الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
التناص: مقاربة نظرية شارحة (6 / 7)
التناص: مقاربة نظرية شارحة (6 / 7)
التناص: مقاربة نظرية شارحة (6 / 7)


03-16-2015 09:22 AM


مقال بارت 'موت المؤلف' يعد من أكثر مقالاته شيوعًا في الأكاديمية النقدية الغربية، وتم اقتباسه والإشارة إليه في آلاف الكتب والمقالات.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. مصطفى بيومي عبدالسلام

يقترن اسمه بأشياء كثيرة

يعد "رولان بارت" شخصية مركزية للنظرية الأدبية والثقافية المعاصرة، وأعماله المتعددة لديها تأثير بالغ الدلالة في الممارسات النظرية. وربما أتصور أن إسهاماته المتنوعة في مجالات مثل البنيوية، والسميوطيقا، وما بعد البنيوية، والدراسات الثقافية، جعلت "بارت" في طليعة النقاد والمنظرين.

ويقترن اسم "بارت" بأشياء كثيرة: إعلانه الجنائزي الشهير لـ "موت المؤلف"، وفكرة التناص، ودراسة أنظمة العلامة الثقافية (الإعلانات تصميم المباني والسيارات، الملابس وأنماط الموضة، المنظفات، وغير ذلك)، والتحليل البنيوي للسرد، ونظرية النص، ومتعة النص أو لذته. وإذا أردنا أن نفهم شيئًا عن النظرية، فإنه ينبغي علينا أن نقرأ أعماله وأن نرتبط بها، فهو يقف وراء معظم النظريات المعاصرة التي تدور حول الأدب. ومن الجديـر بالذكر أن مصطلح "التناص" أو "المتناص"، كما يطرح "كومباجنون"، "تم ابتكـاره في إطـار الحلقة البحثية لـ "بارت" من قبـل "جوليا كرستيفا" بعد وصولها إلى باريس بفترة قصيرة عام 1966... لدفع اهتمام النظرية الأدبية ناحية إنتاجية النص".

وربما أتصور أن دال" النظرية" ارتبط كثيرًا بما يطرحه "بارت"، فهو لا يحيل إلى مدلول ثابت مسيح، يدور حول تجريد الأشياء واختزالها إلى أبنية كلية لا تقبل النقض، وإلى مقولات ثابتة لا تقبل المساءلة، وإنما يحيل إلى التأمل والانتقاد الذاتي والتجاوز المستمر والتبدد، يقول "بارت":

"النظرية، إذ يدركها المرء بطريقة دقيقة بوصفها انتقادًا ذاتيًا مستمرًا، تبدد المدلول بطريقة متصلة، الذي يكون دائمًا جاهزًا لكي يتمظهر ماديًا وراء العلم".

لكن دال "النظرية يتجاوز مفهومه العام إلى مفهوم خاص لدى "بارت"، وهو مفهوم يتعلق بتحوله من البنيوية إلى ما بعدها، من المعنى الثابت إلى النصية، من النص المغلق على نفسه إلى نص يتجاوز نفسه إلى نصوص أخرى، من الكاتب الخالق للمعنى إلى القارئ الذي يمارس متعة القراءة، من استهلاك النص إلى إنتاجيته، هذه التحولات وقعت ما بين عام 1966 وعام 1970، حيث يشير التاريخ الأول إلى نص "مقدمة للتحليل البنيوي للسرد"، ويشير التاريخ الثاني إلى كتاب “S/Z”، يقول "بارت":

"في النص السابق، لجأت إلى بنية عامة قد يرتد إليها، من ثم، تحليل النصوص الممكنة... وافترضت النفع الذي قد يكون في إعادة تشييد نوع ما من نحو السرد أو منطق السرد (وفي تلك الفترة، اعتقدت في الإمكانية لنحو مثل هذا، إنني لا أرغب أن أنكر ذلك).. في S/Z، نقضت هذا المنظور: رفضت الفكرة القائلة بنموذج متعالى للنصوص المتنوعة... لكي أفترض أن كل نص يكون نموذجه الخاص إلى حد ما، وأن كل نص، في كلمات أخرى، يجب أن تتم معالجته من خلال اختلافه و"الاختلاف" يتم فهمه – بطريقة دقيقة - بمعنى نيتشوي أو دريدي.

في ظل هذا التحول الذي يشير إليه "بارت" تبرز نظرية التناص التي تدمر أصل المعنى، لأن النص مكون من عناصر نصية سابقة أو هو نسيج جديد من الاستشهادات والاقتباسات، ولم يعد الكاتب، في إطار هذه النظرية، هو الخالق أو الواجد للمعنى، لأن المعنى مفتقد لأصله، أو أن الكتابة على وجه العموم، كما يطرح "بارت"، "هي التدمير لكل صوت ولكل أصل"؛ لقد أقلق "بارت" كثيرًا فكرة ثبات المعنى وربما كان انتقاله من البنيوية إلى ما بعدها، كما يطرح "يانج"، هو "انتقال من المدلول إلى الدال"، أو هو انتقال من العلامة المكونة من الدال الذي يحيل إلى مدلول ثابت أو متعال إلى العلامة المكونة من الدال الذي يحيل إلى دال آخر في سلسلة لا نهائية، إنه تحول ناحية النصية أو الدال العائم الشارد؛ إن النص لا يمكن تصوره على أنه سطر من الكلمات تطلق معنى مفرد هو رسالة الكاتب، وإنما هو "فضاء متعدد الأبعاد يكمن بداخله كتابات متعددة متزاوجة ومتنافسة، ولا أي منها يكون أصلاً: إن النص هو نسيج من الاقتباسات، ينتج من آلاف المصادر للثقافة".

ويشار إلى أن مقال "بارت": موت المؤلف (1968) من أكثر مقالاته شيوعًا في الأكاديمية النقدية الغربية، ولقد تم اقتباسه والإشارة إليه في آلاف الكتب والمقالات، وأدى إلى ما أطلق عليه "جراهام ألن": "الأسطورة الثقافية لـ "بارت". وتكمن أهميته، فيما أتصور، ليس فقط في الإعلان الجنائزي لموت المؤلف، وإنما أيضًا في طرح مفهوم الكتابة والنص والنصية، وهي مفاهيم ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بما بعد البنيوية، وظهور مفهوم الكتابة على النحو الذي أشرت إليه سلفًا يمثل، من غير شك، تحديًا لفكرة البنية، لأن "أية بنية تفترض دائمًا مركزًا، ومبدأ ثابتًا، وهيراركية (تراتبية) للمعاني، وأصلا جامدًا أو صلبًا، إن هذه الأفكار أو التصورات هي التي وضعت الاختلاف والإرجاء اللانهائي للكتابة في موضع البحث".

إن فكرة موت المؤلف هي تدمير لفكرة الأصل الذي يمكن أن يرتد إليه النص، ومن ثم تدمير لفكرة المركز. إن الكاتب "أدى وظيفة داخل المجتمع الرأسمالي بوصفه "المرتكز" لدوال العمل الأدبي، فالكاتب يتم وضعه بوصفه مركزًا للعمل: أي الأصل لمعنى العمل جميعه، والكاتب هو أيضًا تلك الشخصية التي ينبغي على كل قراءة أن تتوجه إليه نفسه".

إن الكاتب طبقًا لهذا التصور، يشكل مدلولاً متعاليًا يقف وراء العمل، يعيش ويفكر من أجله، وعلاقته به هي علاقة الأب بابنه. إن موت المؤلف أو الكاتب هو علامة التمرد على سلطة الأبوة وتدميرها، وبذلك يدخل النص إلى عالم التناص، فكل نص متناص، وكتابة متعددة، أو بعبارة "بارت": "إن أي نص يتكون من كتابات متعددة، تنبثق من ثقافات متنوعة، وتدخل في حوار، وفي محاكاة تهكمية ساخرة، وفي تنازع أو خلاف".

وإذا كان "بارت" ألح مرارًا في مقاله "موت المؤلف" على الطبيعة المتناصة للنصوص، فإن ما يلفت الانتباه هو أنه لم يشر قط إلى مصطلح التناص الذي يبرز بوضوح في أعماله التالية، لكن يبدو أن فكرة التناص هي فكرة حاسمة لطرح "نظرية النص"؛ فهذه الفكرة أكثر من غيرها قد مكنت "بارت" لكي "يبدأ توصيفًا للنص الأدبي خارج الحدود التقليدية لصناعة الكتابة. إن الكاتب رغم كل شيء، هو مجرد مؤلف للمعاني التناصية والعلاقات".

لكن لا بد من الانتباه إلى أن موت المؤلف مشروط بميلاد القارئ، أو بعبارة "بارت": "ميلاد القارئ يجب أن يكون معادلاً لموت المؤلف". وميلاد القارئ فيما يتصور "بارت" يرتبط بنظرية ما بعد البنيوية التي فككت الذات، فالقارئ هو شخص "بلا تاريخ، بلا سيرة، وبلا سيكولوجيا، إنه فقط ذلك الشخص الذي يحول المجموع إلى مفرد، والمجال نفسه لجميع الآثار التي يتم تشييد الكتابة منها".

إن القارئ يتم تنصيصه، ويتم إخضاعه للاختلاف واللعب الحر والتبعثر، فالذات التي تقرأ النص أو تقاربه، في ظل هذا التصور، تتجاوز كما يطرح "ليتش"، "أي مفهوم لعملية القارئ النص بوصفها علاقة بسيطة للذاتية بالموضوعية". في كتابه (S/Z)، يلح "بارت" على نصية الذات القارئة وتصبح الذات مثل النص، مكونة من نصوص أخرى وآثار وشفرات لا نهائية مفقودة الأصل: "الأنا التي تقارب النص هي نفسها من قبل مجموع نصوص أخرى، وشفرات لا نهائية، أو بكلمة أكثر دقة، مفقودة أي مفقودة الأصل". لكن النص لن يصبح نصًا إلا بوجود القارئ أو بعبارة أخرى إن النص يوجد فقط عندما يتم إنتاجه من قبل القارئ، هنا نصل إلى أولى الخصائص التي صاغها "بارت" لتمييز النص عن العمل في مقاله: من العمل إلى النص (1971).

وينبغي الإشارة قبل الشروع في عرض تلك الخصائص، إلى أن مقال "بارت": من العمل إلى النص، يؤسس نوعًا من الاستبدال أو الانتقال، وهو استبدال للمفاهيم التقليدية، التي تنبني، كما يتصور "بارت" على الطراز النيوتني، (نسبة إلى نيوتن)، بمفاهيم تستند على نسبية الأطر والمرتكزات المرجعية، التي تنبني على علم أينشتيني (نسبة إلى أينشتين).

هذا الاستبدال يطور، كما يطرح "هيث"، "تحليلاً فاتنًا لجميع مظاهر أو أشكال اشتغال اللغة، والدال ومجال كامل للإنتاجية التي تكون لا نهائية، ولا يمكن أن يتم السيطرة عليها.. إن فكرة النص تستبدل، من ثم، فكرة العمل بوصفها كلية مغلقة ومحددة، وتعبيرًا واضحًا صريحًا عن معنى أو ذات"؛ ويشير "هيث" إلى ما هو أبعد من ذلك حين يقرر أن هذا الاستبدال يجتاز السيميولوجيا إلى السيماناليز، فالمفاهيم الخاصة بالنص "تضع أسئلة نقدية للسميولوجيا تدور حول حدودها الخاصة ومفاهيمها الأساسية (التي يتم تأسيسها على فكرة العلامة)، وتبدأ في استبدال السميولوجيا أيضًا من حيث إنها تصبح موضوعًا جديدًا، وتشجع على الدراسة التفصيلية العميقة لممارسة قد تنقلها أبعد من هذه الحدود نفسها: أي الاجتياز أو العبور من السميولوجيا إلى السيماناليز".

تتعلق أولى هذه الخصائص، كما أشرت سلفًا، بالمنتج وما يتم إنتاجه أو المنتج المنجز وعملية الإنتاج. إن العمل هو ذلك الكيان المحسوس الذي يمكن أن تلمسه أو تراه، مثل كتاب يشغل موقعًا على رفوف المكتبة، أما النص فهو ذلك "المجال المنهجي"؛ والفارق بينهما (العمل/ النص) يستدعي التعارض المقترح من قبل "لاكان" بين "الواقع" و"الواقعي"، فـ "الواقع يكون واضحًا معروضًا، والواقعي يتم البرهنة عليه".

إن العمل يكون ثابتًا أما النص فإنه "يتم تجريبه من خلال نشاط ما وإنتاج ما"، وما يقوم بهذا النشاط وعملية الإنتاج أو "التجريب" هو القارئ. إن النص "لا يمكن أن يتوقف (على رفوف المكتبة مثلاً)، فلحظته التشييدية ارتحالية أو اجتيازية، فالنص يمكن أن يجتاز العمل أو العديد من الأعمال (P.57-8).

ومادام النص لا يتوقف، فإنه "لا يمكن أن يتم إدراكه من خلال تراتبية (هيراركية) ما أو حتى من خلال تقسيم بسيط للأنواع أو الأجناس الأدبية". تلك هي الخصوصية الثانية التي يتمايز بها النص على العمل. إن النص لا يقبل الانصياع إلى تلك التقسيمات بل يقوم بعملية تدمير لها، هذا يُمَّكنه من الاستمرارية واجتياز الحدود، بعبارة أخرى: إن النص يتجاوز عن السائد ويقوم بعملية تدميره، فالنص يحاول أن يموقع نفسه وراء الحدود (P.58).

إن قدرة النص على اجتياز الحدود تجعله مرتبطًا بلعبة الدال أو مراح الدال العفوي الذي لا يحيل إلى مدلول مسيج ولكن يحيل إلى سلسلة من الدوال اللامتناهية، هنا نصل إلى الخصوصية الثالثة التي يتمايز بها النص عن العمل. إن العمل ينغلق على مدلول محدد، أي أنه "يوظف بوصفه علامة عامة، ويكون طبيعيًا أنه ينبغي أن يمثل مقولة مؤسسية لحضارة العلامة"؛ وحضارة العلامة هي حضارة التسليع والاستهلاك، على النقيض من ذلك، يمارس النص "تأجيلاً لا نهائيًا للمدلول، والنص يكون معوقًا، ومجاله هو ذلك الدال؛ والدال لا يجب أن يتم تصوره بوصفه "القسم الأول من المعنى"، أي رواقه المادي، ولكن بالأحرى، على النقيض من ذلك، آثاره".

إن النص يشير إلى لا نهائية الدال واللعب الحر أو "التوالد المستمر للدال"، ولذلك يدمر النص المركز، "إنه يتم تشييده أو بنينته ولكن بلا مركز، وبلا انغلاق"، أو بعبارة أخرى: إن النص يشبه اللغة: "نسق بلا نهاية أو مركز".

وتتعلق الخصوصية الرابعة التي يتمايز بها النص على العمل بتعددية النص، "ذلك لا يعني فقط أن له معاني متعددة ولكنه ينجز أو يحقق تعددية المعنى ذاتها: أي تعددية لا يمكن اختزالها". إن النص هو اجتياز وعبور وارتحال دائم، ولا يعتمد على تأويل ينتهي به إلى معنى محدد أو مدلول متعالى ثابت، وإنما يعتمد على "الانفجار، على التبعثر". فتعددية النص لا تعني غموض محتواه، وإنما هي تعددية الدوال التي تنسجه، فالنص نسيج، ولا يمكن أن يكون نصًا إلا من خلال اختلافه، والاختلاف "لا يعني تفرده"، وإنما يشير إلى طبيعته المتناصة، فالنص منسوج كاملاً من "الاقتباسات، والمرجعيات، والترددات: أي اللغات الثقافية". هذه الطبيعة المتناصة تضعه دائمًا في موضع الارتحال الدائم، والاختلاف، وانتهاك الحدود وتجاوزها، وتجعله قابلا للإدراك من خلال استراتيجية التناص، ذلك لأن "النص نفسه يكون متناصًا لآخر".

واستراتيجية التناص لا تبحث عن أصل المعنى، عن "المصادر والتأثيرات لعمل ما التي يمكن أن ترضى أسطورة الأبوة وخرافة النسب، إن اقتباسات أي نص، يكون مؤلفًا منها، تكون مجهولة الأصل ولا يمكن استردادها، ومن ثم مقروء من قبل: إنها اقتباسات بلا علامات تنصيص".

وتتعلق الخصوصية الخامسة التي يتمايز بها النص على العمل بفكرة الأبوة إن العمل يتم إدراكه في التصورات التقليدية من خلال فكرة الأبوة أو النسب، فالكاتب في ظل هذه التصورات يكون معروفًا بأنه "الأب، المالك لعمله، والعلم الأدبي، من ثم، يعلمنا أن نحترم المخطوطة التي لم تطبع والمقاصد المعلنة للكاتب، والمجتمع يسلم بشرعية علاقة الكاتب بعمله". يقوم النص بعملية تدمير لتلك الأبوة وشرعية النسب، مستبدلاً بها شرعية الدال الفاقد لأصله ونسبه، إن النص "تتم قراءته بدون تسجيل الأب واستعارة النص تكون منفصلة عن استعارة العمل، فالأخيرة تشير إلى الصورة لأصل ما واستعارة النص هي تلك الشبكة". النص يتخلق من الكاتب ويقضى عليه، ويستبدل به فاعلية التناص، إن الكاتب لا يمكن أن يعود من خلال نصــه، "إنه يصبح كاتبًا ورقيًا"، أو بعبارة أخرى:"إن الأنا التي تكتب النص لم تكن مطلقًا أي شيء سـوى أنا ورقية".

النص إنتاجي والعمل استهلاكي، تلك هي الخصوصية السادسة التي يتمايز بها النص على العمل، فالعمل "موضوع للاستهلاك"، ويخضع إلى ما يطلق عليه ثقافة الاستهلاك، أما النص فإنه يدفع العمل ناحية اللعب الحر والإنتاج، ويجنبه الوقوع في أسر الاستهلاك، هذا يعني أن النص "يتطلب محاولة لإلغاء (أو على الأقل إنقاص) المسافة بين الكتابة والقراءة، ليس بإسقاط القارئ المكثف على العمل، ولكن بوصل الاثنين معًا في كل واحد وفي الممارسة الدالة نفسها". إن القراءة الاستهلاكية ليست لعبًا بالنص، واللعب Playing يجب أن يدرك بمعنى متعدد: "النص نفسه يلعب (مثل باب يلعب على مفصله متحركًا من الأمام والخلف...) والقارئ يلعب على جانبين: إنه يلعب في النص... أي أنه يبحث عن ممارسة تعيد إنتاجه... ويلعب النص"، أي أنه يؤديه مثلما يؤدي عازف الموسيقى لحنًا يختلف مع كل مرة يلعبه أو يؤديه. إن القراءة الاستهلاكية هي المسئولة بطريقة واضحة عن الملل الذي نشعر به: أن تمل ذلك يعني أن "المرء لا يمكن أن ينتج النص أن يلعبه، أن يحرره أو يطلقه، وأن يجعله مستمرًا".

أما الخصوصية السابعة والأخيرة التي يتمايز بها النص على العمل، فهي ترتبط بفكرة اللذة أو المتعة. إن ارتباط العمل بالقراءة الاستهلاكية تجعل متعة قراءته استهلاكية وجزئية أيضًا، لأنها تتأسس على أن المرء لا يمكنه أن يعيد كتابة ما كتبه كتاب مثل بروست وفلوبير وبلزاك وحتى ألكسندر ديماس، وبطبيعة الحال لن يتمكن اليوم من أن يكتب مثلهم، هذه المعرفة المحبِطة (بكسر الباء) تكفي لكي تعزل القارئ أو تفصله عن إنتاج هذه الأعمال.

إن النص "يكون متصلاً بالبهجة، أي اللذة من غير انفصال...إنه يشارك من خلال طريقته في اليوتوبيا الاجتماعية". إن اللذة لا تفارق النص من حيث كونه نشاطًا إنتاجيًا بهيجًا.

هذه هي الخصوصيات المرتبطة بالنص والتي يمكن إجمالها، مع قدر من الاحتراز، في فكرة النصية والكتابة؛ ولذلك فإن "بارت" ينهي مقاله بالتأكيد على أن "نظرية النص يمكن أن تقترن فقط بممارسة ما للكتابة". وممارسة الكتابة هي التدمير لكل صوت ولكل نقطة بداية أو أصل، إنها تحيل إلى فكرة الدال العائم الشارد الذي يبحث عن مدلوله ولن يجده، وإن وجده فإنه يتحول إلى دال آخر وسلسلة أخرى من الدوال. في لعبة الدال لا يمكن للمرء أن يجزم بمدلول مفرد، متعالى، ثابت. وإذا طرحنا الدال (الاختلاف – الإرجاء) على سبيل المثال، الذي نحته "دريدا" نفسه لوصف فاعلية الكتابة، فإننا سوف نلاحظ كما لاحظ "نوريس" من قبل بأنه يعاني اضطرابًا على مستوى الدال، لأنه "يظل معلقًا بين فعلين في اللغة الفرنسية:أن يختلف وأن يرجئ".

إن لعبة الدال تقودنا حتمًا إلى هذه الملاحظة، إنه ليس ثمة معنى ثابت محدد لـ (الاختلاف- الإرجاء)، إن المعنى قد تم تعليقه أو إرجاؤه إلى الأبد، ولا يستطيع أي منا أن يجزم بأن "دريدا" عندما يوظف هذا الدال أو يستخدمه في كتاباته إن كان يقصد به الاختلاف أو الإرجاء أو كلاهما معًا. إن "الاختلاف- الإرجاء" ليس "مفهومًا ثابتًا، ولا يمكن أن يوظف بوصف مدلولاً ثابتًا، ومن ثم فإنه يمزق ويفكك التراتبية (الهيراركية) المؤسسة تقليدياً بين المدلول والدال، الكلام والكتابة، العمل والنص".

إن "بارت" يعي تمامًا لعبة الدال، ولا ينكر أن هذه اللعبة هي من صنع "جاك دريدا"، لكنه يسهم في إتمام اللعبة، وربما نلاحظ أن كتابة "بارت" ذاتها تسير طبقًا لتلك اللعبة، فهي كتابة "تختفي فيها المسافة بين التأصيل النظري والإنشاء الإبداعي، إذ حين يكون النقد كتابة بالمعنى المحدث للكتابة فإن النزوع العام إلى تدمير مركزية "اللوجوس" يعني تدمير مركزية المفهوم الوحيد الذي يمكن أن تؤديه الكلمات التي يكتبها الناقد. وفي الوقت نفسه يعني هذا النزوع إطلاق حرية القارئ في إعادة ما خطه الكاتب "بارت" من كتابه يمكن أن تتولد بها كثرة من التفسيرات".

وإذا كانت الكتابة هي لعبة الدال، فإن "بارت" لا يمل من الحديث عن الطبيعة المتناصة لتلك الكتابة. هذه الطبيعة تدمر المصدر والتأثير والأبوة، وتنفتح فقط على الدوال مجهولة المصدر والنسب. إن النص "يعيد توزيع اللغة (إنه يكون المجال لإعادة التوزيع هذه). وأحد السبل لهذا التدميرـ التشييد (أي إعادة التوزيع) يكون إبدال النصوص.. إن أي نص هو متناص؛ فالنصوص الأخرى تكون حاضرة داخلة... أي نص هو نسيج جديد من الاستشهادات القديمة. إن بعضًا من الشفرات والصيغ، والنماذج الإيقاعية، وشذرات أو متفرقات اللغات الاجتماعية ترحل إلى النص ويتم إعادة توزيعها داخله، لأن اللغة تكون هناك دائماً قبل وحول النص. والتناص، الشرط لأي نص أياً ما يكون، لا يمكن، بطبيعة الحال، اختزاله أو إنقاصه إلى مشكلة المصادر والتأثيرات؛ فالمتناص هو المجال العام للصيغ مجهولة المصدر، وأصلها لا يمكن أن يكون موجودًا أبدًا، وللاقتباسات اللاواعية والآلية المطروحة بلا علامات تنصيص. إن مفهوم المتناص، ابيستيمولوجيا، هو ما يجلب إلى نظرية النص كتاب أو مجلد النشاط الاجتماعي: أي اللغة برمتها، السابقة والمعاصرة".

لا يبدو غريبًا أن يتردد في لعبة الدال عند "بارت" أطروحات "كريستيفا" حول التناص والنص بوصفه إنتاجية، لأن "كرستيفا"، كما يطرح "بارت" في مراجعته لكتاب "سميوتيك"، "تقدم إلينا نظرية في السميولوجيا: أي أن السميوطيقا يجب أن تكون نقدًا للسميوطيقا".

ولأن كرستيفا قدمت تلك النظرية والمفاهيم المرتبطة بها مثل التناص والنص والإنتاجية "لكي تواجه الأنظمة المغلقة للبنيوية مفضلة عليها الأنظمة المفتوحة الما بعد البنيوية". إن "بارت"، مثل "كريستيفا"، يقوم بعملية مواجهة للأنظمة المغلقة للبنيوية، مستبدلا إياها بلعبة النص والدال والكتابة التي تفتح هذه الأنظمة على ما سواها، وفي ظل عملية الاستبدال هذه لا يكف "بارت" عن استدعاء "كرستيفا" و"دريدا" وغيرهم.

فيما يخص فكرة التناص، فإن "بارت" يقر في أكثر من موضع أن الفكرة تعود إلى "كريستيفا". في كتابه "التحدي السميوطيقي" يقرر أن النص يشير إلى نصوص أخرى، وهذه الخاصية يطلق عليها، "التناص"، وهي فكرة "مقترحة من قبل "جوليا كرستيفا"، إنها تتضمن أن أي ملمح في الخطاب يرتد إلى نصوص أخرى". وربما لا نفهم كثيرًا ما يطرحه "كودن" بأن منظورات "كرستيفا" حول التناص "تختلف تمامًا عن تلك التي يطرحها رولان بارت "؛ و"كودن" لم يقدم إلينا شرحًا لذلك أو يوضح ما نوع الاختلاف بين "كرستيفا" و"بارت"، وربما لا نجد فرقًا جوهريًا بين ما تطرحه" كرستيفا" وما يطرحه "بارت"، لسبب بسيط وهو أن هذه الفكرة تم تقديمها في الحلقة البحثية لـ "بارت"، و"كرستيفا" و"بارت" يطرحان فكرة التناص لتأكيد الطبيعة الإنتاجية للنصوص. لكن يمكن أن نجد اختلافًا جوهريًا بين ما يطرحه "بارت" و"كرستيفا" حول فكرة التناص وما يطرحه "جيرار جينيت" حول الفكرة ذاتها، إنني أعتقد أن "جينيت" يؤمن بفاعلية النسق المغلق، وربما يتجاوب معه "مايكل ريفاتير" في ذلك بتشديده على الاكتفاء الذاتي للنص. إن هذا هو ما سوف نقوم بفحصه في الفقرة اللاحقة.

أستاذ النقد الأدبي المشارك ـ كلية دار العلوم – جامعة المنيا


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1486


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة