الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
النص الشعري القديم بين الشفاهية والكتابية
النص الشعري القديم بين الشفاهية والكتابية


03-14-2015 10:15 AM


دوائر الاستشراق تلقفت نظرية التأليف الشفهي وحاولت تطبيقها على الشعر الجاهلي بوصفه شعراً شفاهياً يشبه الشعر الهومري.


ميدل ايست أونلاين

كتب ـ أحمد فضل شبلول

دراسة في تأويل النص

تشير القصيدة الشفاهية إلى أن عملية التأليف تقترن زمنياً بعملية الأداء أو الإلقاء الشفهي، أي أن اللحظة الزمنية للتأليف هي عينها لحظة الأداء؛ أما القصيدة المكتوبة فهناك فجوة في الزمن بين التأليف والقراءة أو الإلقاء الشفهي (الأداء)، أي أن اللحظة الزمنية للتأليف تختلف وتنفصل عن لحظة الأداء.

وتوضح الدكتورة غــادة جميـل قرني في كتابها "الشفاهية والكتابية في الشعر الجاهلي: دراسة في تأويل النص" أن دوائر الاستشراق تلقفت نظرية التأليف الشفهي، كما وضع أسسها وطبقها باري ولورد على شعر هومر وشعر الملاحم اليونانية واليوغسلافية، وحاولوا تطبيقها على الشعر الجاهلي بوصفه شعراً شفاهياً يشبه الشعر الهومري، معتمدين على فكرة الشاعر الأمي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وعلى أن التأليف الشعري الشفهي هو الشكل المتاح بل الوحيد لهذا الشاعر؛ كما أن الشعر الجاهلي ربما ينتمي (بل ينتمي فعلياً في نطاق هذا التصور) إلى مجتمع بدائي يشبه المجتمع الذي أُنتج فيه شعر هومر.

لقد اصبحت القصيدة الجاهلية، في نطاق هذا التصور، أغنية شعبية، والشاعر الجاهلي الفحل أو الخنذيذ أصبح مغنياً شعبياً أو منشداً، حاله في ذلك حال مغني الآداب اليونانية الهومرية واليوغسلافية القديمة وغيرها من الآداب الشعبية الأخرى.

ولقد استلفت نظر الباحثة أثناء مراجعتها لنظرية باري ولورد للتأليف الشفهي أنه تم تطبيقها على الشعر السردي الشفهي؛ أي أن هناك قصة أولية للحكي وهناك عروض شفهية لهذه القصة، هذه العروض يتم تأليفها وتأديتها شفهياً في لحظة زمنية متعينة، وتتسم هذه العروض بالعفوية والارتجال.

وهي تطرح عدة تساؤلات حول إمكانية تطبيق نظرية التأليف الشفهي على الشعر الجاهلي، وهل كان الشعر الجاهلي عروضاً شفهية متنوعة لحكاية أو حكايات معينة؟ وهل كان الشاعر الجاهلي أمياً لا يعرف القراءة والكتابة؟ وهل وجود عبارات صيغية متكررة في الشعر الجاهلي تعني شفاهية هذا الشعر أم أنها تشير إلى نوع من التقاليد الأدبية للكتابة في ذلك الزمان تحمل ميراثاً شفاهياً؟

وهل مطولات الشعر الجاهلي التي تنطوي على أغراض متنوعة قد تم تأليفها وتأديتها في لحظة زمنية واحدة؟ وهل ما قدمه الباحثون، استناداً إلى نظرية التأليف الشفهي، يمكن النظر إليه بوصفه تأويلاً جديداً جديراً بالتقدير؟ ولما لا يمكن النظر إلى النص الشعري الجاهلي بوصفه نصاً كتابياً يعتمد على التبصر والتأمل والنظر وتأويله طبقاً لذلك؟

وهل الروايات المختلفة للقصائد تجعلنا نعتقد أن النص الشعري الجاهلي تم تأليفه شفاهياً أو هو وجود عائم يتخلق مع كل أداء؟ ولماذا لا نعتقد أن فكرة الراوي هي المسئولة عن الروايات المختلفة للقصائد، وهذه الفكرة لا تنفي كتابية النص ذاته؟ ولماذا لا نعتقد أن النص الجاهلي هو ممارسة كتابية تدفعنا إلى الدخول في عالم الدال ولعبته، ففاعلية الكتابة مشروطة بهذه اللعبة ومراح الدال العفوي الذي يتأبى على القولبة والمعنى الثابت والمدلول المسيج المتعالي ويستجيب إلى الإحالة النهائية والارتحال الدائم؟

مثل هذه الأسئلة دفعت غادة جميل قرني إلى فحص مشكلة الشفاهية والكتابية في النص الشعري الجاهلي ومحاولة تأويله طبقاً لهذا الفحص.

وقد اشتمل كتابها على الباب الأول، المعنون بـ "شفاهية وكتابية النص الشعري الجاهلي"، واحتوى على فصلين، يناقش أولهما مسألة شفاهية النص الشعري الجاهلي، ويعتني بوجهة النظر التي عاينت النص الشعري الجاهلي بوصفه نصاً شفاهياً، مميزاً في البداية بين النزعة الشفاهية والنزعة الكتابية وطبيعة العلاقة بين النزعتين. أما الفصل الثاني المعنون بـ "كتابية النص الشعري الجاهلي"، فإنه ينفتح بالإشارة إلى أن الجهود التي قدمها مستشرقون وعرب حول شفاهية الشعر الجاهلي لم تفحص مسألة كتابيته، وتأسست على فكرة جوهرية هي أن الشعر الجاهلي صدر عن شعراء لا يعرفون الكتابة والقراءة أو شعراء أميون، ولذلك بدأ فحص مسألة كتابية النص الشعري الجاهلي بمناقشة مصطلح "الجاهلية" وما يشير إليه من معان منتقلاً إلى مصطلح "الأمية"، ثم يعرض بعد ذلك شيوع القراءة والكتابة بين العرب في العصر الجاهلي، وفحص أدوات الكتابة وموادها والمكتوب ذاته، ونشأة الخط العربي.

ويناقش الفصل بعد ذلك ممارسة الشعراء للكتابة الشعرية وما تشير إليه الروايات التاريخية عن انتخاب الألفاظ وتنقيحها وتحكيكها، منتهياً إلى أن النص الشعري الجاهلي قد تمت كتابته فعلياً، وتم إنتاجه عن طريق الكتابة وليس عن طريق التأليف الشفهي.

ويشتمل الباب الثاني المعنون بـ "تأويل النص" على توطئة وثلاثة فصول، وتشير التوطئة إلى أن الفحص الذي تم في الباب الأول انتهى إلى أن النص الشعري الجاهلي قد تم إنتاجه عن طريق الكتابة، وأن النص الشعري الجاهلي لا يقع في دائرة العروض الشفاهية المتنوعة لحكاية ما تفترض تشابهاً وتكراراً في الصيغ والعبارات. وربما يبدو صحيحاً أن الشعر الجاهلي، مثله مثل أي شعر آخر، قد يقع فيه صيغ وعبارات متكررة، لكن ذلك لا يقوم دليلاً على أنه شعر قد تم إنتاجه شفاهياً، وإنما يشير إلى تقاليد معينة للكتابة الأدبية، هذه التقاليد ربما تحمل ميراثاً شفهياً.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1408


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة