الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
بلادها هي روح أبيها المكسورة التي تحاول إحياءها بالشعر… السورية أفين إبراهيم: المرأة لا تزال تحمل وزر الخطيئة الأولى
بلادها هي روح أبيها المكسورة التي تحاول إحياءها بالشعر… السورية أفين إبراهيم: المرأة لا تزال تحمل وزر الخطيئة الأولى
بلادها هي روح أبيها المكسورة التي تحاول إحياءها بالشعر… السورية أفين إبراهيم: المرأة لا تزال تحمل وزر الخطيئة الأولى


03-31-2015 08:53 PM
حاورها: مغيرة حسين حربية
تعني كلمة «أفين» باللغة الكوردية: الحب. وكأن الشاعرة الكوردية السورية أفين إبراهيم تريد أن تخرج، طازجةً، كل لحظة، من أسطورة كردية قديمة، مفعمةً، كقلب الصبيات، بالشعر والحب معاً.
تقول عن الشعر: كل الموت وشيء يشبه الحياة التي تريدنا أن نكون، هو فخنا الرائع للوجود، إيماننا الخفي الذي لا نراه. وتقول عن الحب: أن تكون جهة واحدة لكل الطرق التي في داخلك. وتضيف لـ(البعيد) في هذا الحوار الذي جاء عفواً: أصرخ بالشعر في الاتجاه الذي قطع صوتي يوماً ما. بالكتابة أذهبُ إلى وجود الحياة بكل ما فيها من خير وشر، لأصل إلى جدواي.

■ من أين تنهلين قصائدك أفين؟
□ من الآلهة الكثيرة في روحي، من أغنياتي الرائعات.
■ في أي وقت تزورك؟
□ هي معي دائماً، لا تزورني. نحن أصدقاء متحابون.
■ ماذا يعطونك أيضاً غير الشعر؟
□ كل ما أحتاجه من حُزن وفرح لكتابة قصيدة، كل ما أحتاجه لأحب هذا الكوكب التعيس، كل ما أحتاجه لأبتسم في وجه طفليَّ الجميلين، كل ما أحتاجه لأحتوي الأشجار والطرق والعصافير، كل ما أحتاجه لأتذكر جثة أبي الباردة ولا أبكي.
■ هل الشعر عزاؤك ضد خراب العالم؟
□ بل ضد خرابي، ضد قيامتي ومن بعد يأتي العالم.
■ كيف سيكون العالم لو أنه خلا من الشعر، كيف ستكونين؟
□ لو لم يكن هناك شعر، لكنت ذلك الفراغ الذي أبحث عنه. ربما لكنتُ تلك الشجرة التي كنتُها قبل عامين، أو ذلك الحريق الرائع الذي صقل روحي وحوَّلني لماء، أو ذاك الضوء الذي وصلت لنهايته ولم ينتهِ الشعر بعد.
■ أين عشتِ طفولتك؟ ماذا رأيتِ هُناك؟
□ عشتُ طفولتي في دمشق. رأيتُ الكثير من الياسمين والنساء الجميلات. رأيت عَرَقَ أبي الكثير ورائحة الحياة حين تفوح من حجاب امرأة أربعينية. رأيتُ كُرديتي المجروحة الخجولة والكثير من الأغاني التي كنتُ أحفظها كي أؤكد للجميع أن الكرد أيضا يعشقون الأغاني ويجيدون الحياة.. لأؤكد أنني كردية وكل سوريا لي..
■ * وكيف تعثرتِ بالشِّعر؟ متى كتبتِ أول نص؟
□ منذ قيَّد الله روحي في جسد، منذ منحني البكاء الأول. أذكرُ كان عمري 14 ربيعاً عندما كتبتُ أول نص. كتبتُ قبلها لكنني كنتُ أُخفي قصاصة الورق.
■ ومتى نضجتِ كشاعرة؟ مع أي نص؟
□ لا أذكر. ربما لا يوجد نضوج في الشعر.
■ هل تدافعين بالكتابة عن وجودك؟ هل الشعر سلاح نرفعه في وجه القتلة؟
□ أعتقد بالكتابة أذهبُ إلى وجود الحياة بكل ما فيها من خير وشر لأصلَ إلى جدواي، الكلمة رصاصة ممتلئة وليست سلاحاً، رصاصة ممتلئة بخير الخير الذي في أرواحنا، بالأحرى، هكذا أشعر بعيداً عن الاعتقادات والموروثات الثقافية والدينية والتربوية.
■ هل تحررنا الكتابة؟ أم هي نفسها سلطة بكل آليات عسفها وجبروتها وطغيانها؟
□ هي احتلالنا الحر لأرواحنا، هي تلك الأداة الغريبة التي تفتح كل الغرف وتكسر المرايا وتُفَهْرِس الفراغ الذي يصلنا بالبداية والنهاية معاً. هي لعنة وضوء، هي فطرتنا الأولى وموتنا الألْف، ما قبل الأخير.
■ المرأة هنا لا تزال تحتمل وزر الخطيئة الأولى، إنها مكبلة بوظيفة جسدها الدارجة. هل شعرك احتجاج أبدي ضد هذا؟ هل تسعين لتحرير الجسد، ليكون جسد الإنسان وليس الأنثى؟
□ بل أحاول أن أرتقي بمشاعر الإنسان لدرجة يحترم بها كل ما أعطته الآلهة من تنوع، احترام وفهم هذا التنوع، احترام الرجل للمرأة التي في داخله واحترام وقبول المرأة للرجل الذي في داخلها.
■ نصك الشعري يمتاز بطول النفس ويستفيد كذلك من تقنيات الأجناس الأخرى. حدثيني عن لحظة الكتابة؟
□ لحظة الكتابة عمر كامل من الوحل والحريق والماء والضوء، هي كل شيء ولا شيء.
■ أي موت هو الشعر، أي حياة؟
□ هو كل الموت وشيء يشبه الحياة التي تريدنا أن نكون، هو فخنا الرائع للوجود.
■ هل يجدي الشعر في زمن العنف والتطرف، زمن الذبح اليومي المجاني والفظ، زمن القتل بلا هوادة؟
□ لا أدري، ربما عندما يكون الألم كبيراً نلجأ للشعر، للمصحة الوحيدة الدافئة في داخلنا على وجه هذا الكوكب التعس.
■ وماذا عن سوريا الذبيحة؟
□ سوريا؟ هي أبي الذي مات وعيونه مكسورة وحزينة، هي روحه التي أحاول إحياءها بالشعر كلما اشتقت إليه ولدميتي في ذلك المنزل المهجور، البعيد جداً القريب جداً.
■ والمهجر؟ تغريبتك لعشرين عاماً؟
□ المهجر هو غصة طفلة لا تود أن تكبر، هو شارع طويل جداً في يوم ماطر وبارد، هو أرجوحة وحيدة هجرها العيد والأطفال، هو مستقبل طفليّ الجميلين والجحيم الذي علمني الكثير وأخذ مني ما لم يستطع أن يأخذه الشعر: صباي وشعري الأسود. هو تلك المفاتيح التي ضاعت وما زلت أبحث عنها.
■ بالشعر، في أيِّ اتجاه تصرخين؟
□ في الاتجاه الذي قطع صوتي يوماً ما. في اتجاه الطرق البعيدة هناك في داخلي، الطرق التي أخاف المرور بها من دون أن يمسك يدي الشعر.
■ مجموعتك الأولى كيف تكلمت؟
□ مجموعتي الأولى لم تتكلم، كانت مجرد وحل، وحل كثير لا أكثر.
■ هل الشاعر ضال بالضرورة، متمرد أبداً؟
□ لا أدري لا تشدني فلسفة الأسئلة الوجودية لم أفكر بهذا.
■ وهل لديك تعريفك الخاص للشعر؟
□ لا أدري، لم أفكر بحبس الشعر في تعريف. أستطيع التحدث عنه طويلاً. ولا أستطيع تعريفه في سطر أو جملة، حتى الآلهة لا تستطيع فعل ذلك.
■ كيف ستتكلم مجموعاتك التالية؟
□ لن تتكلم.. ستبتسم فقط هكذا كما أفعل أنا الآن.
■ قصيدة النثر؟
□ كل إجاباتي السابقة معاً أجمعها؛ ستكون قصيدة نثر.
■ أليس هذا استسهالاً للشعر؟ أليس الشعر أمراً خطيراً؟
□ لا أدري لماذا أشعر برغبة شديدة في الضحك، الشعر خطر، ربما، ربما عندما تتحول الكلمة إلى رغيف خبز في يد طفل جائع أو رصاصة في جيب جندي بضمير؛ عندها من المحتمل أن يكون الشعر خطراً. الشعر هو إيماننا الخفي، إيماننا الذي لا نراه، بل نشعر به فقط هكذا كالله.
■ عنيت أن الشعر أمر جدي.
□ أعتذر، لم أضحك من السؤال، ضحكت من مجرد تفكيري بأن الشعر يستطيع أن يكون خطراً. الجدية واللاجدية هي مجرد قناعة يختلف مدى تأثيرها من شخص لآخر وفق تصوراته وأفكاره والدرجة التي وصل إليها من الضوء، بالنسبة لي الشعر فاق مرحلة الجدية أو عدمها، أصبح واقعاً أعيشه وأتنفسه في كل لحظة.
■ هل هو ورطتك كإنسان؟
□ الحرب، الحرب التي لا تنتهي، الحرب التي تأكل قصائدي وتجعلني أتألم وأقترب من الضوء لدرجة أحترق بها كفراشة حمقاء.
■ من يشعل الحرب؟ من يشعلك؟
□ أنا لا أنطفئ لأعاود الاشتعال من جديد، أنا مشتعلة كآخر عود ثقاب في يد بائعة الكبريت، لكن هناك ما يؤجج اشتعالي، من الممكن أن يكون المطر، أو ظهور ضفدع بعد منتصف الليل، يغريني للقيام بتقبيله ظنَّاً مني أن مارداً ما سيظهر أو أي شيء غير قادر على الكلام، ويحتاج أن يصرخ. كيد طفل صغير مثلاً، أو ابتسامة سنجاب.
الحرب يشعلها البشر، البشر هذا المخلوق العجيب غير القادر على رؤية الله في داخله، غير القادر على سماع الآلهة وهي تقول للنار، للحرب، للجوع، للحزن كوني سلاماً، سلاماً، فكانوا جميعاً، إلا البشر لم يستطع أن يكون. الحرب يشعلها الظلام الدامس في روح الإنسان غير القادر على الحب.
■ سأسألك عن الحب أفين؟
□ معنى اسمي باللغة الكردية هو الحب، وهنا أستطيع التحدث من دون توقف.
■ الشعر والحب؟
□ الحب.. أن تكون جهة واحدة لكل الطرق التي في داخلك..
أن تتودد للرصاص المتساقط وتشعر بالشفقة عليه، لأنه يموت في صدر الطريق بينما تخترق الرصاصات قفصك الصدري، وتجعل منه نافذة لعصفور ربما يكون أكثر سعادة غداً…
أن تهدي وطناً جريحاً ياسمينةً كل مساء…
وتؤكد أن رائحتك لم تغادر الجدران مهما صرخ التراب على أدراج وسادتك المتخمة بالحلم، مهما كبرت عمراً، يوماً، فصلاً، تزداد ظلالاً، تسند قلب ذلك المنزل المهجور…
أن تشعر بأن كل العالم يرقص لمجرد هطول القصيدة، ويصمت الليل بخشوع في حضرة أغنية عاجزة عن البكاء، بينما تلامس يد الآلهة خصري وتجعل من جسدي موسيقى مجنونة…
أن تكون قادراً على البقاء لأطول مدة تحت شراشف من دون أن تخنقك الحكايات وتضيء الأقمار حتى آخر النجوم… أن تكون وحيداً مع ظل غادر الجدار، وترك قلبه معلقاً بمسامير روحك ونسي الفراشات هناك…
أن تكون خائفاً…
هكذا مثلي تماماً…
أن تكون خائفاً من جوقة ملائكة حطت على قلبك ونور تسلل لأصابعك السوداء فأصبحت بمحض الصدفة نوراً كاملاً لعتمة كبيرة في داخلك…
أن لا تجيد الهروب وإن فعلت تسبقك الجهة إلى هناك…
الحب…
هو ذلك الزفير المثقل بحرارة حياة تبعث الحياة في المرايا الخامدة وذلك اللهب المنطفئ هناك…
هو الأمل الذي يحملك فراشةً صفراء ورغيفَ خبز طازج لقلب عالم متعطش للدماء…
هو تلك الحقيبة التي طالما حلمت أن تركلها صدفة أو تهطل بها السماء في ليلة عاجزة… هو رغبتي الجهنمية بامتلاك جنة على الأرض…
رغبتي الملائكية في الصراخ والبكاء والضحك معاً…
هو رغبتي المجنونة في ملامسة وجه الحزين…
رغبتي الجامحة في تقبيل خطوط الشمس والتبخّر في رائحة الياسمين…
هو تلك التقلبات التي تغمرك كسمكة تسبح في زيت الخرافة لينجو قلبك الغريق…
هو ذلك الحزن الصافي المرتجف في دمي الآن…
ذلك الحزن الذي يوزع الدموع على قلوب الليل كلص جبان خانه الجوع فالْتهم الألم كي تبقى الخير بخير…
هو ذلك السحر الذي يخلط الصوت بالضوء…
الضوء بالنور….
والنور بطعم اللحظة…
هو تلك الطعنة العريضة العميقة…
وذلك الوشم الذي لا يكف عن دق صدري…
وجهي ليخرج صوت الله يزن الأفق قبل أن يصفعني الصباح..
الحب هو ميراث اسمي، اسمي الذي اختاره لي والدي، هذا الحمل الثقيل جداً.
■ مم تخاف أفين؟
□ أخاف من أمي، ومن الطفلة التي في داخلي، تلك الطفلة التي لا تحتمل الحنان وتبكي في كل مرة تلامس يدها شعري.
أخاف من دموع أبي، من البرد والجدران والكلس الممتلئ بحزن من سبقوني إليه…
أخاف من نفسي أحياناً..
وما يسبب لي الرعب هو خوفي الشديد من أن يأتي يوم تقف فيه ابنتي أمامي وتقول لي: احتجت وجودك في لحظة لم تكوني فيها موجودة.
يخيفني الفراغ.. الفراغ الذي في داخلي، الفراغ الذي أهرب منه دوماً، ذلك الثقب الأسود القادر على ابتلاع أي شيء وكل شيء.. هذا الثقب الأسود سر فكرة التجدد المستمر ورفض كلمة نهاية أو وصول هذه الكلمة التي اخترعها البشر، لا أدري لماذا؟..
يساعدني الشعر في التغلب على هذا الخوف وتحويل كل الأشياء التي ابتلعتها إلى أشياء جميلة.
لا أدري إن كنت أستطيع لكنني أحاول.
■ كيف هو ليلك، ليل الشاعرة؟
□ ليل الشاعر خيط رقيق جداً من النجوم التي تحاوط كتف السماء كلما سقطت ذاكرة طار سرب من السكون والفراشات ليعيد فم القمر إلى مكانه الصحيح، هو أرض من الحنطة تطوي السنابل والسفن الورقية تدفعها نحو الشمس ليولد موج جديد.
هو تلك المفارقة الحادة جداً، تلك المفارقة التي تشبه الحياة.. هو الأزرق والأزرق الفاتح جداً عندما تكوّننا الألوان. هو سجائر كثيرة ورغبتي الشديدة بالبكا.
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 848


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة