الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
عزالدين قنون يترجل تاركا المسرح الأفريقي بلا عراب
عزالدين قنون يترجل تاركا المسرح الأفريقي بلا عراب
عزالدين قنون يترجل تاركا المسرح الأفريقي بلا عراب


03-31-2015 03:09 AM
المخرج المسرحي التونسي مبدع 'آخر ساعة' باغتته ساعته وهو في ذروة العطاء بعد أن حوّل كرسي السلطة إلى كرسي اعتراف.

العرب

برحيل المسرحي التونسي عزالدين قنون أمس الأول الأحد 29 مارس الجاري، عن عمر لا يتجاوز الستين عاما بكثير، فقدنا مخرجا مبدعا كبيرا أثرى المسرح في بلاده والعالم العربي بتجارب مبهرة ذات مستوى جمالي وفكري رفيع طوال ثلاثة عقود، رفقة رفيقة دربه الممثلة والكاتبة المسرحية ليلى طوبال، نال معظمها جوائز مهمة، في مهرجانات عربية ودولية، وعرض بعضها في أوروبا وأميركا اللاتينية.

الراحل الكبير عزالدين قنون أدار ورشات تكوينية في فن التمثيل والإخراج في عدد من الدول الأوروبية والأفريقية ضمن المعهد الدولي للمسرح، وأنشأ أول مركز عربي أفريقي للتكوين والبحوث المسرحية. وأسس فرقة المسرح العضوي، وافتتن عام 1985 بقاعة قديمة للسينما، في العاصمة تونس، كانت آيلة إلى السقوط وحولها إلى فضاء “الحمراء” للمسرح والفنون.

بدأ قنون تجربته المسرحية مخرجا في بداية سبعينات القرن الماضي، في إطار المسرح المدرسي ومسرح الهواية، ومنذ العام 1981 حتى أواخر العام الماضي أخرج نحو عشرين مسرحية، منها “الصفقة”، “ليلة ضائعة تعود”، “الدالية”، “المصعد”، “طيور الليل”، “حب في الخريف”، “نواصي”، “رهائن”، “آخر ساعة” وآخر أعماله “غيلان”.

في عام 1988 أتيحت لي أول مرة فرصة مشاهدة عرضه البديع “الدالية” الذي قدمه في فضاء مفتوح هو “وكالة الغوري” (بشارع محمد عبده في حي الأزهر بالقاهرة)، ضمن الدورة الأولى لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وقد استثمر قنون هذا الفضاء التراثي بساحته وطوابقه وأدراجه والبركة استثمارا فرجويا ذكيا أضفى على العرض قيمة جمالية ودلالية لا تُنسى.

بعد عشر سنوات شاهدت تجربة أخرى لقنون هي عرض “النواصي”، إنتاج مشترك مع فرقة الفوانيس الأردنية، في أيام عمّان المسرحية، وهو عرض يقدم مقاربة درامية لمشاكل يومية في سياق ميثيولوجيا يعيشها أشخاص عاديون، ويرتكز أساسا على أداء الممثل، الذي يحاول أن يضيء المختلف واللامتعارف عليه، ضمن البحث عن أشكال وأنماط أدائية جديدة.


وتستند فكرة العرض إلى بحث الإنسان العربي عن مسألة الهوية أو الانتماء، في ظل انهيار القيم، وتداخل المعايير، والتراجعات المرعبة على الأصعدة الروحية والمادية. ويتبدّى في سياق الحكاية: ضياع الحب، وانكسار الأحلام، وتراكم آليات القمع الاجتماعي تحت عناوين وشعارات متعدّدة. وفي هذا الإطار يغدو الفضاء العربي موحدا حيث السلطة الأبوية تفرض سطوتها، فتمنع الغناء والكلام والهواء، وتضع الحواجز، وتكرّس العقد النفسية من خوف وتردّد وإذعان.

رهائن الإرهاب

العرض الثالث المتميز الذي شاهدته لقنون في تونس هو “رهائن” عام 2006، ويتناول قصة ستة مسافرين لا شيء يوحد بينهم سوى السفر صوب المجهول، صوب البحث عن مستقبل آخر، عن فضاء آخر، عن هويّة، عن حرّية.

كانوا ينتظرون موعد انطلاق الباخرة لمّا فاجأهم عدد من الإرهابيين دون تحديد هوّيتهم، واختطفوهم ورموا بهم في غياهب فضاء مغلق من كل جانب، فيحدث اللقاء بينهم رغم الظلام، ويتحدثون عن مصائرهم وأحلامهم وآلامهم.

ويعيش المختطفون وقتا طويلا قاسيا لا يستطيعون تحمّله لولا الكلام؛ إنهم يهربون من الخوف والرعب إلى الكلام، فيتحدّثون ويتحدثون، ويتحوّل الخوف إلى قوّة داخلية لمواجهة الإرهاب والتطرف.

وفي النهاية يدركون أنّ الهرب إلى المجهول هو الذي يشجع الإرهابيين على المضيّ في تحقيق أهدافهم المعطّلة للعقل والحداثة، ولذا عليهم أن لا يسافروا، بل يواجهوا مستقبلهم بثقة جديدة في أنفسهم تدفعهم إلى تنقية المجتمع من الإرهابيين، لكن أيضا بمقاومة الأسباب التي جعلت الإرهاب يعشش في النفوس.

يقدم هذا العرض، الذي كتبت نصه ليلى طوبال، أحزان الشخصيات المختطفة على شكل مونولوجات قصيرة تعرّف المتلقي على دواخلها الممتلئة بأحلام بسيطة دون أن تتمكن يوما من جعلها حقيقة، وإن كان يبدو الأمر على غير هذا النحو بالنسبة للفتاة التي تحلم بأن تكون مطربة مشهورة، أو لاعب كرة القدم الذي يقدم نفسه في ذلك الظلام الدامس، وهو رهينة، على أنه لاعب كرة قدم شهير إلى أن نفاجأ بأن تلك الفكرة من صنع هواجسه فقط.

وفي المقابل ليست كل شخصيات العرض لديها طموحات؛ فالفتاة “صوفيا”، الموظفة اللطيفة، تحب كل الناس إلى درجة أنها تهدي خاطفيها أغنية لا تشفع لها. وأكثر الشخصيات المحتجزة إثارة للاستغراب ليس ذلك “الولد” الذي يهرب من سيطرة والدته ورعايتها، بل تلك المرأة المريضة نفسيا التي عاشت في مصحّ عقلي لاتهامها بقتل ابنتها.

ومع ذلك ما علاقة هؤلاء المخطوفين البسطاء بالقضايا الكبرى التي يتنازع عليها الكبار؟ هذا هو السؤال الذي يصدره العرض حين يظهرهم محشورين في مكان مظلم، عاجزين عن مواجهة قوى مسلحة، فلا يمتلكون سوى الحوار، ولا شيء يساعدهم في الخروج من محنتهم، إنهم رهائن يخافون من النسيان والتحول إلى ذكرى، ووسائل الإعلام تستغل الحدث وتتعامل معه بوصفه سبقا صحفيا.

في عرضه الأخير “غيلان”، نص ليلى طوبال أيضا، الذي شارك في مهرجان “الرقص على الحافة” في هولندا عام 2013، يقدم قنون نقده اللاذع لنماذج اجتماعية مختلفة، مكبلة بموقعها ومكانتها الاجتماعية بعد “ثورة الياسمين”، لتعيد إنتاج الواقع السابق، وعلاقات السلطة في المجتمع. ثمة خمس شخصيات تحول دون تحقيق أحلام التغيير التي حلم بها الشعب التونسي.

ما يجمع بين هذه الشخصيات هو التواطؤ وخيانة مرجعية الثورة، ما بين النظام السابق والأيديولوجيا المتغلغلة في ما بعد، في شؤون المرأة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، نجدها مكبلة بمكانتها وكراسيها، لا تمتلك القدرة على تحرير نفسها، محكومة بالخوف والمصلحة الذاتية والوعي الزائف واليأس.

"غيلان" التواطؤ

تقوم الشخصيات في "غيلان" بسرد رواياتها المتناقضة بامتياز لتكشف انفصامها الداخلي وأقنعتها، وسرعان ما يتحول كرسي السلطة إلى كرسي اعتراف، وينقلنا العرض إلى لحظة الكشف عن الأقنعة والمواجهة بين أحلام “الثورة” وخريفها. وحتى في لحظة دفعها إلى التوبة ثمة صوت قوي وخطاب زائف يهيمن عليها. وتروي إحدى الشخصيات أنه بدلا من “تداول السلطة”، يوجد “تدافع على السلطة”.

تتمرّد المسرحية على صورة “المثقف التقليدي”، ونسمع صراخا وأنينا لأمهات الشهداء والثورات الأخرى وللمتألمين والغارقين في السفن، هربا من الواقع الاجتماعي الجديد، الذي -للمفارقة- يجري الاحتفاء به في المحافل الرسمية.

ينتهي عرض “غيلان” بحنين إلى أيام الثورة الأولى، وتونس في أيام 13 و14 و15 و16 يناير 2011، حين التحم الناس معا بحلم التغيير والحرية والقلب الواحد، حين كانت عبارة “صباح الخير” و”مساء الخير” خارجة من القلب والمشاعر الوطنية الصادقة. ورغم الواقع الشائك الذي تعكسه المسرحية حول تونس ما بعد الثورة، فإن الأمل بالحرية يظل قائما.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 518


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة