الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
العلاقات الدبلوماسية إرث العصر العباسي الذي ألهم العالم
العلاقات الدبلوماسية إرث العصر العباسي الذي ألهم العالم
العلاقات الدبلوماسية إرث العصر العباسي الذي ألهم العالم


03-07-2015 02:00 AM

العرب


وصلت الدولة العربية الإسلامية أوجها في عهد الدولة العباسية، ولقد عرفت تلك المرحلة انتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد، وظهورالدولة العباسية كأكبر دولة في العالم آنذاك، وكانت عاصمتها ملتقى للوفود والسفارات من مختلف بقاع الأرض، بالإضافة إلى مشاركة عناصر غير عربية في الحكم.

مظاهر تطور العلاقات الدولية في الدولة العباسية تجلت آنذاك في استحداث منصب الوزارة. وهو مصطلح عربي في أصله استدعته الظروف والرغبة، فبرزت الحاجة إلى شخص يتمتع بحكمة ودراية ومؤهلات خاصة يعينه الخليفة في تدبير أمور الدولة سياسيا وإداريا وتقديم المشورة ومتابعة تنفيذ أوامر الخليفة.
وقد تطورت مهمة الوزارة مع تطور الاتجاهات السياسية والإدارية ونزعة الخلفاء العباسيين وقوتهم. وتعتبر مهمة متابعة العلاقات الدبلوماسية من المهام الأساسية لمنصب الوزارة.

وطور العباسيون الدواوين الخاصة بالعلاقات الخارجية، واهتموا بتوسيع علاقاتهم السياسية. وكان اتساع الدولة العباسية قد جعلها قريبة من العديد من الدول مما فرض عليها أن تنظم علاقات سليمة بينها وبين هذه الدول، وتسوية المنازعات الناشئة بينها، ودبلوماسية مع الدول المعاصرة لها، صديقة كانت أو عدوة، عن طريق السفارات والبعثات السياسية التي كان لها أهداف، إلى جانب المواصفات والمؤهلات التي لابد أن يتحلى بها من يختار للسفارة. كما ترسخت أعراف وتقاليد استقبال السفراء واستضافتهم وتوديعهم وتمتعهم بالحصانات والامتيازات الدبلوماسية. وهذا ما تميز به تاريخ الدولة العباسية وأصبح سمة علاقاتها الدولية.

وكان الرسل والسفراء الذين ينتمون إلى فئة عمال الدولة يتقاضون الرواتب ويأخذون النفقات من الدولة ويلبسون ملابس خاصة. ومن الممتع أن نجد بعض الإشارات إلى الزي الرسمي الذي كان يرتديه السفراء العرب حين مقابلتهم رؤساء الدول الأجنبية، فقد ظهر نصر بن الأزهر الذي أرسله الخليفة العباسي المتوكل إلى القسطنطينية عام 861 م بالزي الرسمي العباسي الأسود متمنطقا سيفا وخنجرا. وهناك تشابه بين الزي الذي يرتديه سفراء العصر مثل السموكن والنواك وزي السفراء العباسيين من حيث طغيان اللون الأسود والتمنطق بسيف مرصع بالجواهر في المناسبات الكبرى أو حين تقديم أوراق الاعتماد عند بعض السفراء.

وبالنظر إلى تطور العلاقات الدولية فقد ظهر في عهد الدولة العباسية العديد من المؤلفات العلمية الخاصة بإدارة العلاقات الدولية. فصدرت موسوعات تناولت الدبلوماسية والسياسة الخارجية بأسلوب حديث متطور. ومن أبرز ذلك كتب السير والمغازي (السلام والحرب) والوقائع والفتوح والأنساب والأمم والأديان والتراجم والطبقات والحوليات والخطط.

وعرف العباسيون نظام المراسم واستقبال الرسل والاحتفاء بهم، إذ كانوا يخصون السفير ومرافقيه باستقبال حافل على الحدود ومرافقته حتى العاصمة، حيث يجد بانتظاره شخصية سامية، وينزل ومرافقيه في قصر الضيافة، وقد جرت العادة أن يستقبل السفير من قبل وزير مكلف بالمهمة (الوزير مرتبة أدخلها الفرس إلى الدولة العباسية) يحدد معه موعدا لمقابلة الخليفة، وعندما يحظى بمقابلة أمير المؤمنين يقدم له كتاب (سيده) رئيس دولته، ومن ثم الهدايا التي يحملها له.

نشطت الحركة التجارية في عهد الدولة العباسية واتسمت بالعالمية لشمولها العالم المعروف في ذلك الوقت في بغداد مما جعلها تملك قلب العالم وتشرف على أغلب الطرق التجارية الممتدة من آسيا والصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا. وقد اعتمد العباسيون الأسلوب الدبلوماسي في حل مشاكلهم مع الدول المجاورة خاصة بعد أن ازدادت العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء، ومنها السفارات الثلاث التي أرسلها هارون الرشيد لشارلمان ملك الإفرنج أعوام 801 و802 و807 ميلادي، وكذلك سفاراته للقسطنطينية وروما ومملكة البلغار والهند والصين.

بالإضافة إلى أن العباسيين استخدموا الدبلوماسيين ليس فقط للتمثيل والمفاوضة وجمع المعلومات بل أدخلوا عليهم ولأول مرة مهمة التعاون والتبادل العلمي والثقافي كسفاراتهم لإحضار علماء ومترجمين من بيزنطة أو إرسال طبيب عربي لمعالجة شارلمان.


وطبق العباسيون مبدأ المقابلة بالمثل، فكانت معاملتهم للأجانب تنطلق من معاملة هؤلاء لرعايا الدولة العباسية، فإذا قامت الدولة الأجنبية بإعفاء رعايا الدولة العباسية من الرسوم أو فرضت عليهم رسوما أخرى أو منحتهم مزايا فإن رعايا تلك الدولة في الدولة العباسية يعاملون بذات المعاملة. وكان من نتيجة التطور الدبلوماسي أن نصت العديد من المعاهدات التجارية المعقودة بين الدولة العباسية والدول الأخرى على مبدأ المقابلة بالمثل.

نخلص إلى أن الدولة العباسية قدمت الكثير في مجال العلاقات الدبلوماسية أكثر من كل معاصريها، وأوقفت وهي في أوجج قوتها، استخدام الحرب كأداة تنفيذية لسياستها الخارجية واستبدلتها بالدبلوماسية الخلاقة والمبدعة وابتعدت عن اللجوء إلى المكر والخداع والانتهازية والخيانة والكذب كما فعل معاصروها وخاصة البيزنطيين وحكام المدن – الدول الإيطالية، وهذا شيء طبيعي وراجع إلى العقيدة الإسلامية السمحاء التي جمعت بين الدين والدنيا والتي لم تستخدم الدين كأداة للدنيا، فالسياسة أخلاق بالنسبة إليها.

وباختصار نقول بأن الدولة العربية الإسلامية بمراحلها الأربع التي ذكرناها سالفا تبادلت العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى التي عاصرتها في مختلف المجالات، واستخدمت جميع الوسائل الدبلوماسية لتسوية المنازعات الدولية، واهتمت بإرسال الرسل واستقبال المبعوثين الدبلوماسيين.

ولم يلتفت الغرب إلى الدور الذي حققته الشريعة الإسلامية في إقامة علاقات دولية قائمة على المساواة والعدل والحق، ووضع قواعد دبلوماسية قائمة على الأخلاق والفضيلة والإنسانية. وإذا كانت اللغة العربية لم تستخدم مصطلح العلاقات الدولية أو الدبلوماسية لأنها مصطلحات لاتينية، إلا أن الدبلوماسية وقواعدها عرفها العرب قبل أن تظهر في أوروبا بقرون.

العرب


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2132


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة