الأخبار
أخبار إقليمية
كلمات عن الأستاذ يوسف فضل حسن يوم تكريمه ومنحه جائزة العز بن عبد السلام.
كلمات عن الأستاذ يوسف فضل حسن يوم تكريمه ومنحه جائزة العز بن عبد السلام.



02-09-2015 11:43 AM
بقلم: د. حسن عابدين

بسم لله الرحمن الرحيم

الأستاذ يوسف فضل أستاذ جيل.. جيلي أنا.. جيل ما بعد استقلال السودان.
جلسنا نحن ثلةُ مبتدئة من طلاب جامعة الخرطوم ( برالمه(عــام1959 بين يديه أول عهده بالتدريس الجامعي والبحث العلمي، يعلمنا ما لم نك نعلم عن دخول العرب السودان وعن انتشار الاسلام فيه وعن استعرابه وعروبته.
استل الأستاذ تلك المحاضرات من ثنايا بحثه المميز الممتاز لدرجة الدكتوراة في جامعة لندن والذي صاغه فيما بعد كتاباً ما برح - إلى يومنا هذا - هو المرجع الموثوق به مادة ومنهجاً في الموضوع عنوانه بالإنجليزية "The Arabs of the Sudan" طبع ونشر عام 1967 وترجم فيما بعد للعربية وأعيد طبعه أربع مرات خلال عشر سنوات.
تلك كانت أول افضال يوسف فضل عليَّ وعلي زملائي من طلابه الاوائل وأذكر منهم على سبيل المثال من صار زميلاً له فيما بعد في البحث والتدريس عن تاريخ السودان وأفريقيا: عبد لله علي ابراهيم، سيد حامد حريز، محاسن حاج الصافي وميمونة ميرغني حمزة وشخصي وآخرين وأخريات من بعدنا.
تعلمنا بين يدي أستاذنا يوسف أول مبتدأ وخبر عن مناهج البحث العلمي: كيف نكتب بحثاً علمياً أكاديمياً.. طلب مني ذاك العام أن أقرأ وألخص كتاب المسعودي "مروج الذهب ومعادن الجوهر" وهو كتاب جامع ضخم في التاريخ والجغرافيا: تهيبت التكليف للوهلة الأولى وأفزعني حجم الكتاب وأسلوب الكاتب فقلت لأستاذي "معقول يا دكتور أنا اقرأ الكتاب ده كله وألخصه كمان..؟" فقال لي" لن تتعلم طرق البحث العلمي إلا بالمثابرة في القراءة والصبر على مشاق التحصيل وتحري الدقة والموضوعية حول كل صغيرة كبيرة ...تقرأ مئات الصفحات لتظفر ربما بنذر يسير وذرات قليلة من الحقائق والمعلومات التاريخية..! "
لن أثقل عليكم بتلاوة تفاصيل سيرة الأستاذ يوسف فضل الاكاديمية وهي بين أيديكم
جاءت في خمسة عشر صفحة فضلاً عن أن الوقت المسموح لي به لا يسع فقرات متنها وحواشيها. وأظن أن أمامكم أيضا كتاباً مفيداً عن الأستاذ خطه عدد من طلابه الأوفياء وزملائه أذكر منهم الدكاترة عبد لله علي إبراهيم وحسن مكي وأحمد إبراهيم أبوشوك وآخرين غفلت ذاكرتي هذه اللحظة عنهم فمعذرة.
لكن قلت لا بأس أن أوجز لكم هذه السيرة في أرقام ونحن نعيش العصر الرقمي -
أضيفه أنا كدارس تأريخ إلى مسميات العصور الاخرى القديم والوسيط والحديث ثم الرقمي" Digital Age" وسوف أضيف إلى هذا الإحصاء هوامش وحواشي على متن سيرة أستاذي يوسف.
* كتب يوسف فضل وألف ستة عشر كتاباً باللغة العربية عن تاريخ السودان والتاريخ الافريقي جعلت من تاريخنا وثقافاتنا وحضاراتنا جزءا لا يتجزأ من التاريخ الافريقي. كما كتب ثمان كتب بالإنجليزية في ذات المحور(السودان وافريقيا) .
*كما كتب 42 ورقة علمية بالإنجليزية و27 أخرى بالعربية قرأها في المؤتمرات والندوات
العالمية والمحلية ونشر معظمها في المجلات والدوريات العلمية المحكمة.
* للأستاذ يوسف كتابان مهمان تحت الاعداد والطبع هما:
- تحقيق مخطوطة كاتب الشونه( أحمد بن الحاج علي ) عن تاريخ ملوك سنار
- وكتاب ثان: السودان في محيطه الدولي والافريقي.
* زار الاستاذ يوسف فضل للمشاركة في هذه المؤتمرات والندوات 52 دولة في أربع قارات - باستثناء استراليا- (ربما أكثر من أي وزير خارجية) وتحدِّث عن تاريخ السودان وحضاراته وعن أفريقانية السودان: شعوبه وتقاليده وتراثه وتنوعه.. وأحسب أن هذا ما نطلق عليه اليوم الديبلوماسية الثقافية "Cultural Diplomacy" التي بشّر بها الرواد الأوائل وحداتها من كبار الديبلوماسيين السودانيين: جمال محمد أحمد و بشير البكري رحمهما لله والدكتــور منصور خالـد حفظه لله وعافاه.
* لكنني أضيف لمتن هذه السيرة الاكاديمية للأستاذ يوسف فضل ما سقط منها ربما سهواً(ونحن نتحدث عن السودان وإفريقيا في كتاباته وأبحاثه) مشاركته في هيئة تحريــــر " موسوعة التأريخ الإفريقي " التي أصدرتها منظمة اليونسكو العالمية خلال العقدين السادس والسابع من القرن الماضي و هي موسوعة في عشرة مجلدات صدرت بثلاثة لغـات الانجليزية والفـرنسية والعربية عنوانها الإنجليزي "The General History of Africa"
* ثم أضيف إليها بحثاً آخر غفل عنه متن السيرة هو من أميز وأفضل ما كتب أستاذنا من حيث الموضوع والمصادر والمنهجية بعنوان: " نحو منهج علمي لكتابة التاريخ "
يجيب البحث مُجَدَدَا على أسئلة تأريخية عن التأريخ - إن صح التعبير- لماذا نكتب التأريخ ومن يكتبه ولمن يكتب وكيف يكتب؟
ظلت الدعوة لإعادة كتابة تأريخ السودان – وخاصة التأريخ الحديث والمعاصر – تتردد وتتكرر منذ الاستقلال والى يومنا هذا...وهي دعوة لا تخلو من افتراض وادعاء بأن كل ما كتب الأجانب عن السودان غير صحيح ويحتاج للتصويب والتصحيح وإعادة النظر ولكن نسى هؤلاء أو ربما لم يعلموا ولم يقرأوا أن جيلاً كاملاً من الاساتذة والاكاديميين السودانيين (منهم أستاذنا المحتفى به) كتبوا وألفوا وصححوا وما استبقوا شيئا من التصحيح والتفسير والإضافة نذكر منهم على عجل: الأساتذة مكي شبيكة، محمد إبراهيم أبو سليم، محمد سعيد القدال، حسن أحمد إبراهيم، محمد عمر بشير، فدوى عبد الرحمن علي طه ..وأساتذة العلم التوأم للتاريخ المعاصر – العلوم السياسية – مدثر عبد الرحيم و جعفر محمد علي بخيت والجيل الثاني من تلاميذ وطلاب هؤلاء وأولئك و هم كثر.. ثم مئات رسائل الدكتوراة والماجستير غير المنشورة عن تأريخ السودان.
لكن إن كانت الدعوة لإعادة كتابة التاريخ تستبطن تضخيم الذات الوطنية وتحوير الحقائق واصطناع البطولات وصناعة الأبطال فليس هذا من التأريخ في شئ، وإنما هو تسيس للتأريخ ليوائم الحاضر والمستقبل بدلاً عن الاستفادة من دروسه وعبره في النظر الى الحاضر والمستقبل وقد أشار الدكتور يوسف في ورقته عن كتابة التأريخ الى الهوى والغرض الذي يعتري نفوس بعض السياسيين وهم ينادون بإعادة كتابة التاريخ ..ويحضرني ما قاله أحد هؤلاء السياسيين مؤخراً قولاً أطلقه على عواهنه بان ثورة الإنقاذ هي النسخة الثانية للثورة المهدية يريد بذلك المدح والثناء.. لكن قد يرى المؤرخ أنه المدح بما يشبه الذم أو الذم بما يشبه المدح.
و إنني كلما سمعت نداء كتابة التأريخ تحسست المنهج العلمي في الكتابة التأريخية وهو جوهر و لب ما كتب أستاذنا يوسف في هذا البحث.
* وأخيراً مما لم يرد في سيرة الاستاذ يوسف فضل: الجانب الإنساني والاجتماعي أشير اليه في هوامش عابرة على المتن:
- لم يُعرف عنه أي انتماء سياسي أو أيدولوجي أو حزبي أو أية خصومات أو منازعات أو مكايدات وكلها وغيرها من أدواء وعلل بعض أفراد النخبة السودانية.. نشأ يوسف وشب وشاب على الوسطية في الفكر وعلى منهج التفكير المستقل مما أورثه الاتزان والموضوعية والمصداقية – كأكاديمي – وكل هذه من شيم وسيماء العلماء.
- و أعلم أنه عندما كان مديراً للجامعة الإسلامية عامي 1984 و1985 طلب منه الانضمام إلى فريق من العلماء لاستتابة الأستاذ محمود محمد طه – رحمه لله – فاعتذر يوسف ولم يشارك.
- ولما تم فصل كوكبة من خيرة أساتذة جامعة الخرطوم عام 1970 بتهمة الرجعية والثورة المضادة لثورة مايو- الحمراء آنذاك- كاد الفصل يطال الدكتور يوسف فضل لولا أن أحد عقلاء تلك الأيام الحمراء (وهم قلة) شفع له بشطب أسمه من القائمة وقال لهم " يوسف فضل دا بتاع سينما وليس بتاع سياسة " و أكد لي يوسف مؤخراً أنه فعلا كان بتاع سينما ومن روادها منذ أيامه الدراسية في لندن!
اصطحبني أستاذي عام 1976 وكنت حينها زميلاً له في تدريس التأريخ الافريقي بمعهد الدراسات الافريقية (استعارني – إن صح التعبير – من شعبة التأريخ) في زيارته القصيرة لإمارة الشارقة للقاء شيخها وحاكمها الدكتور سلطان بن محمد القاسمي نسأله مالاً لتشييد هذه القاعة التي نجلس فيها الآن... ألفينا الشيخ أجوادا سخيًا وعدَ وصدقَ وعده فكانت هذه القاعة.
ولكن لمّا اقترح عليه يوسف أن نطلق اسمه على القاعة فنسميها قاعة السلطان القاسمي أبى الشيخ وتأبى وقال لا تسموها بإسمي بل قولوا قاعة الشارقة وهكذا كان القاسمي على غير ما عليه حكام وسلاطين زماننا هذا يسمون كل شئ بأسمائهم وينسبون كل فضل اليهم!
- وهامش شخصي أخير طريف عن بر أستاذي بي فقد اصطحبني معه لأول مؤتمر عالمي للدراسات الإفريقية عقد بعاصمة الديبلوماسية الإفريقية( أديس أبابا) في يوليو1974( وردت
إشارة هامة لهذا المؤتمر في متن السيرة) اصطف رؤساء وأعضاء الوفود في ذلك المؤتمر لتحية ومصافحة الامبراطور هيلاسلاسي (نجاشي زمانه) في بهو قصره المنيف. ولما تقدم أستاذي يوسف وهو ينحني انحناءة وقورة لمصافحة الامبراطور تعثرت خطاه وكاد يسقط فوق جسد الامبراطور - وقد كان يومها كهلاً نحيلاً قصير القامة- إلا أنني أدركت يوسف قبل الوقعة، أو الواقعة، و سندته فاستقام وصافح و سلم النجاشي. ولكنه لم يسلم بعد شهرين من دبابات الانقلاب ورماح العسكر فمات غيلة وغدراً ملوماً محسوراً.. وقيل في رواية أخرى أنه قتل في محبسه بقبو في قصره!
كتمت سر هذا الواقعة تحاشياً للمن والأذى حتى أذن لي قبل أيام وأنا أعد هذا الخطاب بالبوح والافصاح من باب مداعبة صديق لصديقه بالرغم من أن الكتوف لم تتلاحق وإن لحقتُه شيباً ومشيباً .. قال عروة بن الورد:
فما شاب رأسي من سـنين تتابعت *** طــوالا ولكن شيبته الوقائــع
وختاما لا يكتمل هذا المتن الغني وهذه السيرة العطرة الا بإضافة اسم وعنوان: ليس اسم كتاب او مؤلف ولا هو عنوان دراسة أو بحث إنما هو اسم زوجته الوحيدة توحيدة رفيقة الدرب الطويل والعشرة الجميلة.. عنوانها الدكتورة توحيده حضره أستاذة اللغة الانجليزية بجامعة الخرطوم.
نسأل لله لها ولأستاذنا ولأسرتهما دوام العافية والتوفيق وهنيئا لهم بهذا التكريم والوفاء.
+++
د.حسن عابدين
استاذ التاريخ الافريقي بجامعة الخرطوم( ســابقاً)
[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2426

التعليقات
#1205532 [ابوماجد]
0.00/5 (0 صوت)

02-10-2015 03:57 PM
نعم اتحفونا دوما بخلاصة علماء السودان امثال الذين تعرفنا عليهم عبر هذه الاحتفائية النيرة جزيتم خيرا لما قدمتموه للسودان واهله.

[ابوماجد]

#1204933 [nagatabuzaid]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2015 09:41 PM
عسى ان يكون سردك العظيم عن القامة ديوسف فضل درسا واستنارة لجيل السنوات العجاف الذين لا يعرفون عظماء بلادهم وحصروا ذاكرتهم وثقافتهم فى جماعة هبل واللات والعزى
متعكم والاستاذ يوسف فضل بالصحة والعافية وكل العظماء الذين رفعوا اسم السودان عاليا فى المحافل الدولية . تعكس سطورك بعض المرارات التى يحسها من يتعمق فى مقالك هذا . لكم الشكر على عرض سيرة استاذنا العظيم يوسف فضل الذى تتلمذت عليه من خلال كتبه ولم احظى بالتتلمذ عليه شخصيا هذا التكريم صادف اهله

[nagatabuzaid]

#1204807 [آن الأوان]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2015 04:54 PM
هل الاستاذ يوسف فضل كان مدير جامعة الخرطوم في العام 1978 م تقريباً ..

[آن الأوان]

#1204764 [المرفعين السارح بالغنم]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2015 03:57 PM
قابلته مره في مكان عام ... رجل في قمة التواضع و التهذيب
اطال الله عمرك يا بروف

[المرفعين السارح بالغنم]

#1204722 [Ema]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2015 03:02 PM
تكريم صادف أهله لهم ولكم التحية والتجلة والاحترام
سعدت بحضور التكريم وسعدت بسماع كل الحديث الطيب عن هذا العالم الجليل

[Ema]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة