#1198645 [أبو الدقير]
1.00/5 (1 صوت)

01-30-2015 09:02 PM
شكرا لك شاعرنا فضيلي جماع وشكرا لانحيازك إلى نداء وطنك ونصرتك لبناته وأبنائه في كل الملمات.....لقد كسبت كثيرا وصرت من أثرياء العالم بحب الناس الغلابا لك ومناصرتك لهم في كل المحن والجائحات... لقد كنت هناك تواسي المغتصبة... وكنت هناك أيضا تعزي وتواسي الثلكي... لقد كنت حاضرا دائما في دفتر الوطن فلك التحية وسلام كبير كبر هامتك التي لامست عنان السماء.

[أبو الدقير]

ردود على أبو الدقير
European Union [فضيلي جماع] 01-31-2015 09:23 AM
شكرا أخي الفاضل / أبو الدقير على رفع المعنويات في زمن الإحباط.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة