الأخبار
أخبار إقليمية
في حضرة شاعر الشعب السوداني محجوب شريف حضور في نصوصه ليوقظ أزمة الضمير الإنساني..
في حضرة شاعر الشعب السوداني محجوب شريف حضور في نصوصه ليوقظ أزمة الضمير الإنساني..



04-04-2015 09:22 PM
الخرطوم: عثمان عوض السيد


حيمنا يترنم الشعب السوداني القاصي والداني بأغاني وأشعاره الوطنية يكن محجوب حاضرا مابين أسطر كلاماتهم وترانيمهم من الجروف والوديان والجامعات السوامق بمختلف انتماءاتهم السياسية تخرج مفردات محجوب شريف، التي تتسم بالبساطة والرقة والعزوف عن صعوبة الألفاظ وصدق الكلمة، لذا كان محجوب هو شاعر البسطاء من أبناء جلدتنا لكل الشعب السوداني الذي وجد فيه الأب والابن في ذات الوقت يمثل شريف أبومي كما يحلو لرفاقه أن ينادونه به، وتتمثل فيه قيمه التي تحتل البيت الوسيع والقلب الأكثر شمولية، ويترك محجوب أبو مريم عن كل شيء يبعده عن الغلابة الذين اختاروه إماما وأبا لهم، يسبقه التوصيف (شاعر الشعب) في محاولته المتكررة للتنفس غصبا عن كل الأمراض، وهو يجاهد كي يرد بعضا من الجميل حتى قضى جل عمره في ضم الغلابة والفقراء من أجل مكافحة الفقر والمعافرة بين الفقراء في رد الجميل للوطن الذي أحبه بكل معاني الصدق والإخلاص في معاناة المرضى في وصفه لها :"روشتة تخلي الحتة أضيق من ثقب إبيره".
ما بشبه زول
سماحة محجوب شريف حينما يجلس مع الصغير قبل الكبير، ويسمع لهم دون فرز وعندما يجد من يعافر في الأرض من أجل رفث العيش وتضيق به فناء الأرض يحاول أن يخفف عنه محجوب، وحين يقللون من قيمة النساء في البلاد تجد محجوب حاضرا في الدفاع عنهن مع أم اليتامى ومع ست البيت ومع الأستاذة مع ست الكسرة ومع صاحبة الكفتيرة البتفك الحيرة مع كل بت أحسن من غيرا مع الممرضة السسترة والفراشة معاهن كلهن هو محجوب، فقد كان شريف كثير النكتة ظريفا بشوشا، رغم ما تحمله قصائده من الأدب الثوري والتنويري المشبع بالمثل الإنسانية النبيلة التي تحاكي الوجدان والضمير، كانت أحاديثه وقصائده تدخل القلب بلا استئذان أجل فهو يكتب عن الهموم الحقيقية للشعب وينسج من مشاهداته اليومية صورا فنية أدبية رائعة حقيقية دون تكلف وتزويق، فهو يكتب للناس التي أحبها وعمل ويعمل بكل قواه وطاقته من أجلها، وعندما تجد كلماته في حق أستاذه قاسم أمين وفي مدح صديقه الأمير الحاج عبد الرحمن نقد الله أحد أقطاب حزب الأمة القومي وقياداته، انزل الله عليه ثوب العافية تدرك وقتها بأن محجوب قد تخطى خط التوحيد والانكماش الحزبي إلى القومية والأصالة وحب الكلمة الصادقة في حق الأشخاص ويصف محجوب شريف صديقه الأمير نقد الله بـأنه أحب الناس إلى قلبه وأصدقهم واصفا بأنه من الأشخاص الذين لا يملك المرء إلا أن ينحني لهم إجلالا وأهدى له المحبوب شريف نص شعري كان مطلعه (يالله يا نقد الله يلا نحن شعبنا مدرستنا عليهو هلا هلا / شمسو شوف عيني بانت وهلالو فج الظلمة هل /زي عمود النور لقيتك واقفا راية ومظلة/ هب نقوم نفتح كتاب نرفع مجلة كتاب نرفع مجلة يلا يا نقد الله يلا)).

شاعر بقامة وطن
ومن أشهر قصائده: "يا والدة يا مريم، السنبلاية، الحرامي، الغويشة، مساجينك، صباح الخير مساء النور، أوعك تخاف"، وﺁﺧﺮ ﻗﺼﻴﺪﺓ ﻟﻠﺸﺎﻋﺮ ﻣﺤﺠﻮﺏ ﺷﺮﻳﻒ "ﺗﻼﺗﺔ ﻛﺒﺎﺭﻱ ﻭﺷﺎﺭﻋﻴﻦ ﻭﺳﺪ، ومن الذين تغنوا لمحجوب المطرب المصري الشهير محمد منير بأغنيته ذائعة الصيت "الشعب حبيبي وشرياني إداني بطاقة شخصية، وبرز محجوب شريف كشاعر إنساني وضع بصمته في خارطة الشعر بعد أن أثرى الساحة الثقافية في بلاده بالأغنية والقصيدة الوطنية، إذ يشير نقاد ومتابعون إلى أن قصائده التي تغنى بها الفنانان السودانيان محمد وردي ومحمد الأمين، أسهمت في تشكيل خارطة الغناء الوطني في السودان، حيث اتحفنا الشاعر المعلم القدير محجوب شريف بحديث شيق نقل خلاله ما يحمله من حب وطيبة وصدق وتضحية لشعبه وأبناء بلده وإلى الإنسانية في كل مكان، مطرزا حديثه بقصائد شعبية غنائية جميلة نابضة بالحب والحياة والعزيمة لمواصلة الدرب مسلطا الضوء على مأساة شعبه ومعاناة أهل بلده أنها بحق أشعار تتحدث عن الهموم الكبيرة ومعاناة الشعب السوداني.
أمس كنا في بيتك
كنا يوم أمس في بيت محجوب الذي ظلت أنفاس محجوب تحيط به من كل جوانبه حيث يجتمع الشباب في بيته وكأنك تحس بأن محجوب بينهم بطيبة معشره وكرمه وحبه للناس، رحبت بنا مريم محجوب، كان هنالك ورشة صغيرة ضمت عددا من الشعراء الشباب من بينهم عمر علي عبد المجيد، وزرياب أزهري محمد علي، ومحمد أحمد أم بوشه، مصعب فضل وغيرهم وتحدثوا لي عن مهرجان محجوب شريف للشعر، ويقول الشاعر عمر علي عبد المجيد إن التذكر يصح لمن غاب ومحجوب بما وضع على مستوى الشعر السوداني وبما قدم وبما رسخ وبما أوفى لهذا الوطن وهو حضورا كاملا وما يحدث في الأيام القادمة هو ليس تأبينا لهذا الرجل وإنما هو إحياء جمال لملامح نحاول في حضوره عبر نصوصه وأن نتسلم الرأية إذا كنا على قدر هذا المقام الرفيع للشاعر محجوب شريف، وهو مسرح البقعة السودانية والشارع ومسرح الإنسانية والمواقف، ووصف عمر بأن هذا الرجل منذ بدايته إلى آخر لحظة في أيام حياته كان كما تمنى وعاش كما يريد وقال بأنه يمثل لديه كل ما يشدوه وما سيظل يشدوه من بعده، وقال فتح الرحمن شريف المشارك في المهرجان بأنه تمنى أن يلتقي بمحجوب شريف الذي أحبه من كلماته ومواقفه الإنسانية، بينما قال صدام عمر إن محجوب يمثل له أبا روحيا وانه وجده من خلال كتاباته، وأضاف عمار شريف الدين بأن الحديث عن محجوب بقوله ليس من الضرورة أن يلتقي المرء بمحجوب فتعاطى الأديب ما يشترط الملاقاة وهو مرآة تعكس الكثير من التفاصيل، والشاعر يتعاطى عبر التراكم المعرفي وقد يضيف أشياء ترسخ في أذهان القراء بصورة ثابتة، ووصف عمار قائلا إن من عرف الشعر عرف محجوب شريف، بينما أحجم محمد أحمد عن الحديث عنه وقال يكفني أن اقول في محجوب (في دربك لسه كتار، للعار في الحين إتصدوا، لساهم قدر الهمة والماتوا ولا بتعدو، ماسكين بخبزو فوقو الوطن الواسع قدو).
يساري حتى الموت
اليسار الذي اختاره بمحض إرادته لأن محجوب يرى بأن الانتماء للحزب الشيوعي هو فرض عين بالنسبة له لذا كان هو اختياره له في الوقت الذي أحجم عنه شركاؤه من رفقاء النضال الانتماء لأي حزب مافي أحد الأيام بعد أربعينية محجوب كنت في بياح طيبة بريس جمعني الحديث مع الشاعر محمد طه القدال وتخلل حديثنا عن بعض ملامح حياة الأسطورة محجوب شريف، كان من بينها انتماؤه لتيار اليسار، قال القدال لـ(التيار) بأن محجوب انتمى للحزب الشيوعي عن قناعة تامة دون أي زيف ووجد فيه الخلاص والفكر والدفاع عن الغلابة، وحينما كتب محجوب شريف قصائد عديدة لرفاقه والى انتفاضتهم الباسلة التي حدثت في العام 1971م بقيادة "هاشم عطا" التي تكالبت عليها العمالة لتحبط ثورتهم بالمهد بعد ثلاثة أيام إذ شهدت في وقتها تلك الأيام تطورات كبيرة من دول عديدة شاركت بإخماد الانتفاضة ورجوع النميري للسلطة مرة ثانية، وما إن تسلم جعفر نميري السلطة حتى نصب المشانق وملأ السجون بالشيوعيين حكم عليهم بالسجن والإعدام، ومن أبرز من طالهم الإعدام الشهداء عبد الخالق محجوب، الشفيع أحمد الشيخ، هاشم العطا، بابكر النور، وهذا مقطع من إحدى قصائده يصف به الشهيد عبد الخالق محجوب فيقول فيها ((إسمو عبد الخالق / ختاي المزالق /أب قلبا حجر/ يا أرض الوطن يا أمو العزيزة ختالك ركيزة / دائما باقية ليك / في الحزب الشيوعي /طيري يا يمامة/ وغني يا حمامة/ وبلغي اليتامى / والخائفين ظلاما/ عبدالخالق حي وبالسلامة)).
يابا مع السلامة
في ظهر يوم الأربعاء الثاني من أبريل الماضي ضاقت رحاب الأرض وخيم الحزن على النيل الذي فقد أحد روافده المغذية ورفضت شمس الحرية أن تخرج من سماء السودان، وسط حشود كبيرة امتلأت الثورات وضاقت بهم بياح أرضها ولفظة أنفاس خروج ابن أرضها المعطاة المحجوب شريف وتزاحم العشرات أمام ساحة منزله بالثورة الواحد والعشرين إثر معاناة مع المرض، وبعد أن خلد إرثا من الأشعار التي تبنى خلالها قضايا وهموم البسطاء، واشتهر شريف بالتعبير عن كفاح الشعب ونضاله من أجل الديمقراطية والحرية والعيش الكريم عبر أسلوبه الخاص والمميز في نظم القصيدة بالعامية في السودان، الأمرالذي أدى لاعتقاله مرات عدة أبرزها في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، حيث سجن ثلاث سنوات، وكذلك مع بداية حكم الإنقاذ في العام 1989 م نتيجة مواقفه المناهضة للحكومة، حتى ووري الثرى وضم تراب أرضه جسده وعاد الابن إلى أمه التي عشقها وعفر رأسه فيها، كان جميع رفقاء دربه الذين هزهم زلزال فراق المحجوب، لم يستطيع الكل التحدث لي وسائل الإعلام من هول العاصفة التي اجتاحت السودان من فقد أبو اليتامى، كان الصمت وقتها يخيم على أزهري محمد علي ورفض وقتها التحدث لكافة وسائل الإعلام، وأيضا ظل توأم نضاله أبوعركي البخيت ينظر إلى السماء تارة وإلى الأرض تارة أخرى وعجز لسان حاله بوصف فقده الجلل وظل يمشي بين الناس ولم يجلس أبدا حتى خرج جسد المحجوب محاطا بالنساء والأطفال والرجال، وفي لمح البصر اجتمعت الأعلام الحمر وشعارات الحزب الشيوعي على اللافتات ملأت ساحة منزل شريف وتدافقت الحشود، واجمع المواطنون على أن يذهبوا بأرجلهم من الثورة الواحد والعشرين إلى مقابر أحمد شرفي، حيث ضاقت بالحشد الذي حضر إلى تشييع محجوب من كافة بقاع الخرطوم.



التيار


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1580


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة