الأخبار
أخبار إقليمية
شياطين الحب وأشياء أخرى !
شياطين الحب وأشياء أخرى !
شياطين الحب وأشياء أخرى !


02-15-2015 10:58 AM
عماد البليك

في فيديو مصغر عمل على إنتاجه شباب من السودان يظهر أكثر من شاب أو شابة وهم يجرون اتصالا هاتفيا بذويهم، الأمهات تحديدا ليعبروا بشكل مباشر عن حبهم بكلمة أو عبارة واحدة هي "بحبك يا يمه". ولنا أن نرى كيف كانت ردة الأفعال ما بين التصديق والدهشة والاستغراب أو الصمت اللحظي.. والردود غير المتماهية مع الفكرة، مثل قول أحد الأمهات "في شنو يا ولدي!".. أو "داير شنو؟".. "أنت جنيت؟".. وغيرها.. إن لم تكن حسبته سكرانا، مسطولا، أو خارج تاريخ الوعي في هذه اللحظة. والتفسير الأقرب هو أن يمهد لطلب عظيم.

أراد منتجو هذا الشريط المصغر أن يظهروا لنا واحدة من الإشكالات المتجذرة عندنا في فكرتنا عن الحب وغيابه عن حياتنا حتى مع أقرب الناس إلينا، وإذا كان الوضع في الماضي جيدا فإن الحياة الجديدة الأكثر تعقيدا وإرباكا من حيث مشكلات المعاش اليومي والضغوط الاقتصادية، حولت أي تفكير في هذا الشيء المسمى بالحب نوعا من العبث.. فالحب بات هو المنفعة المؤقتة أو الفائدة المادية المباشرة أو المتعة بكافة الأشكال.. وسوى ذلك ليس إلا ضجيجا تصدره براميل فارغة، أو لحظات يقضيها شباب متعشطون لإرواء الذات في لحظات الانتظار الطويلة في الحياة وهم في مدرجات الدرس أو الشوارع الخفية من المدن أو المعلنة أو في المواصلات العامة وداخل ساحات الفيسبوك والماسنجر والمتصفحات الذكية وهم يتطلعون للمستقبل المجهول.

فالحب في أبسط صوره كغريزة إنسانية مرتبطة بالبقاء تمارسها حتى الحيوانات في الشعور بالخوف والرغبة في الاحتماء من ويلات الطبيعة أو الاستنفار الجماعي لهدف معين.. بات مهددا اليوم.. لدرجة أن أمّا تستغرب أن تقال لها هذه الكلمة.. قد يكون ذلك ظاهر الصورة أو إجابة مؤقتة عن ما يجري واقعيا.. إلا ما رحم ربي. لكن هناك أيضا أسبابا مستبطنة ومتوارثة تربط كلمة "الحب" أساسا بالعيب في الثقافة السودانية.. وقد تغير الأمر بعض الشيء لدى الأجيال الجديدة.. لكن ما زال أثر الأمس قائما في تلافيف التقاطع ما بين الأجيال.. كما أن المسألة لم تحسم لصالح خيار الوعي الإنساني بفكرة الحب كمضاد للكراهية والأنانية والصفات السلبية التي تدمر طاقة الكائن على الانتماء السليم لهذا العالم.

وهنا يتبادر للذهن استفهام حول طاقة الحب الكبيرة المبذولة في الأغاني والأشعار السودانية، من لدن الحقيبة وإلى الزمن الراهن، فثمة تراث مهول جدا في هذا الباب يصعب حصره.. يعكس ظاهره تجذر الحب كمضمون وكمعنى في حين أن الصورة الخارجية والمرئية هي العكس تماما فنحن أمام متخيلات وربما أشواق وصور ذهنية لم تصل إلى مستوى التغلغل لتكون ممارسات وتطبيقات في الواقع الحياتي اليومي.. أو لنقل إنها تلهفات وظنون في تجارب مدونة ذات طابع يتسم بالايروتيكية التي تعني كتابة مرتبطة بالجسد أو نصوص تعبر عن التواصل بين الجنسين أو غيرها من المعاني التي تصور لنا التحرر الشكلاني في فعل الحب ولا تنفذ إلى أعماق التجربة العميقة. وهذا لا يعني أن كل شعر الغناء السوداني هو في هذا الاتجاه، لكن المعني أن هناك أغنيات كثيرة صيغت أو قيلت دون أدنى تجربة ذات ملمح عاطفي وجياش أو هي لم تشهد تجربة واقعية من صاحبها فهي مصاغة في حدود الخيال أو أيضا على الضفة الثانية هناك من عاشوا ذلك وعبروا عنه وافتقدوا للعمق لأن الخوف والتابو الاجتماعي يهيمن حتى على المخيلة والذهن. ويتطلب الأمر باحثا دقيقا ليعمل على هذا الفرز بشكل يميز الغث من السمين في الشعر الغنائي المتعلق بكيمياء الحب وشياطينه.

تعيدني كلمة "شياطين الحب" إلى المجموعة القصصية الشهيرة التي كتبها الكاتب الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز والتي تحمل عنوان "الحب وشياطين أخرى".. فالحب هو ليس كل شيء.. فثمة ما وراءه من الأشقاء الشياطين الذين يكون علينا اكتشافهم؛ من الأحزان وربما الأفراح وحتى حالات صلب النفس والانتحار البدني والتيه الأرضي والصيام وعدم القدرة على الكلام وغيرها من الأشكال التي تتجلى بالبعد الملموس أو الأبعاد الخفية في ممارسات الحياة التي تفقد جاذبيتها أو يحدث ما سوى ذلك من التألق والانفتاح.

لكن طاقة الحب.. كمفردة هي كتاب مفتوح على الأثر الكوني، يصعب حصر التجليات التي تأتي عليها أو المساحات التي تتحرك فيها ما بين الكون الكبير والذات المصغرة له، ما بين حب الله وحب النبي وحب الأمهات والآباء.. ما بين الحبيبة بصورتها المنهجية الكلاسيكية وما بين الحب الحداثوي الذي يرتسم على حدود المقاهي والمساءات وشوارع الليل.. وهذا يفتح أيضا لغزا أو استفهاما حول تاريخ الحب في السودان.. أي باحث في علم الاجتماع أو الجمال وقف ليتأمل تاريخية هذا الشيء.. كيف يتبلور ويتشكل ويتصاعد أو يختفي ويربط ذلك بالسياقات الاجتماعية الكلية وحراك المجتمع والسياسة وانعكاسات الوضع الاقتصادي، فمن أطرف ما قرأت في الفيسبوك ليلة الفالانتاين أو عيد الحب.. أن الاستعارة تم استجرارها لتكون عيد "الغازنتاين" تعبيرا عن الأزمة المستعرة منذ شهور في الحصول على غاز الطبخ، وقد كتب أحدهم تعليقا يقول "دا عيد الحب واللا بلاش".. وأرفق رسما كاريكاتيرا فيه رجل يحمل لزوجته أنبوبة الغاز في هذا اليوم السعيد بدلا من وردة.

وهذا بالتأمل فيه من مسافات أخرى يجعل الوردة التي هي بعد مجرد تفقد طابعها وقيمتها لصالح وجنون الغاز والاقتصاد واستمرار الحياة بالقيمة المادية، وهذا واقعي لأنه أحيانا إذا لم تتوفر المادة – بل الغالب - أن كل مشروعات الحب تخضع للإجهاض لينتصر "أبولهب" الذي سوف يأتي ويخطف الحبيبة بين ليلة وضحاها.. واللعنات لن تنقذ من ذلك "الأبولهب" لأنه يهمين بماله على كل شيء.. على المشاعر والأمنيات وسيكون قادرا على صناعة الحب وفلسفته وتمديده إلى ما شاءت الأموال الطائلة التي يملكها.. تذوب الفوارق السنية والمشاعر المتباينة والكراهيات والإكراهات والعرقيات.. ليتوحد العالم بحب مزيف.. وظنون آنية.. في مقابل موت الوردة وذبولها.

ومع إطلالة ما يسمى بـ "عيد الحب" يكون لنا أن نسأل عن كيف يمكن لنا أن نعيد ابتكار الأشياء في واقعنا بعيدا عن الاجترار الذي لا ينفذ إلى عمق الأشياء في الوعي بها والتعايش معها.. لدينا تراث عظيم في هذا السحر.. وهو تراث يغوص في مساحات لامرئية في الغالب تتطلب منا إزاحة الحجب لنكون أقل حياء بالنفاذ إلى التعبير عن تواصلنا مع الجميع دون استئذان.. مع العالم بوصفنا جزء منه ومع أهل بيتنا وأقاربنا ومع كل الذي يستحق أن يسمع كلمة طيبة.. لقد أصبحت الحياة العصرية جافة ووقحة ولن ينصلح ولو قليل منها إلا بالابتسامة والنوايا الحسنة ولو لحين. بهذه الصدقات المجانية التي يمكن لنا أن نوفر بها أمولا طائلة لنشتري غازا معدوما.
[email protected]



تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 4757

التعليقات
#1209331 [Yaseen]
0.00/5 (0 صوت)

02-16-2015 09:29 AM
يمكن ان تعبر عن حبك الى امك أو أبيك بطرق مختلفه وذلك حسب عادات وتقاليد الشعوب..ففى المملكة العربيه السعوديه يقبل الابن راس ابيه وامهوهذا طبعا قمة الادب والاحترام وينادوا امهم بكلمة(امى)ووالوالد ب(يبا)وهناك شعوب تنادى بمامى وماما وباباونحن فى السودان نختلف عن الشعوب الاخرى فى كيفية التعبير وهى غير واضحه ولكن يمكن ان ترسل رسالة بالتعبير عن حبك بالاعتناء بهم وطاعتهم اما ان اتصل واقول لامى انى بحبك (فلها الحق ان تقول لك انك جنيت)لانك ممكن تقول ليها دعواتك ياوالده اوانت راضيه عنى لكن كلمة (بحبك)دى مابتاعتنا ويمكن بتناسب شعوب اخرى لكن نحن عندنا طرق اخرى للتعبير والشباب الظاهر متأثر بالفضائيات والمسسلات وغيرها

[Yaseen]

#1208836 [Reemy Mohamed]
0.00/5 (0 صوت)

02-15-2015 02:32 PM
أستاذ عماد مقال أكثر من روعة وشكرا لأن عندك الكلام انتهى بجد القيمة الحلوة حتى مع أقرب الناس لينا بقت حاجة نادرة حتى لو بس مجرد تعبير خليك من إحساس وتعبير... بس اكيد نحنا ما حنسمح للقيم الحلوة دي تضيع مننا

[Reemy Mohamed]

#1208799 [سمير الحسين / كســــــــــــلا]
0.00/5 (0 صوت)

02-15-2015 01:40 PM
نحتاج لمثل هذه الكتابة

شكرا لك

[سمير الحسين / كســــــــــــلا]

#1208795 [ابواحمد]
0.00/5 (0 صوت)

02-15-2015 01:38 PM
عزيزى عماد تطرقت لموضوع حيوى ومهم يفتح الباب للمختصين عن تفسير حالة الحب بكل اتجاهته والموسف ان كلمة الحب ارتبطت باذهاننا واذهان الكبار بما تجره الشاشه العربيه وتممته حديثامسلسلات تركياحتى اصبح ترديد كلمة حب تصنف نوع من قلة الادب متناسين حب الله ورسوله وحب الوالدين وافراد الاسرة لذلك تجد من يصنف المجتمع السودانى بالجفاف اما الحب الذى يجمع بين الشاب والفتاة ويحاط برباط من العفة اصبحنا نسمع به فى اغانى بما يسمى الزمن الجميل وليس اغانى هذا الزمن حرامى القلوب وراجل المراةواشياء لاتعرف تضحك اوتبكى لحال البلد وكما يقال لمعرفة تقدم وتطور اى امه انظر لثقافتها وفنونها..وعلى ذكر ماركيز فيمكن نصف الحالة التى نعيشهاالان بالحب فى زمن الكوليرا

[ابواحمد]

#1208792 [وائل]
0.00/5 (0 صوت)

02-15-2015 01:35 PM
حقيقه والحقيقه تقال

[وائل]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة