الأخبار
أخبار إقليمية
سكت الطار" يظلنا فبراير وما زال ابن المجاذيب حاضراً بين الناس متوسداً مقعده بينهم كأن شيئا من الموت لم يكن..
سكت الطار" يظلنا فبراير وما زال ابن المجاذيب حاضراً بين الناس متوسداً مقعده بينهم كأن شيئا من الموت لم يكن..
سكت الطار


في سيرة المحاسب الرحال
02-06-2015 09:53 PM
الخرطوم – الزين عثمان

درويش يحتضن "نشالا" في ليلة المولد.. (السر) أن رجلاً تصور متعته المشتهاة في كلمات ليست كالكلمات، لكنها مدوزنة بالحكايات المدهشة والنظرة الثاقبة، محتشدة بتفاصيل غارقة في الدهشة التي تغمر من يقرأها.

القراءة في دفتر الشاعر محمد المهدي المجذوب مثل القراءة من دفتر القائل ذات حوار: (أريد أن أشعر أنني بين أناس أحس بما يعانونه وأعبر بلسانهم، أريد أن أشعر أنني في بيتي.. يجب أن يكون هناك تفاهم بيننا، فدائماً أبحث عن الفهم المشترك.. هدفي في الحياة التواصل مع الناس وتفهمهم وسماعهم.. أود أن أكون حاضرا بينهم، وفي اعتقادي أن الحياة في حد ذاتها لا تساوي شيئاً بدون هذه الأشياء).. لكن الحياة التي لا تساوي شيئاً سرعان ما وصلت إلى النهايات في مثل هذه الأيام من فبراير العام 1982. لكن بقي الشطر الآخر من الحديث، فابن المجاذيب ما زال حاضراً بين الناس، متوسداً مقعده بينهم كأن شيئا من الموت لم يكن مذكورا .

واحد من المجاذيب

في العام 1919 أفريقيا التي ترزح تحت نير الاستعمار الأوروبي.. مصر القريبة والمربوطة بقضية السودان في أوج أيام ثورتها ضد الإنجليز.. نار خلاوي القرآن في دامر المجذوب مشتعلة كما العادة لا تنطفئ، لكن في الوقت نفسه تفتح الأبواب نحو اشتعال شموع جديدة.. يأتي الجديد بغير طمس.. بشر والده الشيخ المجذوب بغلام وشاعر في ذلك التوقيت، وفي تلك المدينة التي يحيطها النهر وتشتعل فوق سماواتها نيران القرآن.. من هناك بدأت قاطرة الشعر انطلاقتها وصاحبها يسعى في طريقه نحو الحداثة التي نصبه البعض فارساً لها في النسخة السودانية.. مثل أنداده في الدامر، بدأ المجذوب رحلته مع الحياة أو رحلته مع العلم والتعلم.. انطلق من خلاوي جدوده. حيث تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم.. بعدها انتقل الرجل إلى العاصمة مواصلاً في سلك التعليم النظامي متجاوزاً المحطات حتى وصوله إلى كلية غردون التذكارية التي تخرج منها من قسم المكتبة كاتباً.

قيد التجارب والهموم

تركت القيد عند أبي لغيري وقيدتني التجارب والهموم.. هكذا قال المجذوب وهو يشق طريقه في الشعر والفنون على عكس ما تشتهي سفن والده الذي كان يريده أن يمضي في اتجاه التحصيل الديني ليعين قاضياً شرعياً مثل إخوته وهو ما لم يعجب صاحب المسيرة الظافرة بكتابتها.. ورغم أن الشيخ المجذوب كان قد مزق عدة أوراق من كتابات ابنه الشعرية باعتبارها قلة أدب، لكن الأدب هو ما نجح آخر المطاف في استمالة المجذوب الذي صار محاسباً، لكنه في الوقت نفسه قادر على وزن الحروف والقوافي.. وأشار المجذوب لذلك في قصيدة (الشعر والنار).. أحرقت شعرك قرباناً لآلهةٍ إن القصيدة لا ترضى بآلهةٍ وقربان.. لكن ابن الشاعر عوض الكريم المجذوب يكشف أن والده لم يكن شاعراً فقط وإنما رساماً أيضاً جمع الريشة بالقافية، يقول عوض الكريم في حوار منشور في صحيفة (الأحداث) عام 2008 عن علاقة والده بكلية الفنون: المجذوب كان مُحباً للرسم وإذا تأملنا مُقدمة ديوان الشرافة والهجرة، نجد تفاصيل مُذهلة لعملية الشرافة في اللوح، عندما بحثت هذا الأمر واتصلت بمن زاملوه في الخلوة، قالوا إن المجذوب هو الذي كان يُشرِّف اللوح وليس الشيخ، وهذا ما يجعلني أفهم الدقة المتناهية التي يصف بها تفاصيل عملية الرسم على اللوح، كما أنه انضم لجمعية الفنون في كلية غردون وما يقوله المجذوب عن الرسم أن شخصاً ما كان يرسم الوجوه الحسان بقلم الرصاص، أما هو فقد كان يميل إلى رسم البيوت والكنائس، من زامل المجذوب في الكلية يحكي أنه عندما يكون هنالك نشاط أو احتفال في الكلية فإن الطلبة كانوا يجمعون على ترشيح المجذوب ليرسم خلفية المسرح مع العلم أن والده كان أستاذاً في ذات الكلية، وكان يأتي ويشيد بمن رسم الخلفيات الجميلة للمسرح واصفاً إياه بالفنان الكبير، ولم يكتشف أمر ابنه إلا في زمن لاحق.. كما ألتحق المجذوب بكلية الفنون وكان يصف نفسه بأنه أسنَّ تلميذ وقد درسته جريزالدا الطيب، ثم لم يستمر بحكم أنه نقل إلى الجنوب في وظيفته، ففاته أقرانه.. أما في شعره فيظهر تأثره بفلسفة الألوان ومعرفتها فاشتغل على دلالات الألوان مثلاً في القوقعة الفارغة (الموج أخضر والموج أصفر)، فهو يعرف دلالات الألوان ولا يضعها عبثاً وليس بعيداً تأثره بالموناليزا التي يضع قصيدة باسمها في أول ديوانه رغم وجود قصائد أقوى منها.

درويش في الخرطوم

المجذوب الذي انتقل إلى الخرطوم في العام 1927 برفقة والده، كان واضحاً وهو يعلن عدم محبته للمدينة إطلاقاً.. ويرد ذلك لأنه تعود العيش وسط أناس يقومون بخدمة أهله ويوفرون لهم كل شيء انطلاقاً من التراتيبية الاجتماعية التي تحكم سلوك المجتمع في تعاطيه مع رجال الدين، لكن الأمر فتح للشاب الباب واسعاً أمام التأمل والتدبر في تفاصيل الحياة الاجتماعية التي يعيشها السودانيون.. لكن العيش في كنف الراحة لم يمنع الشاعر من الالتزام اتجاه الغلابة والمحرومين ويقول عن ذلك: (أكتب عن المحرومين من أبناء شعبي ولست مهموما ًبأولئك الذين وجدوا كل شيء أو لديهم المقدرة على ذلك.. اهتمامي بالفقراء الذين يعيشون حياة بائسة ويعانون من الجوع والحرمان).. تأكيداً على ذلك جاءت قصائد على نسق (النشال والشحات).. في الخرطوم جاء شعره توصيفاً لحياة الناس ورسم تفاصيل حراكهم اليومي في مقاهيهم وشوارعهم وطرق حياتهم.. وإن اكتفى بوصف علاقته بالناس من خلال العبارة: (في داخلي شيخ حاسر الرأس من فقراء السودان).

المحاسب الرحال

عقب تخرجه من كلية غردون التذكارية، انخرط الشاعر في وظيفته الجديدة التي جعلت باب الشعر مفتوحاً على مصراعيه.. المجذوب في لعبته مع الأرقام وضدها يمارس الرحيل الممتع في أنحاء السودان المختلفة ليستقر بها المقام لفترة في جنوب السودان.. الترحال كان عز الكلمات بالنسبة للشاعر الذي بدأت تفاصيل الحياة السودانية تنفتح أمامه على مصراعيها، ومن ثم تتحول إلى كتابات شعرية جعلته محط أنظار النقاد وتناول الصحافة المتخصصة في الخرطوم التي لم تكن لتجد غير حكاية رائد الحداثة في الشعر السوداني لتكتب عنه أو تجعله المتحدث الأول في منتدياتها الأدبية والفنية في مساءاتها المغلفة بالمتعة.. لكن متعة التميز لم تجعل الرجل يخرج من جلباب التواضع الذي يرتديه الصوفي وعلى الدوام .

علم على رأسه نار التميز

كان المجذوب كلما انتهى من قصيدة، مضى بقلمه نحو كتابة قصيدة أخرى.. فليس تأكيدا على ذلك أكثر من أن الرجل بدأ قرض الشعر وهو في الثالثة عشر من عمره وهو الأمر الذي جعل من الرصيد الإبداعي لديه فوق درجات الحصر والحساب بمنطق التعاطي اليومي، فكان الرجل يؤكد فرضية أن الحياة بيت منظوم وفقاً لحالة يتم تعايشها ومن ثم رسمها.

بحسب ما تقول السيرة الذاتية فإن للرجل عدة دواوين منشورة هي ديوان (نار المجاذيب) – 1969م، ديوان (الشرافة والهجرة) – 1973م، ديوان (منابر)– 1982م، ديوان (تلك الأشياء) 1982م، (شحاذ في الخرطوم) - 1984م (مسرحية شعرية).. ديوان (القسوة في الحليب) 2005م- ديوان (أصوات ودخان)-2005- ديوان (غارة وغروب) 2013.. مطولة البشارة.. الغربان والخروج 1975.. ديوان (أصوات ودخان)– 2005م، كما أن الرجل قام بالتقديم لدواوين عدة منها ديوان الشاعر محمد محمد علي وديوان الشاعر الناصر قريب الله وغيرهما، كما شارك في مجلات (النيل) و(هنا أم درمان) ومجلة (الشباب والرياضة) وغيرها من المجلات السودانية.. وعربيا فقد نشرت له (دار الهلال) و(الدوحة) ومجلة (الآداب) البيروتية.. رغم ذلك فإن ابن الراحل عوض الكريم المجذوب يتحدث عن مشكلة قابلتهم في نشر الرصيد الإبداعي لوالدهم بالطبع هي مشكلة التوثيق ومشاكل النشر.

الجمهوري الثائر

كغيره من جيل الحركة الوطنية في ذلك الزمان، انخرط الشاب في مشاريع المقاومة الوطنية للاستعمار الانجليزي المصري للسودان، ونشط في حراك مؤتمر الخريجين العام في السعي نحو تحقيق تطلعات الشعب للحرية والاستقلال، وكان من أوائل الذين اعتقلوا في تلك الفترة دافعاً فاتورة مواقفه الوطنية.. رغم تكوينه الصوفي فقد كان المجذوب استقلالياً وضد الطائفية وديمقراطيا على طريقته الخاصة، وقد أسس مع الراحل محمود محمد طه الحزب الجمهوري في وقت لاحق والمشاركة في تكوين الحزب الجمهوري بالسودان، لكن المشاركة السياسية في تكوين الحزب سبقتها مشاركة إبداعية من الرجل في مدح مواقف الجمهوريين ورئيسهم محمود محمد طه (محمود يلمع في عماية كوبر.. مثل الهلال وضاءة ونحولا.. قلبت يا وطني السيوف جميعها.. حتى وجدت حسامك المأمولا) كان محمود سيف السودان المسلول في السياسة، بينما كان رفيقه في الحزب سيف السودانيين في مجال الكلمة.

رحيل القلم

رأيت طفولتي الباكرة على ضوء هذه النار المباركة، ونظرت إليها وسمعت حديثها، وعلمت وانتشيت وغنيت.. لكن رحلة الغناء المقفى التي استمرت لثلاث وستين عاماً سرعان ما انطفأت في فبراير من العام 1982 حيث نعى الناعي رحيل الشاعر محمد المهدي المجذوب أمير الشعر السوداني في زمان ما بعد مرحلة الحداثة.. ها هي الآن موغلة ومدبرة في الحطام.. الخرطوم التي دفنت درويش شعرها بحسب ما نعاه الراحل سيد أحمد الحاردلو.. سكت الطار كبير الدراويش نام حين أكمل كلمته واللوح نام عليه السلام.. لكن الرحيل نفسه يعيد السؤال هل يموت دراويش الشعر.. هل مات حقاً المهدي المجذوب الذي كانت آخر كلماته: (إنني أحلم بجيل يجعل الكتابة جزءً من العيش.. كشُرْبِ الماء الشعر ليس بهرجاً.. وإنما هو مفتاح لكثير من الحقائق الإنسانية، وقد يجد أصحاب هذه التصنيفات في الشعر ما لم يخطر على ذهن الشاعر الذي كتبه، ومن حق النقاد وأصحاب اللغة أن يقولوا ما يرون، وأحسب أنني كنت أفتش لنفسي عن مخرج الشعر، فما كنت واقفاً في نقطة واحدة، وقد أطرق الأبواب فلا تستجيب، وقد أتحيَّر طويلاً ثم أتحرَّك، كنت أحاول أن أتجاوز حتى نفسي.. لقد طال توقفي أخيراً، كأنني أبحث عن شيء، كأنني ما عرفت نفسي قَطّ.. إنني أحب من يتعاطون الأدب والفنون فهم قبيلتي.

اليوم التالي


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1140

التعليقات
#1203258 [abu ahmed]
0.00/5 (0 صوت)

02-07-2015 11:53 AM
لك الرحمة و المغفرة .. يا درويش الابداع

[abu ahmed]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية



الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة