الأخبار
أخبار إقليمية
حول إلغاء نشاط اتحاد الكتاب السودانيين
حول إلغاء نشاط اتحاد الكتاب السودانيين
حول إلغاء نشاط اتحاد الكتاب السودانيين


02-06-2015 04:54 PM
صلاح شعيب

مسيرة اتحاد الكتاب السودانيين ظلت تتأرجح بين الوعد، والإحباط. ولكن يبدو أن هذا الأمر طبيعي قياسا بظروف البلاد، ذلك إذا تتبعنا تاريخ العمل المدني الطوعي طوال فترة ما بعد الاستقلال. وقد شهدت مسيرة التكوين لاتحاد الراغبين في ترقية الشعور منذ بدء السبعينات تحديات جمة. وقد عكف الذين تحملوا مسؤولية قيادة الاتحاد السعي بكثير من الأناة، والصبر، والمناورة، إلى الحفاظ على حيوية، وفاعلية، التنظيم. فما بين العمل في بيئتي نظامين ديكتاتوريين يعاديان بطبيعتهما الرأي الآخر، وبين العمل في بيئة ديموقراطية كثفت أولوياتها في الـتأسيس الوطني، تعقدت مسؤولية الحادبين نحو شؤون الاتحاد التنظيمية.

الآن وقع الفأس على رأس اتحاد الكتاب عقب إلحاق مصيره بمنظمات المجتمع المدني الطوعية التي صمم المؤتمر الوطني على تعطيل نشاطها بعد انتهاء أجل اتفاقية نيفاشا. فقد استهلت السلطة الحاكمة خطتها ـ بعد الخلاص من مشاكسات "التحول الديموقراطي" ـ بإيقاف الصحف غير الموالية، وتشريد الصحافيين الديموقراطيين. وقبل أن تنجح تماما في هذا المسعى القمعي ضاعفت خطتها باستهداف المراكز الثقافية، والأدبية، والمعنية بحقوق الإنسان. وما أن أحست بضعف مردود المقاومة حتى أغلقت مركز الخاتم عدلان، ومركز الفنون، ثم مركز الدراسات السودانية، ومركز الخرطوم، ومؤخرا عوقت نشاط مركز عبد الكريم ميرغني، ومركز الاستاذ محمود محمد طه، والقائمة تطول. وهذا الغلو في تجفيف منابع الإبداع ليس من المستغرب فيه. إذ إن استراتيجية النظام القائم ظلت واضحة، وهي تعويق كل جهد فكري، أو سياسي، أو أدبي، يشكل خطورة على استمرار سلطته الأحادية.

هناك سؤالان يشغلان تفكير المرء حول هذه الإجراءات القمعية المقصود بها التضييق على أي حراك تحس السلطة أنه ضدها، أو لا يتماشى مع نهجها الاستقطابي. السؤال الأول هو إلى أي مدى يستيقن أهل الحل والعقد في السلطة في أن سحب ترخيص مركز ثقافي سيصب في صالح استقرار تسلطهم، أو أن إغلاق صحيفة سيعزز أوضاعهم المهترئة؟ والسؤال الثاني هو هل تتخذ هذه القرارات برضا تام من المكونات التي تشكل الحكومة أم أنها فقط إجراءات تتخذها الاجهزة الأمنية، وتبلغ بها المؤسسات المعنية لاتخاذ الإجراء المناسب؟

أيا كانت الإجابة فإن النظام ليس بدعا في ارتكاب الأخطاء التي تعجل بتشديد المقاومة ضده. فالمعروف هو أنه مهما واجه البشر من تحديات تضاعفت طاقتهم لمجابهتها بكثير من التصميم، والصبر، والأمل. وعودة اتحاد الكتاب نفسها بعد حله منذ مرحلة بدء الانقلاب ترافقت بنضالات موثقة للكتاب الحريصين على وجوده حتى يعود حقهم غير منقوص. ذلك بوصف أن اتحادهم منظمة مجتمع مدني نوعية، ومن واجبها أن تظل نشطة في برامجها، وأهدافها النبيلة، ووجودها الفاعل لرعاية الإبداع، والمبدعين، فضلا عن تمثيل البلاد في المحافل الخارجية، وتكريم ضيوف البلاد من المبدعين في الإقليم.

في مقالتنا السابقة أشرنا إلى كيف أن معاداة الابداع أمر مرتبط بالإسلاميين الذين لا شأن لهم به إلا احتقاره. وهذا القرار الجديد بحل الاتحاد إنما جاء ضمن الاحتقار العام لجهد المكونات السودانية التي عجزت سلطة الإسلام السياسي عن مجاراتها بإبداع يبذله مبدعو الحركة - إن وجدوا. وما دام أن هناك فقرا إبداعيا في أجهزة الدولة الثقافية التي يسيطر عليها إسلاميون، وأن هناك عجزا في إنتاج الفنون عند بيئة الحركة الإسلامية، ووجود كتاب مميزين يجدون التقدير، والقبول، فإن تعطيل نشاط الاتحاد أملته إخفاقات الكيانات الموازية التي خلقتها السلطة في استقطاب المبدعين من الفنانين، والكتاب. وربما سبب حراك الاتحاد في السنوات الأخيرة حسدا لدى أفراد نافذين في السلطة، وسعوا إلى إغلاقه بالضبة، والمفتاح، ما دام أنه لا يساعد في تزييف الوعي، والحقائق، كما تفعل وسائل الإعلام.

إن سجل اتحاد الكتاب التاريخي الذي ضم كل المنتمين إلى تيارات الثقافة السودانية حافل بالعديد من البرامج الثقافية، والاصدارات، وتكريم الرموز الإبداعية. أما مؤسسوه، وأعضاؤه، فهم من أكثر الناس التزاما بقضايا الوطن، وتطوير المواعين الثقافية، وترقية الإحساس بالفنون كافة. وكذلك ظلوا يتخذون مواقف قوية من خلال قناعاتهم السياسية، والايدلوجية التي يسمحوا أن يدجنوا بها نشاط الاتحاد لصالح تطلعات أيديولوجية. ويقول الاستاذ كمال الجزولي إن "أول جهد لتأسيس "الاتحاد" هو الذي وقع ما بين عامي 1985-1986م لقد بذل ذلك الجهد الاول ما بين عامي 1974-1976 من خلال صالون الندوة الادبية بمنزل المرحوم القاص، والناقد، والباحث، عبد الله حامد الامين بأم درمان، حيث جرى التفاكر بين لفيف من الكتاب آنذاك لإنشاء تنظيم لهم، وتم اختيار لجنة تمهيدية برئاسة المرحوم الشاعر محمد المهدي المجذوب، ضمت كلاً من المرحوم عبد الله حامد الامين، والشاعر النور عثمان ابكر، والروائي أبو بكر خالد، وشخصي، وآخرين، وأوكل إليها وضع دستور للتنظيم، وإنجاز المهام التأسيسية الاولية، غير أن عوامل كثيرة تضافرت لتقطع للأسف مواصلة ذلك العمل الجليل، على رأسها وفاة المرحوم عبد الله حامد الامين، واضمحلال الندوة الادبية، علاوة على كثرة استرابة النظام السياسي آنذاك في ذلك الجهد، وسعيه الحثيث لإعاقته أو لاحتوائه على الأقل، ثم أعقب ذلك رحيل أبو بكر خالد، ورحيل المجذوب، وهجرة النور، وتفرق شمل ذلك النفر من الكتاب..".

ولكن حين استقرت اجواء الديموقراطية بعد سقوط سلطة مايو عاد الاتحاد إلى تطوير برامجه، وأهدافه، وتوسيع عضويته، ولقد تمكن الحريصون على استمرار وجوده في الحصول على دار جنوب قاعة الصداقة. ومثل المكان ملتقى للأدباء، والكتاب، وأقيمت فيها نشاطات ثقافية متعددة، كما استضافت الدار عددا من رموز الثقافة العربية، والإقليمية، والعالمية، أمثال محمود درويش، ومظفر النواب، والشاعر السوفيتي المعروف يوفتشنكو. واستضاف الاتحاد في أمسية جميلة أدارها الشاعر فضيلي جماع الطيب صالح. وأذكر أنها كانت محاكمة أدبية رافع فيها الشاعر محمد المكي إبراهيم أمام اتهامات الشاعر مصطفى عوض الله بشارة. كذلك شهدت الفترة القصيرة التي عاد فيها الاتحاد إلى دائرة الضوء إنجازات كبيرة بقيادة البروفيسور يوسف فضل الذي صار رئيساً للاتحاد، والشاعر الدكتور تاج السر الحسن نائبا له، وقدم الاتحاد أمثلة موحية في كيفية إحداث التنوع الإيجابي في قيادته ولجنته التنفيذية.

لقد أشار الامين العام للاتحاد عثمان شنقر في حديثه مع صحيفة "التغيير الإليكترونية" إلى أنهم بصدد مخاطبة الأمين العام لوزارة الثقافة بمذكرة لاستئناف قرارها. وقال "هذه أولي خطواتنا وحال فشل هذه الخطوة سنسلم الطعن القانوني لوزير الثقافة"، وأوضح أنهم شرعوا في الخيار الاول، مؤكداً تصعيدهم للقضية إعلاميا، وقانونيا، بالداخل، والخارج، بالتنسيق مع المؤسسات العالمية، والاقليمية، المشابهة.

أيا كان مستوى المردود من هذه الخطوات القانونية التي أشار إليها الأستاذ شنقر فإن استراتيجية السلطة قد وطدت أمرها منذ مجيئها في معاداة الرأي الاخر. فهي لا تريد إلا سماع وجهة النظر التي تدعم مشروعها الإسلاموي، مثلما أن أهم أولوياتها الأساسية أصلا محاصرة المبدعين الذين لا ينتمون إليها بمظنة أن مردودهم يشكل حائط صد أمام رغبات تدجين المنتج الثقافي السوداني إسلامويا.

ومن حق الزملاء الكرام أن يعربوا عن آمالهم في أن إجراءات مقاضاتهم ستأتي بأكلها ما استوثقوا أن هناك قضاء يحقق العدالة التي تكفل للاتحاد عودته، واستئناف نشاطه. ولعل هذا التوجه الذي استقر عليه رأي اللجنة التنفيذية هو نوع من إعلاء الجدل بشأن القضية داخليا، وخارجيا، عبر التناول الإعلامي الذي يحرج السلطة فوق الاحراجات الكثيرة التي كشفت انحطاطها السياسي. وتلك التحركات القانونية استراتيجيات يستخدمها ناشطو العمل المدني في الداخل كجزء لمقاومة النظام بوسائله نفسها بصرف النظر عن قناعتهم في قدرتها علي تحقيق العدالة، أو الدفاع عن الظلم. ومهما كانت نتيجة المرافعات، والحيثيات، القانونية التي يستند عليها محامو الكتاب في مدارج القضاء فإن المطلوب أيضاً هو الاستفادة من مناخ التقاضي الذي يحفظ حيوية التناول الإعلامي المستمر للقضية في كل مراحل الاحتكام.
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1835

التعليقات
#1204228 [Hanabeeroo]
0.00/5 (0 صوت)

02-08-2015 11:18 PM
على الاتحاد السير في مراحل التقاضي حتى النهاية، لن يستجيبوا ولكن لا يهنأ لهم بال. سهر الجداد ولا نومو.

[Hanabeeroo]

#1204224 [Hanabeeroo]
0.00/5 (0 صوت)

02-08-2015 11:07 PM
شكراً الأخ صلاح على الإيضاح وأقول أن القضاء في السودان تم تدجينه وفقد نزاهته واستقلاليته الذين اشتهر بهما مما انعكس على سوء السمعة وفقدان الثقة وحتى عندما يحكم فيما يبدو أنه مخالف لتوجه السلطة، فإنما يتم ذلك بموافقة السلطة وما قضية مريم ببعيدة عن الأذهان.
على إتحاد الكتاب الذي يضم في عضويته أشهر المحامين واشجعهم أن يسلكوا طريق التقاضي والطعن والاستئناف ويجعلونه منهجاً وشرعة إلى آخر الطريق ولتكون القضية متداولة إعلامياً وألا يمر يوم دون أن يتم ذكرها ومراحل سيرها وتطورها مما يسبب صداعاً وازعاجا لهؤلاء القوم أعداء الفكر والثقافة والحرية. نعلم تماما أن لا قضاء ينصف ويرد الحق إلى أهله لأنه يأتمر بأمر الأجهزة الأمنية، حيث اتضح ذلك في قضية الخاتم عدلان التى تم رفضها عدة مرات إلى أن أعادتها محكمة الاستئناف للسماع وما أن بدأ السماع وظهر ضعف حجتهم وتناقضها حتى مع قوانين القمع واصبح المآل الذي ستنتهي إليه واضحاً، سرعان ما سحبوا الملف من أمام القاضي ولم يعرف مصيره حتى اللحظة.
لن يتم إلغاء قرار إغلاق اتحاد الكتاب ولكن سهر الجداد ولا نومو، والأستاذ كمال الجزولي وطاقمه أحسن من يجيد السهر.

[Hanabeeroo]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية



الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة