الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
من أساطير الإغريق: أورفيوس ويوريديسي
من أساطير الإغريق: أورفيوس ويوريديسي
من أساطير الإغريق: أورفيوس ويوريديسي


03-24-2015 03:26 AM


زيوس علم بما حدث، فقرر تخليد موسيقى أورفيوس، بأن رفع قيثارته إلى السماء. وجعلها برجا من أبراج السماء، إلى جوار برج الدجاجة أو البجعة.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد زكريا توفيق

أصبحت روحا، واختفت في لمح البصر

أورفيوس، أبوه ملك تراقيا، وهي بلاد ما بين اليونان وتركيا حاليا. أمه، كاليوبي، من الموزيات التسعة، إلهات الفن والعلم والشعر والموسيقى. تربى في أحضان أمه وعماته.

كان يهوى الموسيقى منذ نعومة أظافره. أعجب به أبولو، فأهداه قيثارة ذهبية، وعلمه أصول الموسيقى والعزف. أمه علمته قرض الشعر ونظم كلمات الأغاني.

نشأ كموسيقي شاعر، لم ير العالم مثيلا له. كان الصيادون يتوسلون له لكي يرافقهم في رحلات صيد الأسماك. كان يغني لهم في الصباح، فتطل الأسماك برؤوسها من الماء، لكي تصنت لموسيقاه. وكان الصيادون ينسون صيدهم، ويجلسون يستمعون هم أيضا إلى موسيقاه وغنائه الساحر.

عندما كان يغني، يتبعه الناس والحيوانات، الأغنام والبقر والماعز. وتتبعه أيضا وحوش الغابة وحيواناتها المختلفة. الطيور والغزلان والذئاب والثعالب والدببة. تنسى غرائزها في القنص والافتراس، وتجلس لتصنت وتستمتع بالموسيقى.

ليس هذا فقط، ولكن الأحجار والأشجار. النساء بصفة خاصة، كن مغرمات بفنه إلى درجة الجنون. يتبعنه أينما يذهب لكي يعزف ويغني لهن.

الوجوه كانت تتغير مع مرور الوقت. باستثناء وجه واحد، كان دائما أمامه. كانت دائما بالقرب منه، سواء كان يعزف للناس أو الحيوانات أو الأشجار أو الصخور. حورية في غاية الجمال. عينان كحيلتان وشعر أسود فاحم وبشرة ناعمة ووجه أبيض وخدود وردية.

في أحد الأيام، انتحى بها جانبا وتحدث إليها. اسمها يوريديسي. أخبرته بأنها لا تريد شيئا من هذه الدنيا، سوى أن تكون إلى جواره. هي لا تطمع في أن يبادلها حبا بحب، وتعرف أن هذا غير ممكن. ولا تمانع أن تكون جارية له حتى تظل بجانبه.

هذا بالطبع ما يريد أن يسمعه أي رجل منا، وفي أي سن. خصوصا لو كان موسيقيا شاعرا. أورفيوس له معجبات كثيرات بغير عدد. يستطيع أن يختار من بينهن ما يحلو له. لكنه تيقن أن هذه بالذات هي التي يريدها زوجة له.

عاش أورفيوس ويوريديسي، في بيت صغير بجوار النهر، وسط الخمائل والزهور، سعداء في بيت الزوجية لمدة سنة ويوم. لا يغادران عشهما السعيد إلا في النادر.

بدأ الناس يتساءلون وينشرون الشائعات. البعض يتعجب من تغيب أورفيوس على غير عادته، ومن صمت قيثارته المفاجئ. قد يكون قد مات ميته طبيعية، أو قتل بسبب منافسته للإله أبولو في الموسيقى والعزف على القيثارة.

منهم من يقول بأنه قد أحب جنية الماء، يوريديسي، التي أخذته لكي يعيش معها في قاع النهر. يظهران فقط عند الفجر بالقرب من الشاطئ لكي يعزف أورفيوس على الناي.

آخرون يدعون بأنه قد تزوج ساحرة، غيرت من صورتها لكي تبدو جميلة في نظره، مما جعله يلتصق بها ولا يستطيع فراقها ولو للحظة واحدة.

أريستيوس، أحد ملوك مدينة أثينا، وابن أبولو من الحورية سيريني، قرر أن يجد بنفسه ما قد حدث لأورفيوس، ويكتشف سبب غيابه، أو يستمع على الأقل إلى عزفه على الناي وقت الفجرية.

ذهب أريستيوس ذات صباح قبل بزوغ ضوء النهار، واختبأ في تجويف شجرة بالقرب من بيت أورفيوس، وظل يراقب ما يحدث من بعيد. بعد يومين وليلتين، رأى أخيرا فتاة تخرج من البيت في الصباح وقت الفجر.

شقت الفتاة طريقها بين نباتات البوص الكثيفة في اتجاه النهر. تبعها أريستيوس، فوجدها تخلع ملابسها لتستحم.

بدون أن ينبس ببنت شفة، اندفع أريستوس صوبها كخنزير بري، يشق طريقه خلال نباتات البوص. نظرت يوريديسي فرأت غريبا يتجه بسرعة نحوها.

جفلت وفرت. جرت بسرعة وهي عارية، تخطو وهي حافية على الأرض المغطاة بالحشائش ونباتات البوص. سمعت وقع خطاه وأنفاثه وهو يلهث خلفها.

ضاعفت من سرعتها للهرب والاختباء خلف أكمة الأشجار القريبة. لكنها داست بقدميها الحافيتين على حية رقطاء سامة كانت ملتفة خارج جحرها. قامت الحية بلدغها في ساقها عدة لدغات. مما تسبب في موت يوريديسي في الحال، وسقوطها جثة هامدة.

ظل يبحث أورفيوس عن زوجته الحبيبة يوريديسي حتى الغروب. أخيرا، لمح جسدها ملقى على الأرض بالقرب من النهر. الإله هيرميس، كان قد زارها وقبض روحها لكي يعبر بها نهر ستيكس إلى العالم الآخر، عالم الأروح تارتاروس. نقل أورفيوس جثمان زوجته إلى البيت.

ظل ينظر أورفيوس إلى جثمان يوريديسي. لم يبك، بل ظل ينظر. كان وجهها شاحبا وقدماها مغطاه بالطمي. حاول أن يعزف على قيثارته، فلم يستجب إلا وتر واحد، بنغمة حزينة. رمى القيثارة، ثم صرخ قائلا:

"لا، لا. يوريديسي لم تمت، ولا تنتمي إلى عالم الأموات. هذا غير ممكن. سوف أفعل شيئا لتصحيح ذلك".

ذهب أورفيوس إلى أقرب ممر جبلي يوصله إلى العالم الآخر، تارتاروس. ممر أفيرنوس. مشى أورفيوس وسط الضباب البارد ليل نهار، حتى وصل إلى نهر ستيكس، الذي يفصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات.

رأى أورفيوس أشباحا تنتظر المعدية لعبور النهر. لم ير بينهم روح زوجته يوريديسي. لا بد أنها سبق عبورها. جاءت المعدية، وأنزل المراكبي، خارون، السقالة لكي يعبر عليها الأموات إلى المركب. كل منهم كان يتحسس العملة المعدنية تحت لسانه. هذه هي أجرة المراكبي نظير التوصيلة.

أوقف المراكبي، خارون، أورفيوس عندما حاول الركوب. صاح فيه قائلا: "ابعد أنت. هذه المعدية فقط للأرواح. وأنت لم تمت بعد".

أمسك أورفيوس بقيثارته وبدأ في الغناء. أغاني خاصة بالأنهار والمراكبية. مياه صافية تنساب في مجرى الأنهار وهي تعكس كل ألوان الطيف المختلفة.

الصيادون وهم يلقون شباكهم في الصباح مع شروق الشمس الذهبية. أريج الزهور يفوح مع النسيم في الصباح ووقت الأصيل.

خارون يصنت بشغف للموسيقى التي لا تقاوم. كلمات الأغاني جعلته يتذكر حياته قبل أن يكلفه هاديس، إله العالم السفلي، بهذا العمل. كان خارون مستمتعا غارقا في ذكرياته إلى درجة أنه أسقط المجداف من يده. إلتقطه أورفيوس وباشر التجديف، وخارون لا يزال في حالة غيبوبة يبكي وينهنه من تأثير الموسيقى والكلمات عليه.

وصلت المعدية إلى الشاطئ الآخر. نزلت الأرواح وسارت في اتجاه بوابة العالم السفلي، يتبعهم أروفيوس. عندما اقتربوا من البوابة، سمع أورفيوس صوت عواء رهيب. عواء كلب ضخم له ثلاثة رؤوس. كل رأس أقبح من الأخرى. هذا هو الكلب سيربيروس، أبو ثلاثة رؤوس، حارس بوابة تارتاروس.




ماذا يفعل أورفيوس؟ أمسك بقيثارته وبدأ يعزف. أغاني صيد الغزلان ومطاردة الذئاب، وحيوانات تحاول الإمساك ببقع النور والظلال. سيربيروس، أرخى جفونه وأغمض عيونه السته.

نام يحلم بالأيام التي كان فيها كلبا حقيقيا، قبل أن تغيره الآلهة إلى وحش بثلاثة رؤوس، لا يصلح إلا لحراسة بوابة العالم السفلي. هذه كانت فرصة أورفيوس للمرور من بوابة تارتاروس.

مشى أورفيوس مع الأرواح وعبر حقول الزنبق وهو يعزف على قيثارته. الظلال الكثيفة تصدر أصواتا مثل أصوات الخفافيش. توقف سيسيفوس عن دفع الحجر أمامه أعلى التل، ووقف ينصت إلى الموسيقى.

تانتالوس، الذي يعاقب بالعطش والجوع الأبدي، توقف عن محاولة الوصول إلى الماء لكي يستمع. قضاة العالم السفلي، مينوس، رادامانثيس، وأياكوس، سمعوا الموسيقى وهم جلوس على منصتهم المرتفعة، فأصيبوا بالخدر وباتوا يحلمون بالأيام الخوالي.

هاديس، إله العالم السفلي، عالم الأموات، جلس على عرشه، ينتظر أورفيوس. هذا الحي الذي خالف كل الأصول، وجاء لكي يخترق قانون الآلهة، ويتحدى القدر.

صاح هاديس وهو على عرشه قائلا:

"كف عن هذه الحيل الرخيصة والعزف على آلتك الموسيقية. أنا رب العالم السفلي. غضبي لا يطفأ، وأوامري لا تلغى. لا أحد جاء إلى مملكتي، تارتاروس، وهو حي قبل أن يستدعى. لا أحد من قبل، ولا أحد من بعد."

أمسك أورفيوس بقيثارته، وغنى أغنية تصور المراعي الخضراء والخمائل، وغادة هيفاء تقف لترسم باقة من الزهور، وهالة من النور تحيط برأسها.

بيرسيفون، زوجة هاديس، كانت تجلس بجوار زوجها تستمع إلى الموسيقى. بدأت تبكي. فقال هاديس مخاطبا أورفيوس: "كلماتك قد أثرت في زوجتي ملكة العالم السفلي وجعلتها تبكي. فماذا تريد، وما الذي جعلك تأتي إلى هنا؟"

أجاب أورفيوس: "زوجتي".

هاديس: "وما شأننا نحن بزوجتك؟"

أورفيوس: "إنها هنا. لقد أحضروها اليوم. اسمها يوريديسي. أود أن آخذها معي وأعود بها إلى عالم الأحياء".

هاديس: "هذا لم يحدث قط. هذا يعني كارثة محققة".

أورفيوس: "ليس بالضبط أيها العظيم هاديس. عمل واحد رحيم منك، سيمر كومضة برق وسط أحكامك القاسية. الكون يوجد بنسبة وتناسب. والأعمال تزهو بأضدادها. الآلهة نفسها، جزء من هذا الكون.

هذا العطف الزائد، سوف يجعل الفعل القاسي يبدو كأنه عدل على طول الزمن. أرجوك وأتوسل إليك أن تعيد لي زوجتي الحبيبة، أيها الإله العظيم. فانا لن أبرح هذا المكان بدونها."

أمسك أورفيوس بقيثارته وبدأ العزف ثانية. سمعته الجنيات فطارت حول هاديس وهي في صورة طيور، ترفرف بأجنحتها ومخالبها النحاسية، فتصدر أصوات أجراس تتناغم مع موسيقى أورفيوس.

الساحرات الشريرات، أصبحن في وداعة الحمام الزاجل، وأخذن يرددن: "هذه المرة فقط يا هاديس. دعه يأخذها معه."

وقف هاديس وعلى رأسه قلنسوة سوداء. خفض رأسه ونظر إلى أورفيوس قائلا: "لقد تركت أوراق الغار والاحتفالات لابن أخي أبولو. لكنني، حتى أنا إله الموتى، يمكنني أن أتـأثر بالمواقف العاطفية.

اسمعني يا أورفيوس. يمكنك أن تسترجع زوجتك من عالم الأموات. سوف تكون في عنايتك، وستكون مسئولا عن خروجها من تارتاكوس إلى عالم النور.

لكن، إذا حدث أثناء رحلة العودة، أنك نظرت خلفك ولو لمرة واحدة، فسيلغى قراري هذا، وستؤخذ يوريديسي منك ثانية وإلى الأبد. الآن اذهب، وستجدها تسير خلفك إلى أن تخرج من هنا".

انحنى أورفيوس لهاديس وبيرسيفون زوجته، ثم ترك المكان وهو يبتسم. بينما كان يعبر أورفيوس حقول تارتاروس عائدا، يوريديسي كانت تتبعه. لم يكن يراها. كان يعرف أنها خلفه. ولا بد أن يسمع خطى أقدامها وهي تتبعه.

لكن حشائش الأرض السوداء كانت كثيفة. لم يعد متأكدا من سماع وقع أقدامها. كان يعتقد أنه سيحس بأنفاثها خلفه. لكن الهواء كان ملبدا بالصراخ والعويل. فلم يعد واثقا من أنها تتبعه.

هاديس لم يكن يمزح، حينما قال بأن يوريديسي سوف تتبعه إلى عالم النور. ظل أورفيوس يمشي وسط الحقول متجها إلى بوابة تارتاروس.

البوابة كانت مفتوحة، والكلب سيربيروس، لا يزال في سبات عميق. مر أورفيوس من فوق الكلب. الآن لا بد أن يسمع وقع أقدام زوجته. فهو لا يستطيع أن يلتفت وراءه لكي يراها.

هو غير متأكد من وجودها خلفه بسبب صراخ الجوارح المعلقة في الهواء فوق النهر، ستيكس. ثم، سمع أورفيوس وقع أقدام خلفه. لا بد أنها هي. لماذا؟ لأنها تمشي بخفة، وهذه هي مشيتها.

ذهب أورفيوس إلى المعدية. كان هناك ضجيج الأرواح المنتظرة على الجانب الآخر من النهر، للعبور إلى تارتاروس. لذلك لم يتأكد أورفيوس أنه يسمع خطى زوجته، ولم يسمع صوت أنفاسها خلفه.

كيف يعرف أنها خلفه؟ وكيف يتأكد أنها ليس حيلة من هاديس؟ وهل رب الأموات هاديس، الذي يضع على بوابة تارتاروس كلبا له ثلاثة رؤوس، يعرف الرحمة بمجرد سماعه لأغنية؟ وهل من تتبعه، هي زوجته يوريديسي، أم صدى أحلامه؟

هل تبلغ قسوة هاديس الحد، بأن يعدني بعودتها ثم يغدر بي، ويجعلني أعود بعد رحلة العذاب هذه بدونها؟ هل هذا معقول أن أعود خاوي الوفاض هكذا؟

بسرعة، التفت أورفيوس خلفه لكي ينظر. كانت زوجته خلفه، كما وعد هاديس. أنها هي يوريديسي نفسها. مد يده لكي يمسك بيدها ويخرجها إلى النور.

لكن يدها وباقي جسمها تحول إلى ضباب. أصبحت روحا، واختفت في لمح البصر من أمامه. عادت إلى عالم الأرواح، تارتاروس.

الآن فقد أورفيوس زوجته إلى الأبد. لأن الروح لا تعود للجسد إلا مرة واحدة.

عاد أورفيوس من العالم السفلي حزينا بائسا وفي حالة يرثى لها. أخذ يهيم على وجهه في البلاد، يعزف الألحان الحزينة. بالرغم من حزنها، إلا أنها كانت ألحانا رقيقة عذبة.


أثناء طوافه بالبلاد، سمعته مجموعة من الصبايا الجميلات. طلبن منه أن يكف عن حزنه الشديد، ويخفف عن نفسه ويختار واحدة منهن كزوجة له، لكنه رفض وفاء لزوجته المتوفية.

أصيبت الصبايا بخيبة أمل كبيرة، وجرحن في كبريائهن. أعمتهن الغيرة فقررن قتل أورفيوس المسكين. أثناء نومه، قمن بقتله وتقطيع جسده إربا، ثم ألقوه مع قيثارته في النهر.

علم زيوس كبير الآلهة بما حدث، فقرر تخليد موسيقى أورفيوس، بأن رفع قيثارته إلى السماء. وجعلها برجا من أبراج السماء، إلى جوار برج الدجاجة أو البجعة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1657


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة