الأخبار
أخبار إقليمية
المشهد السياسي السوداني يدنو من كسر الحلقة الشريرة!
المشهد السياسي السوداني يدنو من كسر الحلقة الشريرة!
المشهد السياسي السوداني يدنو من كسر الحلقة الشريرة!


03-15-2015 11:03 AM
تيسير حسن إدريس

(1)
رويدًا ينقشع غبار المماحكات عن المشهد السياسي السوداني، وتتضح صورة الاصطفاف الجديد بصورة جلية لا لبس فيها، وقد شارفت عملية الفرز التاريخي لمكونات المشهد نهاياتها الحتمية، وأخذت المؤشرات الدالة على بلوغ الاصطفاف مرحلة التمحور حول ثوابت عصرية لبناء كتلة تاريخية بمواصفات واقعية بعيدة عن التعريفات الفلسفية القديمة في السفور والإعلان عن ذاتها بقوة، وفي سياق هذه الصيرورة يتحتم النظر لمواقف مكونات المشهد السياسي الحالي الآيل للتفسخ والزوال، مفسحا المجال لتشكل الكتلة التاريخية القادمة التي ستؤدي دورًا حاسمًا في عملية التغيير وقد بلغت اشتراطاته الذاتية والموضوعية مبلغَ الرُّشدِ، ونضجت على نارٍ هادئة.
(2)
من هذا المنطلق وفي ظل هذا التدافع الجدلي يتم تقييم والنظر لمواقف زعيم الطائفة الختمية من السلطة الحاكمة ، لا سيما مشاركته في انتخابات تزوير الإرادة الوطنية، المزمع قيامها في أبريل القادم، وقد دفع مولانا ثمنًا باهظًا لهذه الخيبة التاريخية، وهو يضحي بسبعة عشر قياديًّا من أخلص قيادات حزبه، تمَّ طردهم من الحزب لرفضهم الخضوع والركوع لعرض زائل عرض عليه، إن المصالح تتصالح ومولانا الذي اعتاد أن يأخذ دون أن يعطي، كان من المنطقي أن ينحاز لمصالحه وآل بيته، ويعرِض عن مصالح جماهير الطائفة الختمية، والحزب الاتحادي الديمقراطي الذي انتحر حين التحف عباءة السيد.
(3)
ليبقي مولانا الميرغني على القيادات العاطلة عن المواهب، تلك التي تتكسب من تقبيل الأيادي، وحمل الأحذية الشريفة، مما يشير إلى أن صيرورة الاصطفاف الجديد تمضي حثيثا نحو غاياتها، مبشرة باقتراب بزوغ فجر الكتلة التاريخية المناط بها طي صفحة الممارسات القديمة، والخروج من رحم التدافع السياسي المحتدم الحالي، والذي نشهد فيه أيضا حراكًا مكتومًا أوساط تيارات الإسلام السياسي، تجلى في الخبر الذي أوردته صحيفة (آخر لحظة)، على لسان القيادي الإسلامي المخضرم أحمد عبد الرحمن، والذي أماط اللثام عن لقاءٍ سريٍّ تمَّ بين الشيخ حسن الترابي والأستاذ علي عثمان، وضع حدًّا للقطعية التي استمرت بينهما زهاء الـ (15)عاماً، منذ المفاصلة الشهيرة التي تمت بين الإسلاميين في نهاية عام 1999م.
(4)
إذا ما ألحقنا بخبر (آخر لحظة) عن المصالحة السرية بين الشيخ الترابي وعلي عثمان، ما كشفت عنه صحيفة (التغيير) من نذر انفجار وشيك داخل حزب (المؤتمر الشعبي)؛ بسبب خلافات كبيرة حول طريقة إدارة الحزب، حيث ترفض قواعد وقيادات عديدة نهج الحوار والتقارب مع الحزب الحاكم، وقد هددت بالخروج من الحزب إذا ما أصر الشيخ على مواصلة هذا النهج، يتضح من هنا أيضا عمق الفرز والاصطفاف السياسي الممهد لمخاض (الكتلة التاريخية) القادمة التي ستتولى إنجاز مهام التغيير، وملحقات الإصلاح الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي في السودان.
(5)
نذر هذا المخاض بدأت تلوح بخروج الإمام الصادق المهدي من البلاد قانعًا بعد لأي ومكابدة بينه وبين قوى الاجماع الوطني، وكبد مع قوى الاستنارة داخل حزبه بعدم جدوى الحوار مع نظام لا يحترم تعهداته، ولا يصون المواثيق التي يتواثق بها مع الآخر، لقد أخذ تبلور هذه القناعة – التي نرجو لها الثبات - في عقل الإمام الصادق الكثير من الوقت خصمًا على مسيرة الحراك الثوري، وسيرورة المخاض التاريخي (للكتلة الحرجة)، عمومًا أن يأتي الإمام متأخرا بقناعة كاملة في حتمية التغيير خيرًا من أن لا يأتي أبدا، أو يأتي بنصف قناعة تشوش وتربك المشهد السياسي المعارض من جديد.
(6)
جميع مكونات المشهد السياسي -فيما عدا النظام الحاكم- تبدو اليوم على قناعة راسخة بضرورة تعطيل (الصراع الإيديولوجي) مؤقتًا لصالح التفرغ لبناء ما أسماه المفكر الإيطالي والمناضل اليساري غرامشي (1891-1937) بـ"الكتلة التاريخية"، هذه الفكرة التي تبناها بشرط تبيئتها وتكييفها المفكر المغاربي محمد عابد الجابري الذي عرَّف الكتلة التاريخية على أنها: "كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة، تتعلق أولاً بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية، السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانـيًا بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها -إلى درجة كبيرة- التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج. وبما أن مشكلة التنمية مرتبطة بقضية الوحدة، فإن هذه الكتلة التاريخية يجب أن تأخذ بُعدًا قوميًّا في جميع تنظيراتها وبرامجها ونضالاتها".
(7)
ما يؤكد رسوخ قناعة تعطيل الصراع الإيديولوجي مؤقتًا لصالح بناء الكتلة التاريخية، ما نراه من اتفاق وتوافر لعامل الثقة الذي كان مفقودًا بين أطراف المعارضة، والذي عبر عن نفسه بوضوح في استجابة معظم أحزابها بكافة توجهاتها لدعوة مناقشة الأزمة السودانية وآفاق الحل المقدمة من دولة ألمانيا الاتحادية، ورغم التحفظ التاريخي للحزب الشيوعي السوداني وحساسيته المفرطة تجاه الحلول المستوردة ورفضه للتدخل الأجنبي في الشأن الوطني إلا أنه قد ارتضى طائعًا في هذه المرحلة دفعا للعملية السياسية تقديم تنازل مهم عن ثابث من ثوابته المبدئية، وخطى خطوة أوسع من هذه نحو تجسير الهوة وبناء الثقة بينه وبين قوى اليمين، وهو يمنح حزب الأمة والجبهة الثورية تفويضًا بالجلوس مع النظام نيابة عن قوى الإجماع الوطني ومناقشته في أمر تهيئة المناخ لحوار وطني جامع.
(8)
إذًا الجميع ينظر اليوم لعملية التغيير بمنظار أكثر واقعية، بعيدًا عن المشاكسات، وعقلية كسب النقاط، والانتصارات الوهمية، وهذه في حدِّ ذاتها نقلة نوعية عظيمة في اتجاه التأسيس لممارسة سياسية رشيدة أكثر نضجًا وحكمة، فالمهام المطروحة وطنيًا مهام متعددة وجسيمة، ولا يمكن في ظل وضع السودان الراهن، لأي فصيل من فصائل القوى الوطنية ، ومهما امتلك من برامج سياسية، وإطار إيديولوجي القيام بها منفردًا، ومن هذا المنطلق فالمخرج الآمن يتمثل في خلق تحالف وطني ، على شكل كتلة تاريخية تضم جميع القوى الفاعلة في المجتمع، التي من مصلحتها التغيير، وتحقيق الأهداف الوطنية المذكورة في الفقرة(6) من هذا المقال.
(9)
لضمان نجاح قيام هذه الكتلة التاريخية وأدائها لدورها التاريخي يجب مراعاة المصلحة العامة المشتركة لجميع مكونات المشهد السياسي التي تغريها وتحفزها على تبنيها، والعمل النشط لإقناع الجماهير بضرورة التمسك بها، والمحافظة عليها، لذا فالمصلحة المشتركة يجب أن تعبر عن شعارات الحرية والديمقراطية والعدل، وحقوق المستضعفين والأقليات وحقوق الأغلبية، وتهتم بكسر احتكار السلطة وامتيازاتها لصالح مجموعة بشرية، أو جهوية ما، أو لصالح أحزاب وبيوتات بعينها تدعي حقوق تاريخية تعطيها المبرر لتغييب بقية مكونات النسيج الاجتماعي عن مراكز القرار والتنفيذ. وبدون قيام كتلة تاريخية بهذه المواصفات ووفق هذه الشروط، ، فمن المستحيل كسر الحلقة الشريرة، وتدشين مرحلة تاريخية جديدة، من سماتها الأمنُ والاستقرارُ والنماءُ.
(10)
تعتبر الكتلة تاريخية؛ حين تسعى بجد لتحقيق أهداف وطنية تاريخية، وأيضًا عندما تعبر عن وفاق وطني تتطلبه المرحلة التي تمر بها البلاد، وهي ليست مجرد تحالف بين أحزاب؛ بل كتلة من القوى الفاعلة في المجتمع، قادرة على تخطي العقبات والانجاز، ولا يستثنى في تكوينها أي طرف من الأطراف، إلاَّ ذلك الذي يضع نفسه خارجها وضدها، وهي بهذا الفهم فهي لا تلغي الأحزاب، ولا تقوم مقامها؛ بل تعطل مؤقتًا الصراعات الأيدلوجية الحادة التي تأخر عملية النهوض الوطني ، لحين الفراغ من تنفيذ الأجندة الضامنة لوحدة التراب؛ وسيادة الدولة ، ووضع الأساس المتين لنظام مدني ديمقراطي عادل، وهذا بكل تأكيد يتطلبُ حدًّا معقولاً من انتظام مكوناتها انتظامًا فكريًّا حول الأهداف والمقاصد المنشودة المذكورة آنفا.

الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 13/03/2015م


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 3889

التعليقات
#1227637 [محمد أحمد]
5.00/5 (1 صوت)

03-15-2015 04:31 PM
أعتقد ان البشير سوف يتخلص من كل المتشددين من الإخوان المسلمين و من حزبهم, نظرا لإدراجهم كمنظمة إرهابية في بعض الدول العربية, و يحتفظ بالحمائم منهم. وأعتقد أيضا أن البشير سوف يتحالف بعد الانتخابات مع الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل و بقاياه.

[محمد أحمد]

ردود على محمد أحمد
[بلادي] 03-16-2015 02:43 PM
مافي انتخابات ولاحاجة هو راح يغير رايو ويطلع منها اخر لحظة وتحصل الفوضى الكبرى ,,,


#1227547 [habbani]
5.00/5 (1 صوت)

03-15-2015 02:05 PM
كثير من اخواننا ذوى التوجه الإشتراكى واقول الإشتراكى لأنها مرحلة ما قبل المجتمع الشيوعى الذى لم يبلغه حتى الإتحاد السوفيتى نفسه مصدر الفكر.. والإشتراكية فى تطبيقها المثالى تحقق الشيوعية الغاية. دائما ينتقدون النظام ولا ينسون الإمام من النقد .
فيا تيسير الإمام هو صاحب فكرة التغيير ولم يأتى متأخرا كما تقول .
اوافقك ان النظام الحاكم وصل مرحلة الزوال بغلوه فى استخدام السلطة والقانون والدستور ( مع تجاوزه ) و السجون والمعتقلات والقتل وغلوه وولوغه فى سرقة المال العام وتدميره للإقتصاد وافساد علاقاتنا الإقليمية والدولية .

[habbani]

#1227502 [حاتم عبدالله]
5.00/5 (3 صوت)

03-15-2015 12:42 PM
مقال رائع فى فكرته وانيق فى كتابته يخلق فكرة وجدل ايجابى يبعث فينا بقايا الامل فلى التغيير الواعى عن طريق كتله تاريخيه عريضه تؤمن بالوطن للجميع لكن ما اود ان اقوله ان المواطن السودانى البسيط كون هذه الكتله منذ امد بعيد رحميا وفى 2005 مولودا باستقبال جون قرنق فى المطار هذه هى الكتله التى تكونت لكن كعاده سياسينا فى الفهم المتاخر والتقوقع فى الايديلوجيا وكسب النقاط والمماحكات فاتت هذه الفرصه جزئيا والتى كان يمكن ان تكون نقطه تغيير فاعل جدا فى تاريخ السودان لكن كعاده المواطن السودانى البسيط فى تدريس الساسه مبادى السياسه جاءات الكتله التاريخيه فى احداث سبتمبر كتله عريضه شبابيه خروجت رغما عن النظام والمعارضه فى غفله هين لخبطتت كل الاجندات المطروحه الان لا مجال لكل الساسه الا ان يرتقو الى مطاف النضج اما طوعا بادراكهم معانى السياسه الحقيقه والخروج من نفق الممارسات القديمه او كرها بازاحتهم والتى تتم بنار هادئه اكاد اجزم بان المواطن السودانى وانا منهم اننا غير مستعجلين البته لاى نوع من التغيير ان لم يكن واعى ويضمن لنا حياه هادئه هانئيه مضمونه الحقوق والا فليسير ركب ساسه السودان كلهم فاننا بالغون مرامنا

[حاتم عبدالله]

#1227491 [شاهد اثبات]
5.00/5 (2 صوت)

03-15-2015 12:33 PM
الكتلةالتاريخية برنامج وليس اشخاص والفرز كان يجب ان يتم من قيامة الساحة الخضراء في 2005 بس...
سودان جديد(دولة المؤسسات)ضد سودان قديم (دولة لراعي والرعية والريع والرعاع)
وبرنامج اتفاقية نيفاشا ودستور 2005..وليس في 2015 بعد ما الرماد كال حماد
وانت تبنيها على الاشخاص والتحيزات غير المجدية تفتش لي لصداق المهدي في الاعذار وتردح في الختمية
هي رؤيتين لا ثالث لهما فقط...سودان جديد ضد سودان قديم
و النظرية "التحرر من شنو وليس منو.."
الفجر الجديد...اعلان باريس ...نداء السودان ...ارحل...اعلان برلين دي غوغائية سياسية ساكت
تقابلها من النظام 7+7...دستور بدرية الشمولي ...الانتخابات المدغمسة ..القمع المستمر ..

الوعي لحقيقية والمنصة الحقيقية من عند حيث بداالعبقري الراحل جون قرنق
اتفاقية نيفاشا ودستور 2005 ده برنامج الكتلة التاريخة

[شاهد اثبات]

#1227472 [abdelwahid]
5.00/5 (1 صوت)

03-15-2015 11:56 AM
حديث منطقي وينظر الى الواقع السياسي بكل ابعاده نظرة متفحصة ..
يا حبذا لو ينتهج كتابنا هذا النهج لمحاولة الخروج من عنق الزجاجة وتلخيص الازمة السودانية ..

[abdelwahid]

#1227446 [عبدالله الحلاوي]
5.00/5 (1 صوت)

03-15-2015 11:35 AM
شكرا الاستاذ تيسير، مقال آمل ان يطلع عليه الكثيرون.

[عبدالله الحلاوي]

#1227439 [cool]
5.00/5 (1 صوت)

03-15-2015 11:24 AM
الكتله التاريخيه هى المنضويه فى نداء السودان
هذا الوعاء الذى يحمل فى جعبته انعتاق الوطن
والمواطن من جلباب الاسلام السياسى واقامه دوله
الحريه والمساواه.

[cool]

ردود على cool
European Union [سكران لط] 03-16-2015 03:33 AM
وانت يا صالح عام بعد انقلابكم مع نميري سويتو شنو غير لخبطوها زياده بالمناسبة اذا الكيزان حملناهم 70% من الخراب الحاصل انتو شايلين 30% الباقية الله يقلعكم الاتنين من السودان ومعاكم الوهابية

European Union [صالح عام] 03-15-2015 01:34 PM
يا كول طالما الصادق المهدى موقع ومتبنى نداء السودان لن ننفك من الاسلام السياسى الى بزوال الطائفيه السياسيه والدينيه وهى سبب تاخر السودان



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة