الأخبار
أخبار إقليمية
سينما.. سينما !!
سينما.. سينما !!
سينما.. سينما !!


02-25-2015 03:13 PM
عماد البليك

قبل فترة نشرت وكالة الأنباء الفرنسية تقريرا عن السينما في السودان، وكيف انها فقدت كل شيء تقريبا، وأرفقت صورا لسينما الحلفاية حيث تحولت من الداخل إلى ملعب لكرة القدم "الدافوري" ومرتعا للبهائم. ولم تمض سوى أيام حتى تأكد خبر إزالة سينما كلوزيوم والتي يعود تاريخها إلى 1953 وتقع في منطقة حيوية من الخرطوم وتعتبر جزءا لا يتجزأ من ذاكرة المكان والإنسان، فتقريبا كل من يصل إلى ذلك الموقع ستبقى فيه ذاكرته صورة ذلك الجدران العالي، وفي كثير من الأحيان يرتبط وصف الأماكن المجاورة بالسينما التي تصبح الآن في خبر كان.
يعبر انهيار السينما كفرجة دعك عن صناعة هي غير موجودة أساسا، عن مشهد من جملة مشاهد الانهيار في بنى الحياة الثقافية في السودان، ويعكس ذلك التردي المريع الذي وصلنا إليه بالتقهقر إلى الوراء بدلا من التقدم للأمام كشأن الأمم. ففي الماضي كانت هناك أكثر من ستين سينما موزعة في مدن السودان، وكان أول عرض سينمائي عرفه السودان يعود إلى 1912 في حين يعود تاريخ دور العرض إلى العشرينات.
كانت السينما ثقافة وحياة شاملة للكثيرين، بها تعلق جيل كامل وتعلم منها، من سينما الشرق والغرب، ومن التفاصيل المثيرة والجاذبة التي تخدمها السينما كفن إنساني راق يستمد تميزه من كونه يقوم على العمل الجماعي فالفيلم ينتج عبر طاقم كبير لا يبدأ بالمخرج ولا ينتهي به. فهي لوحة يقوم على رسمها جيش من الناس ومن الصعب أن تقول ان هذا الفيلم نجح للسبب المعين.
والسؤال الذي يقف أمامه أي فرد، لماذا يحدث الذي حدث؟
هل هي قطيعة أمام الفنون والتاريخ الثقافي والانتماء لروح العصر أم أنه شيء آخر غير مفهوم يحدث في هذا البلد؟
ولا اعتقد ان الإجابة متعلقة بطوفان الفضائيات والانترنت، فكثير من الدول تزدهر فيها السينما وتكتسب موقعها في المجتمع ولها مشاهديها بل أصبحت دور السينما الحديثة أكثر جاذبية وصارت في العواصم والمدن الكبيرة جزءا من المولات وأماكن الترفيه والتسوق، ما أكسبها شعبية أكبر من جيل الشباب، بدلا من أن تخصم العصرنة منها.
وما يجري في السودان، ليس إلا انعكاسا للمشهد العام الذي سقطت فيه الكثير من الأشياء، من أنساق الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، ما يتطلب مرثية طويلة لا نهاية لأبياتها. فالدمار الشامل يكاد خيم على مظاهر الحداثة على الأقل التي خلفها المستعمر الإنجليزي في بدايات إنتاج الدولة المدنية الحديثة، لتكون النتيجة اليوم جلية، هي الانصياع لقوانين جديدة رأسمالها الفوضى في التشكيل الثقافي والعمراني والمدني.
لم تعد السينما قائمة، ذلك بعض من الصورة، وللصورة بعدها الآخر الذي يتجلى بالإضافة إلى غياب الأوعية الذهنية للعمل الثقافي والإنساني، في سيادة ثقافة من نوع جديد أسمها الرأسمال الذي يهيمن بتمديد سطوته في كل مجريات الحياة السودانية، بحيث أن القيمة العليا أصبحت له، في مقابل انهيار أو انصياع أي قيمة أصيلة أو ينظر لها كذلك، والأسباب واضحة ملخصها ان الأسس الأخلاقية للمجتمع والمكونات الثمينة للذات بدأت في الذوبان بحيث وجد الفرد نفسه أمام ذات جديدة ليست لها علاقة بالقديمة ولا المتوارثة، وهي أيضا ذات ليست لها مران على الحديث أيضا، وهي عقلية التجاذب السيئ وغير المؤسس الذي تنتصر فيه الإرادة القوية على الضعيفة، في حين أن مفهوم القوة والضعف هنا، هو الآخر، يخضع لقوانين جديدة، ليست هي المألوف. قوانين تقوم على التبدلات والتجذير للمتغير السيئ وليس الإيجابي. للشك العميق في الأنا وفي فاعليتها بحيث بات المرء غلافا داخل شروخه وجراحاته التي صنعها بنفسه.
هي أزمة مركبة للدولة والمجتمع والنظام، وهي أزمة تقاليد سقطت أمام الاختبار، لأنها لم تكن تمتلك مقومات الديمومة والرسوخ التي كانت ستسندها بجدارة وتحملها إلى فضاءات مرحلة جديدة من الحياة الإنسانية. هذه الهشاشة التي كان من الممكن أن يتم تلافيها لو أن القيم والتقاليد والموروثات كانت قد خضعت للعناية المركزة من قبل الجهات الراعية للحياة، لكن مفهوم الرعاية نفسه أصبح ركيكا وغائبا أو مغيبا.
قد يرى البعض أن قيام مبنى حديث مكان سينما مترهلة وقديمة بالية هو الأجدر، وربما دلل بأن قانون الحياة كذلك في أن التغيير لابد أن يحدث، غير أن المقابل وبحسب نظريات التماسك والتفكك في البنى الثقافية، فإن الأحداث يرتبط بعضها ببعض ولها من الدلالات والعمق ما قد لا يمكن أن يرى أو يفهم من الوهلة الأولى. وإذا حدث أن تكرر الحدث في أكثر من موقع وبالطريقة نفسها فالنتيجة جسيمة وهذا هو الواقع.
في مدينتنا بربر، كانت توجد سينما واحدة على الشارع الرئيسي يشار لها، كمعلم تماما مثل كلوزيوم وكانت دارا للترفيه والتثقيف فقد لعبت في فترة من الفترات دورا تربويا، حيث كانت تقدم عروضا للأفلام المقررة ضمن المناهج الدراسية لطلبة المدارس وكان يتم إحضار الطلبة في عرض خاص، أفلام مثل "جين آير"، "ديفيد كوبر فيلد"، وغيرها كانت تجذب الاهتمام وتعيد تشكيل ذهن الأجيال في صناعة العقل الواعي والمثقف. فالصورة السينمائية تلعب بُعدا إضافيا يضاف للقراءة الورقية، كما أن بعض الطلبة يجد نفسه قد أحب المقرر أو النص بسبب هذه الأفلام في حين أنه في البداية لم ينجذب للمادة المعينة، مادة الأدب الإنجليزي.
تلك السينما باتت اليوم أرض بورا، وهذه الصور يبدو أنها تتوزع على مدن السودان، حيث تتراجع صور الحداثة والتمدن ويطغى لون جديد من الحياة الحديثة الزائفة التي ليست لها صلة بالبنى العميقة لبناء العقل، ولي أن أضيف كذلك صورة المكتبات العامة في المدن والتي أيضا تكاد تكون قد اندثرت حيث أجهضت مشاريع القراءة الجماعية.
إن الثقافة والمعرفة هما العنوان الرئيسي لأي تقدم اجتماعي أو تقهقر عندما يحدث العكس، وليس هذا النموذج السينمائي.. إلا بعض من فيلم طويل لامتناه من الحسرات والألم الذي يكسو مشهدا بات متكلسا وجامدا، من غياب لأنسقة الفكر والتخيل السديد وطغيان للمادة في مقابل نظم جديدة غير مفهومة التركيب ولا أحد يعي إلى أين ستقودنا بالضبط؟!
كثير من الأفكار التي تتوالى والغموض الذي يخيم جراء هذه الحكايات الواقعية لتكون لافتة الانحدار هي البديل، فليست الحداثة هي قيمة مادية بحتة تفقد الإنسان الجانب الأخلاقي. كما أنها ليست أيضا ثقافة ليست لها عمق معرفي. حيث مطلوب المواءمة بين هذه الأشكال جميعا في سياق تشابكي يكون أمامه الإنسان شاهدا على الانتماء والتحضر وجزءا من وعي كلي شامل يقود الحياة نحو مساحات أرحب في التعايش السمح لا الاختلاف السلبي والظنون العمياء والانكسارات المتواصلة التي لن تقود لسوى الجنون. جنون بلد بحاله.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 2064


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة