الأخبار
أخبار إقليمية
الى كل محبي الأدب..الصور الشعبية.. التراث ..الإبداع
الى كل محبي الأدب..الصور الشعبية.. التراث ..الإبداع



02-18-2015 10:12 AM
شفق المغيب ليس دماً ولكنه حناء في قدم المرأة ، والنسيم الذي يلاحقنا من وادي النيل يحمل عطراً لن ينضب في خيالي ما دمت حيا . وكما تحط قافلة رحالها حططنا رحلنا. بقي من الطريق أقله . طعمنا وشربنا . صلى أناس صلاة العشاء ، والسواق ومساعدوه أخرجوا من أضابير السيارة قناني الخمر ، وأنا استلقيت على الرمل وأشعلت سيجارة وتهت في روعة السماء . والسيارة أيضاً سقيت الماء والبنزين والزيت ، وهي الآن ساكنة راضية كمهرة في مراحها . انتهت الحرب بالنصر لنا جميعاً ، الحجارة والأشجار والحيوانات والحديد ، وأنا الآن تحت هذه السماء الجميلة الرحيمة أحس أننا جميعاً أخوة . الذي يسكر والذي يصلي والذي يسرق والذي يزني والذي يقاتل والذي يقتل . الينبوع نفسه . ولا أحد يعلم ماذا يدور في خلد الاله . لعله لا يبالي . لعله ليس غاضباً . في ليلة مثل هذه تحس انك تستطيع أن ترقي إلى السماء على سلم من الحبال . هذه أرض الشعر والممكن والمستحيل . سنهدم وسنبني وسنخضع الشمس ذاتها لا رادتنا وسنهزم الفقر بأي وسيلة . السواق الذي كان صامتا طول اليوم ها قد ارتفعت عقيرته بالغناء . صوت عذب سلسبيل لا تحسب انه صوته . يغني لسيارته كما كان الشعراء في الزمن القديم يغنون لجمالهم :

دركسونك مخرطة و قايم على بولاد
وغير ست النفور الليلة ما في رقاد
وارتفعت صوت آخر يجاوبه :
تأوين السفر من دار كول والكمبو
هوزز راسه فرحان بالسفر يقنبه
أب دومات غرفن عرقه اتنادن به
ضرب الفجة وأصبح ناره تاكل الجنبه
ثم نبع صوت ثالث يجاوب الصوتين:
واوحيحي ووا وجع قلبي
من صيدة القنص الفترت كلبي
القاري العلم من دينه بتسلبي
والماشي الحجاز من جده بتقلبي

نحن هكذا وكل سيارة تمر بنا طالعة أو نازلة ، تقف ، حتى اجتمعت قافلة عظيمة ، أكثر من مائة رجل طعموا وشربوا وصلوا وسكروا . ثم تحلقنا حلقة كبيرة ، ودخل بعض الفتيان وسط الحلقة ورقصوا كما ترقص البنات وصفقنا وضربنا الأرض بأرجلنا وحمحمنا بحلوقنا ، وأقمنا في قلب الصحراء فرحاً للاشيء . وجاء أحد بمذياعه الترانزستور، وضعناه وسط الدائرة ، وصفقنا ورقصناه على غنائه. وخطرت لأحد فكرة ، فصف السواقون سياراتهم على هيئة دائرة وسلطوا أضوائها على حلقة الرقص ، فاشتعلت شعلة من الضوء لا أحسب تلك البقعة رأت مثلها من قبل . وزغرد الرجال كما تزغرد النساء وانطلقت أبواق السيارات جميعاً في آن واحد . وجذب الضوء والضجة البدو من شعاب الوديان وسفوح التلال المجاورة ، رجال ونساء ، قوم لا تراهم بالنهار كأنهم يذوبون تحت ضوء الشمس . اجتمع خلق عظيم ودخلت الحلقة نساء حقيقيات ، لو رأيتهن نهاراً لما أعرتهن نظرة ، ولكنهن جميلات في هذا الزمان والمكان . وجاء اعرابي بخروف وكأه وذبحه وشوي لحمه على ناء أوقدها . وأخرج أحد المسافرين من السيارة صندوقين من البيرة وزعهما وهو يهتف : " في صحة السودان . في صحة السودان " .

ودارت صناديق السجائر وعلب الحلوى ، وغنت الاعرابيات ورقصن ، وردد الليل والصحراء أصداء عرس عظيم كأننا قبيل من الجن . عرس بلا معنى ، مجرد عمل يائس نبع ارتجالا ً كالأعاصير الصغيرة التي تنبع في الصحراء ثم تموت . وعند الفجر تفرقنا . عاد الاعراب أدراجهم إلى شعاب الأدوية . تصايح الناس : " مع السلامة . مع السلامة " . وركضوا كل إلى سيارته .أزت المحركات ، وتحولت الأضواء من المكان الذي كان قبل لحظات مسرح أنس ، فعاد إلى سابق عهده ، جزء من الصحراء. واتجهت أضواء السيارات ، بعضها نحو الجنوب صوب النيل ، بعضها نحو الشمال صوب النيل . وثار الغبار واختفي ثم ثار واختفى . وأدركنا الشمس على قمم جبال كررى أعلى أم درمان .

"مقطع من رواية موسم الهجرة إلى الشمال .. الطيب صالح "


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2238


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة