الأخبار
أخبار إقليمية
الصحة لا بواكي لها.. في أجزاء كبيرة من دارفورو تمضي الحياة على كف القدر
الصحة لا بواكي لها.. في أجزاء كبيرة من دارفورو تمضي الحياة على كف القدر
الصحة لا بواكي لها.. في أجزاء كبيرة من دارفورو تمضي الحياة على كف القدر


رواكيب خربة كبيوت الأشباح سميت مجازاً بالمدارس
02-05-2015 11:44 PM
أم لباسة – آدم محمد أحمد

اختصر طريقا طويلا يمر عبر سنوات عدة وولج مباشرا إلى النهاية.. (سالم) أو هكذا اسمه، لم يستقل ترحيل الروضة الصباحي ولم يجلس لامتحان مرحلة الأساس أو الثانوي، لكنه الآن طبيب أو قل اختصاصي، بل إن شئت الدقة قل أستاذا في الطب، كل ذلك ولم يقف الرجل يوما في باب مدرسة ابتدائية لطلب العلم! يمكن تصنيف (سالم) في الدرجة ما قبل الفاقد التربوي، لكنه يتحكم في مصير أمة عبر أهم مهن الحياة.. أكثر من مهمة ينجزها الرجل في ضروب الحقل الصحي؛ يقوم بمهام الفحص والتشخيص ويمتلك صيدلية لصرف الدواء ويأمرك بالعودة إليه حال لم يتحسن حالك.. دراجة نارية وكرتونة صغيرة في المقعد الخلفي، كل ما يملكه (سالم) من رصيد لتسيير أموره في ممارسة المهنة.. صباحا يمتطي دراجته ويشق عباب البسيطة بحثا عن رزقه، في أحد الأزقة وتحت أشعة الشمس الحارقة يفترش الرجل الأرض ويطرح ما يمتلكه من دواء، لا فرق هناك بين الدواء أو البصل أو أية سلعة أخرى تباع؛ الكل في متناول اليد! لا روشتة ولا كشف بالأجهزة الحديثة.. فقط: نظرة من (سالم)، أو غيره يعمل في ذات الطريق، كافية بأن تجعلك تحمل كيسا من الأدوية والأمصال، بعضها ربما محرم على الطبيب العمومي صرفه لأي مريض.. ليس هذا كل شيء، خلال رحلة امتدت لعشرة أيام تقريبا في فيافي دارفور وجدت الكثير والمثير.. الصورة القلمية هذه تجسد حالة قطاع كبير وواسع في غرب السودان، دارفور على وجه الخصوص، فالصحة هناك لا بواكي لها!

* على الكفاف

تمضي الحياة على كف القدر، على بعد أكثر من ثمانين كليومترا غرب نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، يعيش الناس على الكفاف لا حلم لهم؛ اليوم عندهم كغدهم، لا توقعات جديدة ولا مشاريع ينتظر نتائجها.. مستشفيات بلا كوادر بعضها لا يملك مبان ناهيك عن المعاني.. منطقة (أم لباسة) على سبيل المثال وهي وحدة إدارية تضم عددا من المناطق وتقع في الطريق الرابط بين السودان ودول كثيرة كتشاد وأفريقية الوسطى، تفتقر إلى المستشفى الذي يلبي أبسط حاجات الناس للصحة، مساعد طبي أو قل ممرض هو من يدير حياة آلاف الناس، لا أسِرَّة ولا أجهزة للفحص ولا كهرباء.

* العودة إلى الفكي

الحالة المتردية المشار إليها جعلت الناس يلجأون في مرات كثيرة إلى (الفكي) صاحب اللوح بحثا عن علاج لأمراض هي في الأساس تحتاج إلى طبيب لتشخيصها، عندما تسوء حالة الشخص الصحية ويصل إلى الدرك الأسفل من المعاناة، لا لشيء سوى أنه لم يجد طبيبا يعالجه، فإن أهله يعودون بحالته إلى (الفكي) ظنا منهم أنه قد أصابه المس أو شيء من الجنون.

هل يمكن أن تصدق أي امرأة في أقصى ضواحي البندر والمدن الكبيرة خاصة الخرطوم أن أختها في أكبر قرية بدارفور لا تجد مختصا يتابع حالتها عندما تكون حبلى؟ تترك الأمر هكذا إلى أن يأتي يوم الوضوع، الذي لا تعلم قساوته إلا هي ورب العالمين، في كثير من المرات تضع مولدوها لوحدها وتغالب الأوجاع، أو في أسوأ الحالات تتكفل بها (داية) هي الأخرى اكتسبت خبرتها من الممارسة ولم تخضع لأية دورات تدريبية سوى دورة الحياة.

* وقود الحرب.. ضحايا النزاعات

يقول الناس هنا إن الحكومة تركتهم يسيرون أمورهم بأنفسهم، تلجأ لهم عندما تكون في ضائقة أمنية على سبيل المثال لتستنجد بهم، أو عندما تأتي الانتخابات تستنفرهم للاقتراع، يمثلون وقود الحرب بلا منازع إن كانت حروبات قبيلة أو الدولة ومعارضيها، في كل الحالات هم ضحية لنزاع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، أو هكذا يقولون.

* نيالا.. صورة مقربة

نيالا مدينة هلكت تماما وتكاد تنزف من شدة ما يقابلها من مصائب، كانت لوقت قريب قبل سنوات اندلاع التمرد المدينة الأكثر أمنا بين رصيفاتها، لكنها سرعان ما انزلقت إلى القاع رغم الإجراءات الصارمة التي اتخذها الجنرال آدم جار النبي والتي أفضت إلى حظر الدراجات النارية (المواتر) إلا أن الحالة الأمنية ليست مطمئنة، وقابلة للاشتعال في أي وقت، قبضة قوة القبائل تحيط بالمدينة وتنشب مخالبها لا يحول بينها والهجوم إلا أن تنقض.. ظاهرة نهب السيارات لم تنحسر بعد وكذا القتل، تتداول شوارع المدنية أخبار الاغتيالات، نزاع في كوب شاي يمكنه أن يزهق عشرات الأرواح من الأنفس البريئة.. سيارات الدفع الرباعي (اللاندكروزر) أصبحت هي وسيلة النقل من داخل نيالا إلى المحليات المختلفة ملثما هو الحال في دارفور عموما لعدة أسباب أبرزها رداءة الطرق الترابية وصعوبة الطبيعة الجبلية والخيران سيما في الخريف، ثم لسرعتها.. عشرات السيارات تنهب ما بداخل المدينة من بضائع عبر مسار التجارة رغم قلة ما تحمله تلك السيارة الصغيرة في جوفها، لكنها تبدو الوسيلة الوحيدة مع القليل من الشاحنات الكبيرة لإطعام الناس في تلك البوادي وربطهم بالمدن.

* فيدي.. محنة التعليم

أن يبلغ الأطفال سن الرشد ذاك حلم يراود الكثيرون من الآباء في مناطق كثيرة بدارفور سيما النائية منها، ومنبع الحلم هذا مرده أن الأطفال هؤلاء سيساعدون آباءهم في العمل لمغالبة ضروب الحياة وتضاريسها القاسية، فوجود عدد كبير من الأبناء الصالحين للعمل يمثل ثروة لجلب السعادة لأنهم يضربون فجاج الأرض بحثا عن أرزاقهم، المعتاد في تلك المرحلة أن الأطفال مكانهم التعليم وليس ساحات العمل الشاق منه وغير الشاق، لكن التعليم يبدو في أدنى سلم الأولويات للناس هناك، ليس لأنهم ضده أو لأنهم لا يرغبون في أن يتلقى أبناءهم التعليم المفيد، لكن لعدة أسباب أبرزها انعدام مؤسسات التعليم من مدارس ومعلمين، فالدولة هناك غير موجودة مطلقا، غياب تام لسلطاتها.

دخلت إحدى المدارس في منطقة (فيدي) التابعة للوحدة الإدارية لأم لباسة، فوجدت العجب، يرفرف علم السودان وسط رواكيب خربة تكاد تجزم للوهلة بأنها بيوت للأشباح، لا شيء يدل على أنها مدرسة يتلقى فيها تلاميذ دروسا وحصصا، معلم ومعلمة يكابدان المشقة للقيام بأدوارهما وإيصال الرسالة، مدرسة تضم أربعة فصول كل فصلين في راكوبة يتم الفصل بينهما بمشمع عادي كستارة ويفترش التلاميذ فيها الأرض.. يقول الأستاذ (عبدالله بخيت) إن مدرسة (فيدي) تضم أربعة فصول فقط ولا تستوعب فصلا آخر، وبعدها يتم نقل التلاميذ لمواصلة تعليمهم في (أم لباسة)، الحكومة لا تدفع للمعلمين مرتبات خاصة المناطق الطرفية وحتى في القرى الكبيرة، أحيانا تتأخر مرتبات المعلمين لثلاثة أشهر تقريبا.. من أراد أن يعلم ابنه هناك فعليه تحمل كل التكاليف (مصاريف، شراء كتب وكراسات ودفع مرتب المعلمين)، وهذا أمر بالغ الصعوبة لأناس دخولهم محدودة ويعتمدون في عيشهم على سواعدهم التي تجتهد خريفا للعمل في الزراعة ثم حصادها، لا وظائف عندهم ولا حتى عمل بالأجور.

* تيار العنف

تسليح القبائل وتطوير قدراتها في الدفاع عن نفسها هو الأمر الأكثر شيوعا في فيافي دارفور، فكل قبيلة لا تملك عددا من السيارات ذات الدفع الرباعي كاملة التجهيز والعتاد الحربي تعتبر ضعيفة في نظر الكثيرين، فالشعور بالأمن معدوم، ولا أحد يضمن سلامتك سوى سلاحك الذي تحمله، فزعماء القبائل وإدارتها الأهلية يجتهدون أيما اجتهاد لتوفير القليل من الأمن، وقلما ما تجد نقطة للشرطة وإن وجدت فإنها ضعيفة لا حول ولا قوة لها أمام تيار العنف الذي يجرف أي شيء.. في جانب الحياة تعجز مؤشرات القياس تحديد أسعار السلع التي يصل بعضها إلى الضعف في ظل انعدام تام للسيولة والنقد ويتداول الناس أوراقا مالية محدودة حتى اهترأت فئات العملة بين أيديهم.

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1397


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة