الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
كَذب العشاق ولو صدقوا
كَذب العشاق ولو صدقوا
كَذب العشاق ولو صدقوا


02-16-2015 08:38 AM

غادة السمان

«عيد العشاق» هو كل يوم يكون المرء فيه عاشقاً. هذا في نظري. ولكن سيباع اليوم الكثير من الورود الحمر والشوكولاتة بشكل قلب كما القلادات الماسية. إنه «عيد العشاق» في فرنسا، (يوم 14 فبراير) كما يحتفل بالعيد الكثير من الأقطار الغربية وبعض العربية. وهو أيضاً عيد للتجار الذين يبيعون للمناسبة كل ما له شكل القلب الكاريكاتوري وعيد لبعض الصحافة الشعبية التي تصدر أعداداً خاصة عن قصص الحب لأمراء وصعاليك، كما تنشر بعض الصحف الرصينة رسائل العشاق للقراء.. وعيد للمطاعم للسهر ولم لا؟
وللعشاق في الغرب مزارات، يتبادلون فيها عهود الوفاء ويقسمون على «الحب إلى الأبد»..
من تلك المزارات «بركة دي تريفي» في روما وهي بديعة الهندسة والتماثيل والنافورات، وهناك على العاشق أن يرمي بقطعتين نقديتين شرط ان يدير ظهره إلى البركة، القطعة الأولى تضمن له زيارة ثانية إلى روما الجميلة والثانية تحقق له أمنية حب! خرافات عذبة لكن النقود الكثيرة التي يرمي بها العشاق في البركة يلمها الغطاس وتذهب لريع الأعمال الخيرية، وهذا مفيد!!
أما باريس فتشهر وجهها الثري الرومانسي على العشاق وتبهرهم بجمالياتها. وتمتاز بجسورها الرومانسية البديعة على نهر السين التي وصفها الشاعر سيف الرحبي بأنها للمدينة الحلوة كالأساور.
العشاق في باريس اختاروا جسرا متقشفا ليكون قبلتهم «هو جسر الفنون» وصار اليوم يدعى «جسر العشاق» كما يعتبره المحبون انه جسر شبه خشبي بدائي يحمل اليه العشاق قفلا صغيرا (كاقفال حقيبة السفر) ويعلقونه في إفريزه المعدني بمربعاته الكثيرة الصغيرة. وعاما بعد آخر امتلأ الدرابزين المعدني البدائي بالاقفال حيث يقفل العاشقان على حبهما ليدوم إلى الأبد!
وصار الجسر الهش ثقيلا بآلاف الأقفال المعدنية وكاد يسقط بمن عليه واضطرت البلدية لمنع تلك العادة.
على الجسر، التقيت صبية عاشقة واقفة أمام أحد الأقفال باكية.. نظرت اليها بتعاطف فقالت: لقد تعاهدنا على الحب إلى الأبد.. وهو الآن مع امرأة أخرى.. قلت لها: كان صادقا حين قال لك: «ساحبك إلى الأبد»، وهو الآن صادق حين يقولها الآن للأخرى.. فالحب أكثر الأكاذيب صدقاً وفي ذلك يكمن «لغز الحب» الذي لا يثق به الأدباء والشعراء غالبا.. يقول شامفور «الحب تجارة عاصفة تنتهي غالبا بالإفلاس». ويقول أراغون «لا يوجد حب سعيد». ويقول أوسكار وايلد: كل رجل يقتل من يحب». ويقول مارسيل بروست «الحب كالنار لا يحيا إلا في حالة تأجج».
وأقول احياناً: الزمن عدو الحب وينتصر دائما. الحب يبدأ في «مركب المرح» وينتهي في «التيتانيك» الباخرة الغارقة. الحب أكثرنا يعاقره سراً ويتنصل منه علنا. الحب يبدأ حريقا في غابة وينتهي جمرة محتضرة في حقل رماد. الحب هو المرض الوحيد الذي نتمناه. الحب هو الغرق ولكن في غيمة وردية. الحب جنون جميل نفقد عقلنا اذا لم نصب به. الحب متاهة المشاعر الملتبسة يشبه العداوة أحيانا..
ونحن كعرب، شعب طاعن في الحب. وتشهد على ذلك القصائد المبدعة للشعراء منذ الجاهلية حتى اليوم، ولكن يلفتني في كتاب شعر الغزل العربي التراثي غياب صوت المرأة باستثناءات تؤكد القاعدة (ولادة بنت المستكفي مثلا)، فهل يعني ذلك ان المرأة العربية لم تعرف الحب وشعر الغزل؟ بالتأكيد لا. وأميل للاعتقاد بأن (الرقابة) من ذاتية واجتماعية لعبت دورا في التعتيم على ذلك الجانب حتى إحراقه.
ويوم أصدرت كتابي «أعلنت عليك الحب» تعرضت للهجوم ولأسئلة من نمط: إمرأة وتعلنين الحب؟ قلب ببساطة: ولماذا يحتقر الرجل ذلك والمرأة العربية لا تنقصها العاطفة؟ والكتاب اليوم في طبعته رقم 14.

الرائدة الرائعة فدوى طوقان

تقول فدوى: هناك على شاطئ كم حواك/ وكم ضم من ذكريات هواك/ تململ قلبي فوق الرمال/ يعانق ذراتها بابتهال/ويلثم فيها رسوم خطاك..
ومن دفاتر اليوم اخترت لكم قصائد حب بأقلام نساء موهوبات.
تكتب مؤلفة «مش مهم» عفيفة حلبي في إضاءة جمالية. يا خجلي. كيف لي ان أتلو صلاة المساء واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا وأنا لم استطع بعد ان أغفر لك؟

وقفة مع غزلهن

بحرية تكتب ندى عيد: «رائحة جسدك أخذتني/ كانت الرغبة نارا صامتة حتى آخر الاحتراق» وفي معانقة تقول: «بعد طول غياب عانقها /ترك أصابعه تقبل مسامها/ تمسح عن تعرجات جسدها/ تعب الرحلة ومشقة الوصول».
تكتب سوزان عليوان: «غضبي/ غيرتي/ رغبتي في كسرنا مثل كاس/لأنني أخاف، لأنني أحبك».
تكتب الدكتورة سعاد درير: «قارب التوق، بأي حال عدت يا قارب/ تعبئ بطاقات الحب بعد ان انقرضت صكوك الوفاء»..
تكتب وفاء خراج الشوفي: «حبك صرخة مكتومة/ في حنجرة الدهر/ أنا الطير العنيد/ وعشقك غيبوبة لا تنقصني… وأنت لا تتعب من تسييجي».
ولعل اجمل تعبير عن حقيقة كذب العشاق ولو صدقوا، كتابة على جدار بيروتي تراثي تقول في المربع الأول: أحبك فيرا.. وفي المربع الثاني الملاصق وبالخط ذاته: أحبك ميرا.. ولعل الذي خطها يكتب الآن على الجدار ذاته:
أحبك سارة.. أحبك ناره..
وكل نار حب وانتم بخير..
وكل قصيدة حب وأنتم تنبضون، كارتعاش حروف نيرودا الذي يقول: أحبك عن قرب جدا بحيث تصبح يدك التي على صدري يدي/عن قرب جدا إلى حد ان عينيك تغمضان حين أنام!
وأقول: مع الحب حذار من ان تغمض عينيك حتى ولو نام الحبيب!

غادة السمان
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 859


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة