الأخبار
أخبار إقليمية
ما العمل ونيرون يعزف لحنه الجنائزي!
ما العمل ونيرون يعزف لحنه الجنائزي!
ما العمل ونيرون يعزف لحنه الجنائزي!


02-09-2015 02:32 AM
تيسير حسن إدريس

توطئة: تعتمد الحركة الثورية عمومًا على قناعتين راسختين لدى أعضائها هما (الإيمان بحتمية النصر) مهما حلكت الظروف وتكدست الصعاب و (الاستعداد الدائم والمطلق للتضحية) مهما غلت.

(1)
مع الوقت تزيد تعقيدات المشهد السياسي السوداني، ويزداد التوتر بين القوى المعارضة والنظام الحاكم، نتيجة سوء سياسته، وإمعانه في إذلال الشعب. وفي هذه الأجواء من القنوط واليأس يعلو صوت القوى المعارضة التي تؤمن بضرورة حمل السلاح، واستخدام العنف كوسيلة ناجعة لحسم صلفه، بينما تتسع الهوة بين قيادات الأحزاب المؤمنة بالتغيير السلمي وجماهيرها التي ملت المماحكات السياسية، وترى تجاهل النظام لمعاناتها اليومية، وعدم اكتراثه لمبادرات الحل السلمي المطروحة.

(2)
الفتق بين قيادة وقواعد القوى المعارضة يتسع باضطراد، يساعد في هذا الاتساع ، وفقدان الثقة في الحوار والعملية السياسية ، إصرار النظام على قيام انتخابات مشكوك في نزاهتها، ومعلومة النتائج سلفا، بالإضافة لتشدده في التعامل مع القيادات السياسية الداعمة لمشروع التغيير السلمي، فبعد أن دفع بالإمام الصادق المهدي للمنفى، ها هو يستمر في اعتقال المناضلين فاروق أبو عيسى، وأمين مكي مدني، مصرا على محاكمتهما دون وجه جرم، غير مكترث بالمناشدات الإقليمية والدولية المطالبة بإطلاق سراحهما، والمتابع لسياسات النظام الإسلاموي منذ أكثر من ربع قرن يلحظ بوضوح اعتماده الدائم على المعالجات الأمنية والحربية في حل قضايا السودان السياسية.

(3)
لم يستطع النظام طول فترة حكمه مغادرة مربع السطو على السلطة، فظل أسيرَ منطق عصابات النهب المسلح، رغم الفرص الكثيرة التي لاحت أمامه لتغيير سلوكه، والتحول من عصابة مجرمة احتلت الوطن بقوة السلاح إلى نظام حكم حضاري، فأضاع بحمق كافة المخارج الآمنة التي توفرت، واختار المضي برعونة في طريق الخراب، مغردا خارج سرب وإيقاع العصر، مقدما الدليل على صحة مقولة (فاقد الشيء لا يعطيه)، لينفصل جنوب الوطن ويرحل بأهلة وثرواته، مبتعدا عن سخف السياسات العنصرية، ورغم هذه الخسارة لم يتعظ النظام، ومضي مشعلا نار الفتن والحروب على طول الوطن وعرضه، حاشرا نفسه وسلطته في جحر ضب، وليته بعد كل ذلك ادَّكر، أو راجع نهجه العاثر، هيهات فقد ظل على ضلاله يظعن ظعنا بعقلية (نيرون)، يعزف لحن استكمال الحريق وإشعال الخرطوم نفسها.

(4)
من العسير على المرء في هذه المرحلة أن يناقش الشباب حول طبيعة الأزمة الوطنية، وطرق حلها، ولا يجده منحازا لخيار حمل السلاح، فقد وصل الإحباطُ واليأسُ بالجميع مرحلة خطيرة، باتت تهدد كيان الدولة ووجودها، والصراع السياسي في السودان غدا على شفا تحول جذري مخيف، من صراع لا تناحري يستطيع أن يقبل فيه الخصم السياسي خصمه، وفق برنامج حد أدنى، يحفظ كيان الدولة، وكرامة الإنسان لصراع تناحري بامتياز، لا فكاك من دائرة شره إلا بقضاء أحد الأطراف على الآخر، قضاء مبرما، وحلم أطياف المعارضة الذي كان ينحصر في تحقيق العدالة، ومحاكمة الجناة ، انتقل نقلة مفزعة لآخر هو أقرب للكابوس منه للحلم لا يرى حلاًّ إلا في نصب المشانق، وأخذ الحق عنوة باليدِ، عوضا عن مماحكات المحاكم والقوانين.

(5)
ومهما جادل المرء، وحاول تهدئة الخواطر العكرة التي اشتمت رائحة الدم، ووَضَع المبررات، وذكره بالتجارب المرَّة للشعوب من حولنا، وكيف أن ثوراتها المسلحة قد تحولت لفوضى عارمة، قوضت أركان الدولة عوضا عن بنائها، إلا أن شريحة مقدرة من الشباب تظل متمسكة بقناعة أن عهر المرحلة (الإخوانية) في السودان لن يطهر رجسها، ويقطع دابرها غير الدم، وهكذا يجد عقلاء المدينة، ودعاة الحلول السلمية، أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، محشورين بين سندان سياسات النظام الاقصائية الخرقاء، ومطرقة قطاعات عريضة من المعارضة المطالبة بثاراتها، ودماء شهدائها التي أريقت سمبلة.

(6)
يدعم مشروعية هذه المواقف المتشددة ما يراه الناس من استهتار النظام بكافة العروض السلمية التي طرحتها عليه أحزاب المعارضة، واهتمامه فقط بالمعارضة المسلحة واتجاهه لعقد صفقات ثنائية مع أطرافها؛ بهدف إضعافها، وتشتيت شملها ليس إلا، فالنظام الذي أسكرته السلطة المطلقة يراكم الغبن والأحقاد في النفوس بسياساته الرعناء ولغة خطابه البذيء ، ويلعب بالنار، ولا أظنه يستبين النصح إلا ضحى المتاريس، والساحات عامرة بالجماهير، والمشانق منصوبة للنيل من رقابٍ أثقلها الشحم، وأوداج انتفخت بمال السحت، وحينها فقط سيعلم الذي ظلم أي منقلب ينقلب، فالرهان على سلمية الشعب وصبره إلى ما لا نهاية، كان دوما هو الخطوة الأولى في الطريق المفضي لمقبرة الطغاة.

(7)
ما العمل والوقت في نفاذ، ولم يعد في مقدور أحدٍ السيطرةَ على أطروحة العنف التي تفشت أوساط الشباب ، الباحث عن حلول جذرية للأزمة الوطنية، فالشعور بالمهانة من جانب، وعسر الأوضاع الاقتصادية، وضبابية المستقبل من جانب آخر، جعل عملية ضبط إيقاع نضال الشباب ضد النظام المتغطرس، وأمر إقناعه بالسير في طريق النضال السلمي، مسألة شبه مستحيلة، وأكثر التحاليل السياسية تفاؤلا تشير إلى أن مستقبل الصراع السياسي على كف عفريت، ومن المرجَّح أن يؤدي لتمزيق ما تبقى من البلاد، حالما ارتفع السلاح داخل المدن السودانية الكبرى.

(8)
في ظل انتشار الجماعات المسلحة على أساس قبلي وجهوي، وهشاشة مؤسسة الجيش التي أفرغت من الكفاءات المهنية، وتغيرت عقيدتها القتالية، وفي ظل وجود أجهزة أمنية منحازة بالكامل لصف النظام، وتحولت وظيفتها من حفظ سلامة الوطن وأمن المواطن إلى حماية النظام، ومنسوبيه من أعضاء الحركة الإسلامية، يتعذر التنبؤ بنتائج ايجابية لأي انتفاضة شعبية مسلحة، ويبدو أمر سيرها على طريق الدمار الذي سارت عليه، ولا تزال التجربة الليبية والسورية ومن قبلهما الصومالية هو المنطقي.
(9)
قد يبدو خيار تبني الانتفاضة الشعبية المحمية هو الأكثر واقعية، في مجتمع متعدد الأعراق والثقافات مثل السودان، ولكن الإعداد لها بحاجة لجهد كبير واتفاقات ملزمة بين أطياف المعارضة السلمية، وتلكم المسلحة، فمن الضروري التأكد من قدرة القيادة السياسية على السيطرة على القيادات العسكرية الميدانية، وتقديم الضمانات الكافية على ذلك، وإلا فتبنيها يعتبر مجازفة قد تقود للانفلات، وسيطرة بعض القيادات الميدانية المغامرة على زمام الأمر، وحرف الانتفاضة عن المسار الثوري القويم، مما قد يتسبب في اندلاع حرب أهلية ضروس، أو على الأقل في إعادة إنتاج الأزمة الوطنية من جديد بخلق نظام دكتاتوري ، أكثر بشاعة، قائم على الثأر بمزاجية تغيب القانون.

(10)
لم يعرف السودانُ في تاريخه الحديث نظامَ حكمٍ نال كل هذا النصيب من البغض والكراهية، وعلى الرغم من أن السودان قد حكم من قبل بنظامين دكتاتوريين، إلا أن مناسيب الغبن الاجتماعي المتراكم في النفوس تشير لارتفاع معدلاته خلال فترة حكم النظام الحالي بنسبة فاقت مثيلاتها عدة مرات، فقد ظلت سياساتُ النظام الإسلاموي ونهجه على الدوام مشروع بغض مستفز، ومحفز على الكراهية، الشيء الذي أعطى المبرر لقطاع عريض من الجماهير لتبني العنف كوسيلة من وسائل التغيير، والإصرار على المحاسبة، والقصاص، بعد أن طرد بطش النظام وعسفه فضيلة التسامح من النفوس، فالغفران في الأصل صفة ربانية يجاهد بعض خيار البشر للانعتاق والسير على محجتها البيضاء، تقربا لله زلفا، بَيْدَ أن طريقها وعرٌ، ومسالكها عصيةٌ، ومنالها مستعصمٌ بالبعد عن كثير ممن ظُلم، ولا تثريب عليه.
الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 07/02/2015م




تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1953

التعليقات
#1204389 [وردنقيل]
5.00/5 (2 صوت)

02-09-2015 08:57 AM
والله لغة الموضوع اشد انجذابا من الموضوع نفسه لك التحية

[وردنقيل]

#1204275 [الحاقد]
5.00/5 (2 صوت)

02-09-2015 03:40 AM
لك جزيل الشكر علي هذا المقال الراقي و الرائع موضعا و اسلوبا ولغة و العميق فهما و قراءة و تحليلا. لذلك نرجو منك عدم الانقطاع عن الكتابة في هذا الزمن الذي يعتبر فيه امثالك عملة نادرة.

[الحاقد]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة