الأخبار
أخبار إقليمية
"غضبك جميل زي بسمتك"..
"غضبك جميل زي بسمتك"..



03-05-2015 04:24 PM
عوض محمد الحسن


ما قصدتُ مكتباً من مكاتب الحكومة( الفدرالية/الولائية /المعتمدية/المحلية /الشعبية) لقضاء أمرٍ من أمور الدنيا ‎التي لا تنقضي إلا بموافقة الحكومة (وهذا يشمل هذه الأيام كل شيء تقريباً)، إلّا خرجتُ غاضباً ثائراً هائجاً، "أبَرطٍمُ" وألعن "أبُو" اليوم والساعة والحكومة والأمر الذي قادني إلى مكاتبها، ومحتاراً أهرش راسي وأحدّثُ نفسي في قارِعة الطريق.
كلّنا بَدينا كده!‎”، قالت المجنونة ‎للصائغ بأمدرمان بعد أن وقفت طويلاً تتأمله وهو يُحدّث نفسه ويعدّ نقوده).

مصدر غضبي وثورتي هو المعاملة السيئة والمهينة التي أتلقاها (ويتلقاها الجميع إلّا من رحم ربى وجاء بتزكية) من معظم موظفي (وعلي وجه الخصوص) موظفات هذه المكاتب التي تُزيّن جدرانها لوحات تنُبِئك أن الله اختصّ بعض عباده بخدمة الناس(ولكنها تُغفِل أن تُشير الي أن المقصودين يقومون بخدمة الناس طوعاً دون أجر أو حوافز أو ترحيل)، وأن الوقت للعمل(وتراهم يلصقون موبايلاتهم بأذانهم في محادثات ماراثونية تُذكّرك بنيفاشا وأبوجا وأخواتها)، ويقرأون صحف الإثارة (وِلادَةْ سَخَلْ استيريو برأسين)، وصحف الفضائح والجريمة و‎- طبعا - الكورة، في تبتّل واستغراق، ويغيبون طويلاً طويلا: "والله الجماعة ديل مشو الفطور"، ولعله في الحصاحيصا، أو "والله الجماعة ديل في الصلاة" وأظنها قضاء لتراويح رمضان، أو "والله الجماعة ديل في اجتماع " - في مقر الأمم المتحدة بنيويورك غالبا .

ما يُغضبني هو ما تراه من احتقار بيّن لك ولمن جاءوا بك إلي الدنيا، وتجاهل مُتعمّد يجعلك إنساناً خفياً لا تُري بالعين المجرّدة. وحين تطول وقفتك ويبدا الزّبَد في التسرب من بين شفتيك المَزمُومتين في حزم تُداري به غضبك، وتُلجم به لسانك لأنك صاحب حاجة، يلتفت إليك الموظف بنصف عين وقليل اكتراث، أو الموظفة برموش مُسْدَله(علامة علي الامتعاض) مثقلة بالكحل الصيني، وأجفان عليها من اﻷصباغ ما يكفى لتلوين كل "زَرازِير الجنّة" في النصف الجنوبي للكرة اﻷرضية، وشفاه مَلويّة (زيادة في الامتعاض)، لطّخها أحمر الشفاه وارد الصين أيضا، لتسمع: "نعم ؟؟" وتُقرَأ: "عايز شنو؟ ما تخلّونا في حالنا! جنّنتُونا!". فتكظُم غيظك، ويشرد مخّك لبرهة متسائلاَ للمرّة الألف: ”لماذا تستخدم نساء السودان أحمر الشفاه (كبديَّه ورماديَّه) الذى يزيد "شلاليفهنّ" بروزاً وهى ناتئة أصلا،ً ما شاء الله؟

وحين تفلح في السيطرة على غضبك الجامح، وعلى رغبتك المُلحّة في القفز فوق الحاجز الزُجاجي الذى يفصلك عن المُوظّفة وخَنْقِها هي واﻷعور الجالس بجوارها، وتشرع في شرح ملابسات طلبك البسيط والمشروع في صوت مؤدّب وخفيض، يرنُّ هاتفها النّقال، فتَضع يداً مُثقلة بالخواتم، موشّاة "بالحِنَّة" فوق أوراقك، دون أن تنظر اليك، وتتناول باﻷخرى هاتفها الذى لا يكفّ عن "المديح". وما يرفع ضغطك عند ذلك ليس "لطعَك" دون استئذان (رغم اللّافتة التي تُعلن في حزم: “الوقت للعمل!”)، بل "الونسة البايخة" مع الطرف اﻵخر (الذى هو غالباً موظّفة أخرى "تلطع" مسكيناً آخر): “ كان شُفتي ناس هِنَاية ما رجعو من الحج وجابو حوّة الطقطاقة!”، أو "عرس ناس كلتوم ما كان سينما"، أو " كان شُفتي عبد القيوم الليلة جاب لي ناس المكتب فطور أقاشي من سماية ولدو"، وغير ذلك من "الونسة البيض" التي تجعلك "ترفِس" مَنْ حولك مِن عباد الله الصابرين، لتفثأ غضبك، وتُلجم نفسك عن خبط رأسك في الحاجز الزُجاجي.

وأنا أبتعد عن المكان (في الحقيقة فرار أكثر منه ابتعاد)، عَصَفتْ بي التساؤلات عن مبعث هذه الظاهرة العجيبة، ظاهرة المعاملة المهينة التي يتلقاها الجمهور من موظفي وموظفات الحكومة (والقطاع العام والخاص والبَيْن بَيْن)، "والزعل" الشديد الذي يجعلهم يبدون وكأنهم يستمتعون بمرمطة المواطن المسكين الذي يدفع مرتباتهم وحوافزهم السنوية والربع سنوية وحوافز العيدين والمولد، و"يُكندِش" مكاتبهم و "يُسرمِكها "، ويُوفّر لهم الترحيل وسيارات الدفع الرباعي، والدفع المؤجّل، والدفع تحت الطاولة، ودفع الناس بعضهم بعضاً بواسطة العطاءات ومشتروات الأثاثات المكتبية وصيانة المركبات والكومبيوتر وصيانة منزل الوزير والوكيل وصيانة حيشان الوزارة وحدائقها وبواباتها.

من أين لهم هذا اللؤم المجّاني الذي لا غبينة وراءه ولا ثأر "بايت"، وهذه المقدرة على تجاهل معاناة المواطنين ومشاكلهم وظروفهم، ولا أقول حقوقهم؟ أهو شيء كامن في جينات الموظف/ة السوداني من مخلّفات حكم التركية السابقة، أم شيء ممّا تركه بعض المفتشين الإنجليز الذين كانوا (عكس باقي أهلهم الأشراف) يُعامِلون "الاهالي" بكثير من الصلف والاحتقار؟ (لزم والدي، رحمه الله، سرير المرض بمستشفى مروي في نهاية سبعينات القرن الماضي، فهرعت من الخرطوم لأراه وهالني ما كتب الدكتور على سجلّهِ المَرضِي: الاسم: كذا وكذا؛ العمر: كذا؛ المهنة: أهالي !!!!)، أم أنه نتاج طبيعي لسنوات من الخلخلة المتعمّدة لبنيان الدولة وإنقاص هيبتها وتقويض أجهزتها وإهدار مواردها البشرية والمالية وتسخيرها لخدمة مصالح قِلّة من الأفراد والجماعات والأحزاب، و"طناشِها" العجيب عن واجباتها اﻷساسية تجاه مواطنيها؟ أم أن هناك معاهد ومدارس خاصة (كمعهد القرش ومدرسة الدايات ومدرسة المساحة)، تُعِدُّ هؤلاء الموظفين والموظفات إعداداً نظرياُ وعملياُ ﻹذلال خلق الله العُزّل إلّا من الصبر والدُعاء، وتعذيبهم واحتقارهم وتنكيد حياتهم وإضاعة وقتهم ومالهم، وهم خُدّام الشعب على الورق، أسياده في الواقع، يركبونه و"يُدلْدلُون" أرجلهم، و"يلكزونه" كلّما حَرَن أو تباطأ في دفع المعلوم والمجهول؟

لا ينفرد موظفو الوزارات والمصالح الخدمية وحدهم بشرف ثقافة تنكيد حياة مواطنيهم وانتهارهم وتعذيبهم، بل يُشاركهم في هذه "الرياضة الدموية" من يتعاملون مع الجمهور في الوزارات السيادية ونصف السيادية وغيرها من مؤسسات الدولة التي ترى المواطن عبئاً ثقيلاً وزائراً غير مرغوب فيه، يُزعجهم ويصرِفَهم عن أداء عملهم اﻷساسي. ويشمل ذلك حُرّاس هذه اﻷماكن، أكانوا عُزّلاً "مبهدلين" في القمصان الغبشاء، أم شاكّي السلاح مهندمين في القُمصان الزرقاء ذات "الهدف" الواحد (وهو ابعادك عن الباب :"ماشي وين ياخينا؟!”)، وحُجّاب المحاكم وقضاتها، ومُوظّفي الاستقبال، وموظّفي مكاتب الحجز الجوي، ومُضيفات سودانير - زمان (خلاص بدينا؟ انتو الرّكّبكُم الطيّارة شنو؟)، والعاملين في جهاز الإجهاز على المغتربين(الذين يُجرّدونك بدم بارد من اموالك وكرامتك ووطنيتك)، وأطباء الجُملة الذين يفحصون ستين مريضاً في الليلة الواحدة دون أن "يملأوا " عيونهم في واحد منهم)، وهلمجرا. وتتساءل مرّةً أخرى: أهل هذه خصلة من خصال اﻹنسان السوداني التي تجعله "لا يَحْمَل" الُسُلطة مهما كان نوعها؟
وحين تفرغ الموظّفة من التّفرُّس في أوراقِك في غير اكتراث، تأمُرك (دون أن تنظر اليك) بدفع الرسوم. “وين؟" تتساءل أنت في مسكنة (تخشى غضبها وفقدان مستنداتك وحجم المبلغ المطلوب). تُلوّح بيدها في اتجاه غامض بين "مرزوق" و "الدخينات": “بى هناك". فتتجنب سؤالها "هناك بي وين؟" خوفاً من ثورتها، وتخرج تسأل من يقابلك في "جخَانين" المصلحة عن مكان "الخزنة/السلخانة"، ثم تعود ظافراً باﻹيصال الذى ما عاد أخضراً، فتتسلّمه منك في تأفّف واضح، وتُجيب على سؤالك عن موعد استلام الورق: ”والله ما عارفه.. وكت ينتهي ينتهي, أقعد في الاستقبال!”. تَتَحوْقلْ (في سِرّك طبعاً)، وتعصر ذَيلَك بين قوائمك الخلفيّة، و تقذف جسدك في الكرسي الصيني "المهتوك"، وتشكي حالك وقلّة حِيلَتك لجارِك المُنتظِر في جَلَد وصبر، فيقول لك مُسَرّياً: “اللّه فى”!

“ونِعْمَ باللهِ!"، تُغمغم جهْراً، "حسبُنا الله ونِعْمَ الوكيل!"، وتُتمتم سرّاً بدعوات لا تشكّ أنها دعوات المظلوم التي لا تُرَدْ عن جعل عالِيها سافلِها، وعن "تغتيس" حجر "اللى كانوا السبب"، وتخرج الى طُرقات الخرطوم تُصارع سائقي "الركشات" و "اﻷمجاد" والحافلات ، وتأمل أن يصرعوك فترتاح وتُرِيح!
++++
[email protected]






تعليقات 11 | إهداء 0 | زيارات 5879

التعليقات
#1221569 [الحلومر]
0.00/5 (0 صوت)

03-06-2015 07:09 PM
ردود علي الداندرومي
لو جيتم عريااااان يا الداندرومي ح يشيلو منك شنو ؟؟؟!!
ح شيلو اغلي حاجة عندك ح يخلوك ملوص ذي اخوات نسيبة وتبقي علي الحنة وحفرة الدخان

[الحلومر]

#1221438 [abdulrhman algalee]
0.00/5 (0 صوت)

03-06-2015 02:45 PM
بالله عليك الله ينصرك كيف وأنت قاعد تدافع عن حقك بالطريقة الغير محترمة لازم الزول يكون ملتزم في أي حاجة يسويها حتى لو كان كاركتير

[abdulrhman algalee]

#1221346 [samer]
5.00/5 (1 صوت)

03-06-2015 10:15 AM
لو عاوز تعمل جواز او تاخذ تاشيرة تشوف العجب , الشبكه طاشه , واحدة فى كمبيوتر الفحص و الصفوف خارج المبنى من الزحمه و هى بتتكلم بالموبايل و شقاله فى جوازات جابها ليها واحد او دخل عليها واحد لابس لبس شرطة او جيش او واحد مدنى و دا طبعا من ناس الجهاز يحملوا كميه من الجوازات , و هذا كله على حساب المساكين الواقفين صفوف ٠من الصف يمر واحد او اثنين و فى النهاية تعتذر انو موعد الصلاة و هذا معناه تعالوا بكرة , و الله العظيم مشيت الكافتريا اذا هى جالسه فى غرفه مخصصه لهم و قدامها صينيه فيها كل المشاوى مع واحد من الجماعه السماسرة , و نحن فى صفوف لا تعرف ليها اول و لا اخر , الكل عاوز يسافر

[samer]

#1221324 [Magdi Sarkis]
3.50/5 (2 صوت)

03-06-2015 09:33 AM
على كل حال مقالك بديع ....غضبك جميل زي بسمتك.

[Magdi Sarkis]

#1221270 [ahmed ali]
5.00/5 (2 صوت)

03-06-2015 03:53 AM
ربنا مابلانا بناس البشير ديل من فراغ

[ahmed ali]

#1221267 [الداندورمي.]
5.00/5 (2 صوت)

03-06-2015 02:04 AM
كان جيتكم عرياااااااااان بتشيلوا شنووووووو؟

[الداندورمي.]

#1221194 [ابو الما]
5.00/5 (2 صوت)

03-05-2015 09:53 PM
و العجب كان مشيت ترخص عربيتك (او عربية غيرك) حتشوف العجب العجاب من شرطة المرور هناك اهم شي تطول بالك و تعمل اي حاجة يقولوها ليك بدون ما تتفلسف و تدفع بدون اي نقاش. يعني باختصار كلامك الفوق دا اضربو في عشرة.

[ابو الما]

#1221117 [ملتوف يزيل الكيزان]
5.00/5 (4 صوت)

03-05-2015 08:03 PM
يا راجل حرام عليك . الموظفين و الموظفات بيدوهم مرتبات لا تكفيهم شر "الرشوة" و الحكومة تعمل فيهم كده عشان يشدوا حيلهم و يستخلصوا من المواطنين الفرق بين المرتب و مصوفاتهم الفعلية. و لمن انت تمشي و ما تدفع المعلوم و بذلك تجوع و ليداتم و مايلقوا حق الدواء عندما يمرضو يعملوا شنو معاك؟ لا زم يصروا ليك و يمرمطوك شوية عشان الدورة الجايه تدفع قبل ما تطلب الخدمة. يعني انت مستني اليدرسك درس العصر ده مجانا. كدي شوف جيبك و رسل لينا تمن الاستشارة دي.

[ملتوف يزيل الكيزان]

#1221071 [محمدابوشعيرة]
5.00/5 (2 صوت)

03-05-2015 06:45 PM
بس تمام غضبك جميل ذي بسمتك!الله يكون في ياهو حال السودان في كل شئ.ألا تكون مؤتمر وطني

[محمدابوشعيرة]

ردود على محمدابوشعيرة
European Union [ashshafo khallo] 03-06-2015 09:11 AM
اقتباس
كلّنا بَدينا كده!‎”، قالت المجنونة ‎للصائغ بأمدرمان بعد أن وقفت طويلاً تتأمله وهو يُحدّث نفسه ويعدّ نقوده).

الكلام مع النقس يا عوض مهم جدا لما ما تقدر تتكلم علنا مثل حالتك الموصوفه في مقالك عندما يكون السكوت من ماس لؤلؤ.

انا لامن امر بي اهانه زي دي اتحاشا ان اكسر راس المهين او المهينه لانوا ما في صالحي فاخرج واطلب شاي والعن المسئ او المسيئه بالفاط لو سمعها جاري لفر فرار السليم من الاجرب لانها كلمات ممعنه في البزاءه والفاظ يختشي منها الشوارعيه ولكنها تناسب الشخص المسئ وتفش غبينتي من غير ان تطرني ان اكسر راس الشخص التافه لان النتيجه ح تكون مكلفه.


#1221050 [الغاضبة]
5.00/5 (2 صوت)

03-05-2015 05:56 PM
والله ما عرفت اضحك ولا ابكي.... معليش تعيش وتاخد غيرها كتير طالما انت سوداني، طيب انا اسمي الغاضبة من شوية ......

[الغاضبة]

#1221018 [Abdo]
4.88/5 (5 صوت)

03-05-2015 04:46 PM
لو كنت موظف في أحد دواوين الحكومة أو طبيب في السودان لأستقلت فوراً بعد هذا التصوير الواقعي الدقيق

[Abdo]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة